المراوحة في المكان

مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط بقيت مستقرة في السنة الأخيرة

يوسي ملمان

Sep 11, 2018

في السنة الماضية بقي الوضع الامني والعسكري لإسرائيل في كل الجبهات مستقرا ـ هكذا يقدرون في شعبة الاستخبارات العسكرية «امان»، في هيئة الاركان للجيش الإسرائيلي، في الموساد وفي الشاباك. إسرائيل كانت ولا تزال القوة العظمى الأكبر والاقوى في الشرق الاوسط، وهي ليست عرضة لأي تهديد جدي، وبالتأكيد ليس وجوديا. ولكن هذا الاستقرار لم يستغل للتقدم في تحقيق الفرص وتحسين الوضع السياسي والأمني وتحقيق تسويات مستقرة اكثر في سوريا وفي غزة. الجديد الاكثر اثارة للاهتمام هو أنه في السنة والنصف الاخيرتين نفذ الجيش الإسرائيلي ولا سيما بواسطة سلاح الجو، 202 هجوما ضد اهداف لإيران وحزب الله في سوريا. منذ نشوب الحرب الاهلية قبل سبع سنين ونصف السنة يمكن التقدير بان سلاح الجو نفذ قرابة 500 غارة.
في الجيش الإسرائيلي يفهمون بأن ما يحصل في المعركة ما بين الحربين. هذه هي عمليات جراحية، موضعية، تكون علنية احيانا ولكن في الغالبة سرية، لا تتبنى إسرائيل المسؤولية عنها. في المعركة مع بين الحربين يشارك اساسا سلاح الجو، سلاح البحرية والاستخبارات بوحدات هذه الاسلحة المختلفة. عمليات المعركة ما بين الحربين تنتشر في ساحات مختلفة ـ ليس فقط في سوريا وفي لبنان بل وفي غزة ايضا. ويمكن التقدير انها تتم في اماكن اخرى ايضا. فالناطقون الإسرائيليون يتباهون بان إسرائيل يمكنها أن تصل إلى كل مكان، بما في ذلك إيران، وتشهد على ذلك عملية الموساد للحصول علىى الارشيف النووي. كما كانت في الماضي تقارير عن ان الجيش الإسرائيلي عمل في سيناء لمساعدة الجيش المصري. قصف في السودان وأبدى حضورا في البحر الاحمر.
تشهد كثرة العمليات في سوريا بان المخاوف المسبقة والتحذيرات (بما فيها من كاتب هذه السطور) بأن تواجد الجيش الروسي في سوريا سيمس بحرية عمل الجيش الإسرائيلي، كانت عبثا. فالاعمال تشهد على أن التعاون والتنسيق بين إسرائيل وروسيا لم يسبق أن كانا أفضل. فالجيش الإسرائيلي لم يكن بوسعه أن يهاجم ويدمر ارساليات سلاح للصواريخ الدقيقة من إيران لحزب الله، مخاون سلاح، مصانع لإنتاج الصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي ـ دون إذن او غض النظر من الكرملين. ثمة في هذا الشأن تماثل للمصالح وتفاهمات بين إسرائيل وروسيا. فالدولتان (ونظام الأسد ايضا) غير معنيتين بتواجد إيراني على ارض سوريا، وهما تعملان في أن تسحب إيران قواتها من هناك في نهاية الحرب. كما تراعي إسرائيل في هجماتها إرادة روسيا في عدم هز نظام الأسد وعدم المس بالجيش السوري، وهي لا ترد الا على النار التي تطلق نحو طائراتها. في هذه الاثناء يعطي هذا التعاون نتائجه. فلا توجد لإيران او فروعها (حزب الله والميليشيات الشيعية) على مسافة بضع عشرات الكيلو مترات عن هضبة الجولان. الجيش السوري يعود للانتشار على طول الحدود وفقا لاتفاقات فصل القوات في 1974. كما ان هناك تواجدا لبضع مئات من رجال الشرطة العسكرية الروسية. يشرقون على اتفاق وقف النار بين النظام ومنظمات الثوار.
من جهة اخرى لا يوجد ايضا اي مؤشر على أنه رغم الضغط العسكري الإسرائيلي ـ فان الكتف الباردة لروسيا والمشاكل الاقتصايدية الداخلية تعتزل إيران التنازل في المدى البعيد عن معقلها في سوريا. ففي مهامتها سفك دماءهم في ميادين المعارك في سوريا المئات من مقاتليها، اضافة إلى نحو 2000 من مقاتلي حزب الله والاف عديدة من رجال الميليشيات الشيعية، وذلك ليس فقط من أجل بقاء نظام الاسد. فقد فعلت هذا واستثمرت في الحرب نحو 17 مليار دولار كي تتمكن من التمتع باقامة هلال شيعي، من طهران، عبر بغداد ال سوريا ومن هناك إلى لبنان.
