رفع أسعار الصحف الورقية في مصر “دواء مر” لصناعة “في مهب الريح”

القاهرة – ربيع أبو زامل: يقف مشدوها أمام كومة من الصحف الملقاة على رصيف إحدى منافذ البيع، وسط العاصمة المصرية القاهرة، ممررا عينيه على عناوين يراها مكررة في أغلبها، ليلتقط في النهاية إحدى اليوميات الخاصة واسعة الانتشار.

لم يكن هذا المشهد، للمدرس الخمسيني عبد الله الحسيني، وفق حديثه، متكررا قبل سنوات، ولكنه أصبح هكذا الآن، إذ أن ما يدفعه حاليا لشراء نسخة واحدة من الصحف الورقية، كان يشتري به سابقا 3 نسخ متنوعة التوجه الفكري والتحريري.

وعزا المواطن المصري عزوفه عن شراء المزيد، إلى ارتفاع أسعار الصحف، وتكرار ما هو مرسوم على صدر الصفحات الورقية.

ذلك التحدي سيكون مضاعفا خلال أيام، بسبب ارتفاع أسعار مستلزمات الطباعة، الأمر الذي دفع صناع الصحف بمصر إلى اتخاذر قرار بزيادة أسعار نسخها الورقية.

ذلك القرار يراه مسؤول نقابي، “دواء مرا لا بد منه”، في مقابل تحذيرات مختص مصري من “دق المسمار الأخير في نعش الصحافة الورقية”، بارتفاعات سعرية جديدة.

“زيادة أسعار الصحف بمثابة دق المسمار الأخير في نعش الصحافة الورقية”

ومؤخرا، اتفقت إدارات المؤسسات الصحفية المصرية؛ على زيادة أسعار الصحف والمجلات المطبوعة، بنسب تصل إلى 40 بالمئة، بغرض مواجهة ارتفاع مستلزمات الطباعة.

ومن المقرر زيادة سعر الصحيفة اليومية إلى 3 جنيهات (نحو 0.16 دولار) بدلا من جنيهين ( نحو0.11 دولار)، بينما الأسبوعية 4 جنيهات (نحو 0.22 دولار) بدلا من 3 جنيهات، مع تقليل عدد الصفحات الملونة، على أن يبدأ العمل بالقرار، خلال أيام، وفق تقارير محلية.

وبالتدقيق في كلمات الحسيني، نجدها لخصت حال الصحف الورقية بمصر، وأكدتها مؤشرات رسمية تشير إلى تراجع معدلات مبيعاتها، بنسبة تقترب من 50% خلال الفترة من 2010 حتى 2016.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، بلغ عدد الصحف المصرية اليومية والأسبوعية والشهرية، 142 صحيفة عام 2010، بمعدل توزيع 917.9 مليون نسخة على مدار العام، انخفض بنسبة 58.2% عام 2016 بمعدل توزيع 534.6 مليون نسخة، تصدر عن 76 مؤسسة صحافية.

بينما قال محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين، نقلا عن مصادر مطلعة (لم يسمها) إن “كل المطبوع المصري لا يوزع حاليا أكثر من 300 ألف نسخة يوميا”.

“الصحف الورقية مجتمعة توزع نحو 300 ألف نسخة يوميا”

عبد الحفيظ، أشار في تصريحات صحافية، إلى أنه قبل عام كانت الصحف المصرية تطبع نحو 450 ألف نسخة ورقية، وقبلها بسنوات قليلة كان الرقم يقترب من 600 ألف.

ولفت إلى أنه “أثناء ثورة يناير (كانون الثاني 2011) وما لحقها من أحداث حتى عام 2013 كنا نتحدث عن مليون و200 ألف نسخة تباع يوميا، وصل في بعض أيام تلك الفترة الرقم إلى مليون و800 ألف نسخة مطبوعة”.

وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت صحف محلية، إلى التوقف عن الصدور نهائيا، على غرار صحيفة البديل (يومية/ خاصة) أواخر 2015، أو الاكتفاء بنسختها الإلكترونية كما “التحرير” (يومية/ خاصة) في العام ذاته.

بينما تحولت صحف من يومية إلى أسبوعية على غرار “المصريون” (خاصة)، أواخر 2013.

وحاليا يناقش المسؤولون عن صحيفة “الأهالي” الصادرة عن حزب التجمع (يساري)، إمكانية غلق الصحيفة بشكل نهائي بعد غلاء أسعار ورق الطباعة، بحسب تصريحات سابقة لمسؤولين بالحزب.

وتنوعت دوافع الصحف السابقة وغيرها وجاء أبرزها “مصاعب التوزيع وتكلفة الإنتاج، وتضييق المجال والحريات الصحافية”.

دواء لا بد منه 

عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين، رأى في رفع أسعار الصحف الورقية “دواء مرا لا بد منه”.

واقترح سلامة، خلال اجتماع المؤسسات الصحافية، الشهر الماضي، بإنشاء تكتل من المؤسسات الصحافية القومية (المملوكة للدولة) والخاصة لإنشاء مصنع للورق.

وحول تفاصيل الاقتراح، أوضح “لدينا أرض حالية تقدر بـ128 فدانا مخصصة لإنشاء مصنع الورق في محافظة البحيرة (شمال)”.

وأشار إلى أن “المشروع يواجه عقبات خطيرة (لم يحددها) تحتاج إلى دعم على مستوى عال للتنفيذ ومساندة فعلية”.

ورغم تراجع مبيعات الصحف الورقية، منذ نحو 7 سنوات إلا أن الأزمة بدت بوضوح، مع توجه مصر إلى تعويم عملتها المحلية، أواخر 2016.

إذ لامس سعر صرف الدولار الأمريكي نحو 18 جنيها، (ضعف السعر قبل التعويم تقريبا) ما انعكس بشكل سلبي على أسعار الطباعة والورق والأحبار والإنتاج والتسويق وغيرها من آليات الصناعة الصحافية.

وفي هذا الصدد، قال عمرو خضر، رئيس شعبة تجار الورق وأصحاب المصانع باتحاد الغرف التجارية (مستقل وتشرف عليه وزارة التجارة والصناعة)، إن الورق المستخدم في طباعة الصحف يتم استيراده كليا من الخارج.

وأوضح خضر، في تصريحات صحافية أن “سعر طن الورق ارتفع من 600 دولار إلى 1000 دولار، بسبب زيادة أسعار المحروقات والطاقة”، خلال الفترة الأخيرة.

ظاهرة عالمية 

أما الأكاديمي المصري سامي الشريف، أستاذ الإعلام الدولي، فيرى مستقبل الصحافة الورقية ببلاده، “في مهب الريح”، لأسباب عدة، أبرزها ارتفاع السعر.

لكن الشريف أكد أن الظاهرة “عالمية”؛ إثر أسباب من بينها “استغناء الجمهور بما تقدمه المواقع الإخبارية وشبكة الانترنت وبرامج التوك شو عن الصحف الورقية”.

ومستشهدا بتجارب دولية، قال الشريف إن صحف عالمية كبيرة ألغت الطبعات الورقية واكتفت بنسخ إلكترونية.

وكانت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية واسعة الانتشار اتخذت، عام 2016، قرارا جريئا بالتوقف عن طباعة نسختها الورقية، والاكتفاء بالموقع الإلكتروني، لتتبعها صحف أخرى بارزة من بينها “وول ستريت جورنال” الأمريكية التي حجبت نسختيها الآسيوية والأوروبية العام الماضي.

ورأى الشريف أن “ارتفاع أسعار أوراق الصحف، والعزوف عن الصحف المطبوعة، يبدو أنه سيكون هو السائد خلال السنوات الخمس المقبلة”.

ومتفقا مع الشريف، توقع سعد عبد الحفيظ، عضو نقابة الصحافيين، بأن يكون القرار “القشة التي قصمت ظهر البعير”.

وأضاف: “لدينا مهنة تحتضر بالفعل لأسباب عديدة على رأسها تضييق المجال العام وحصار استقلال الصحافة وحرية الرأي والتعبير”.

“الصحافة المكتوبة تحتضر بسبب تضييق المجال العام وحصار استقلال الصحافة وحرية الرأي والتعبير”

بدائل 

وبخصوص بدائل قرار رفع الأسعار، حذر الأكاديمي سامي الشريف، من أن القرار لن يحل المشكلة بل ربما يعقدها أكثر.

وأوضح: “سيجعل العدد القليل من القراء للصحف الورقية يعزف عنها وبالتالي تواجه هذه المؤسسات خسائر أكبر”.

ودعا الشريف، الصحف المصرية والعربية إلى مواجهة المشكلة بآليات وطرق أكثر ذكاء بتنويع أعدادها ومادتها والاعتماد على جزء من النسخ الإلكترونية تدعمها النسخ الورقية.

وطالب أيضا، الدولة، بـ”التدخل لحماية الإعلام الرسمي المتمثل في الصحف القومية من الانهيار والتراجع، أمام شراسة المنافسة من قبل المؤسسات الخاصة”.

بدوره طالب سعد عبد الحفيظ، المؤسسات الصحافية بـ”تقديم محتوى صحافي جيد يقنع القارئ بأن يقبل مرة أخرى على الصحافة المطبوعة، ويدفع فيها مقابل”.

وأوضح “القارئ حاليا يهرب من الصحف الورقية لأنه لا يجد المحتوى الجيد، وليس من المنطق أن أقدم سلعة رديئة ثم أرفع سعرها”.

واختتم عضو نقابة الصحافيين حديثه قائلا: “أولى بنا بدلا من رفع السعر، فتح حوار جاد مع مؤسسات الدولة ونطالبها بفتح المجال العام وأن تحافظ على استقلال وحريات الصحافة حتى نستطيع مرة أخرى إقناع الجمهور المصري والعربي بمنتجنا الصحافي المقروء”. (الأناضول)