وبالتالي فإن الصراع بين إسرائيل وإيران، الذي يرتدي وينزع الشكل، من استخباري وسري إلى عسكري وعلني، سيستمر.
الوضع في غزة هو الآخر يبقى متفجرا. فالهدوء الذي تحقق بين إسرائيل وحماس في أعقاب جهود الوساطة لرئيس المخابرات المصرية الجنرال كامل عباس ومبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الاوسط نيكولاي ملدينوف قائم وان كان هشا. بعد اكثر من أربعة اشهر اوقفت حماس نار الصواريخ واطلاق الطائرات الورقية والبالونات الحارقة والمظاهرات على الجدار واثبتت بانها ان ارادت فانها تكون صاحبة السيادة في غزة تخضع لامرتها الجهاد الإسلامي والمنظمات العاقة.
اذا استمرا الهدوء، سيتمكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان من التباهي في أن سياستهما «الهدوء يستجاب بالهدوء» نجحت، دون أن تقدم إسرائيل اي تنازل لحماس. وهذه بالضبط هي المشكلة. حماس تفهم ذلك جيدا، وهي لا تريد أن تتخذ صورة المهزوم. هدفها الاستراتيجي هو تحقيق اعمار القطاع، للتخفيف من أزمة 1.9 مليون فلسطيني ورفع الحصار الذي تضربه إسرائيل ومصر عليه.
إسرائيل ستكون مستعدة لذلك فقط بشرط أن تعيد حماس جثماني الجنديين والمواطنين المحتجزين لديها ـ واللذين بتقدير الاستخبارات على قيد الحياة. حماس تطالب بالمقابل ان تحرر إسرائيل مئات المخربين، بعضهم مع «الدم على الايدي»، المحكومين لعدة مؤبدات. اما إسرائيل فترفض.
وهكذا، وفقا لتقديرات محافل الاستخبارات، هناك خطر اكبر لاستئناف المواجهة العسكرية من اتفاق بعيد المدى. فغياب الاتفاق والطريق السياسي المسدود مع السلطة الفلسطينية، والذي احتمالات استئنافه طفيفة، تضع المرة تلو الاخرى إسرائيل في الموقف ذاته. فهي تستمتع بالوضع الراهن. زعماء في العالم، بعضهم دكتاتوريون وحشيون او موضع خلاف، مثل الرئيس الفلبيني رودريغو دوتيرتا ممن تفتح إسرائيل امامهم بواباتها بسرور، يأتون اليها. وهم يأتون إلى هنا كي يشتروا السلاح وتكنولوجيا السايبر، بما فيها من برامج اقتحامية تفتح لهم امكانية ملاحقة خصومهم والتمتع بالعلم الزراعي والطبي الإسرائيلي. وتضاف إلى الصداقات الجديدة ايضا دول عربية تجد قاسما مشتركا واحدا مع إسرائيل: الخوف والعداء لإيران.
ولكن لادعاء رئيس الوزراء بأن العالم السني يبدي ودا تجاه إسرائيل يجب التعاطي معه بمحدودية الضمان. اتحاد الامارات، قطر، البحرين وبالتأكيد السعودية لن تقيم علاقات علنية مع إسرائيل طالما لم يتحقق تقدم في القناة الفلسطينية. وهي مستعدة لان تشتري السلاح والعتاد الاستخباري من التكنولوجيا الإسرائيلية المتطورة، وعقد اللقاءات سرا ـ ولكن ليس أكثر من ذلك.
أما المسألة الفلسطينية، مسألة الديموغرافيا ـ وخطر الدولة ثنائية القومية ـ كانت ولا تزال المشكلة رقم 1 لإسرائيل، إلى جانب الشرخ الداخلي، الانشقاق والتحريض، والتي تبذل حكومة نتنياهو كل جهد مستطاع للابقاء عليها كمصلحة سياسية تضمن بقائهم في الحكم.

معاريف 7/9/2018

المراوحة في المكان
مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط بقيت مستقرة في السنة الأخيرة
يوسي ملمان
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left