فيلم «غروب» للمجري لازلو نيمش… نذر حرب وانقضاء حقبة تاريخية

Sep 11, 2018

فينيسيا ـ «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: جاء المخرج المجري لازلو نيمش إلى مهرجان فينيسيا السينمائي في دورته الخامسة والسبعين، محملا بتوقعات عريضة من النقاد والجمهور على حد سواء. فبعد فيلمه الروائي الأول «ابن شاؤول» (2015) الحائز جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كان وأوسكار أفضل فيلم أجنبي، الذي زجنا به نيمش في أعماق جحيم المحرقة، فأثار فينا الفزع والرهبة والخوف والألم، والذي قدم لنا نفسه فيه مخرجا جديدا في أوج حرفيته وتمكنه من أدواته، كنا نترقب فيلمه الثاني «غروب» بتلهف كبير
يعيدنا نيمش في «غروب» إلى وقت أفول الإمبراطورية النمساوية المجرية في أوائل القرن العشرين، وإلى نذر دمار العالم وسقوطه في حرب لا تبقي ولا تذر، وهي الحرب العالمية الأولى. المكان هو العاصمة المجرية بودابست، التي بدأت تتهدها الفوضى والعنف والسقوط في براثن المجهول المخيف. يقدم نيمش أجواء قاتمة، وخوفا من خطر محدق يتربص بالمدينة، ولكن وسط هذه الأجواء الظلامية الخانقة المليئة بالذعر يضل نيمش الطريق، وتفقد رؤياه وضوحها لتأتي بنيته السردية مفككة مفتقرة إلى ما يجمع عراها ينجح نيمش في الزج بنا مجددا في غياهب عالم تكتنفه الفوضى والفزع، ولكن القصة الرئيسية للفيلم، عن تلك الشابة التي عادت لبودابست بحثا عن ماضي أسرتها ومجدها السليب، وفي محاولة لحل لغز شقيقها الذي لا تعلم عنه شيئا، جاءت مفككة مليئة بالثغرات، فنصبح ونحن نشاهد الفيلم كمن يتخبط في الظلمات بلا هدى، ونضل طريقنا وسط تخبط السرد.
يبدأ الفيلم بوصول إيريس لايتر (يوليا ياكوب) الشابة الجميلة التي يحمل وجهها مسحة من الحزن، إلى بودابست للبحث عن عمل في متجر أنيق للقبعات، تؤمه صفوة المجتمع والعائلة المالكة. يحمل المتجر الأنيق اسم «لايتر»، اسم عائلتها، فقد أسسه والداها قبل حريق التهم المتجر وراح ضحيته والداها وهي رضيعة. لا يقدم نميش تفسيرا لملابسات إحراق المتجر، ولكننا نعلم أن المتجر اشتراه أوسكار بريل (فلاد إيفانوف) الذي احتفظ باسمه القديم وبما اشتهر به وهو صنع القبعات الفاخرة لتتزين بها وتعتمرها صفوة نساء المجتمع. تقدم إيريس نفسها لطاقم المتجر وتطلب العمل، ولكن بريل يرفض طلبها وينصحها بمغادرة المدينة والعودة من حيث أتت
ومنذ لحظة خروجها من باب المتجر الأنيق تسقط إيريس في عالم تعمه الفوضى، عالم أشبه بالجحيم، تحاول فتح الأبواب الموصدة لفهم حقيقة ماضي أسرتها ولمعرفة المزيد عن شقيقها الذي لم تكن تعلم عن وجوده شيئا، لكن بدون جدوى. يركز نيمش بلقطاته المقربة المميزة على وجه إيريس وكل ما يحمله من حيرة ويأس وعدم مقدرة على الفهم.
تعييها سبل فهم الماضي، أو حل ألغازه، وتعيينا نحن أيضا. يسقطنا نيمش في جحيم من الفوضى والتخبط والحيرة، وإن كان لهذا العالم السفلي ما يبرره، بل وما يجعله ضرورة في فيلمه «ابن شاؤول»، إلا أننا نراه مغامرة غير محسوبة العواقب في «غروب». لا يقدم نيمش في «غروب» ما يجعلنا نكوّن أي صلة نفسية بإيريس أو بالعالم الكابوسي الذي تجد نفسها في براثنه، ونجد أنفسنا قد ضللنا الطريق وفقدنا الصلة بالفيلم وعالمه. تواصل إيريس بحثها لتجد في رحلتها شخصيات غرائبية وعالما كابوسيا، ومؤشرات تعدها بالوصول إلى حلول لألغاز لا تحل قط. يسعى نيمش لالتقاط حيرة بلاده وتخبطها، وهي توشك على أن تسقط في براثن حرب عالمية لا تبقي ولا تذر، ولكنه يسقطنا في أتون الفوضى، بدون أن يقدم لنا بعدا إنسانيا نتعاطف معه يضمر الفيلم أكثر بكثير مما يفصح عنه، فنجد شذرات من هنا وهناك تشير إلى توتر العلاقة بين بودابست وفيينا، وإلى نظر أهل المجر إلى فيينا وطبقتها الحاكمة ككيان قامع مخيف، يفتك ببراءة مجرية نراها في فتيات يرسلن إلى البلاط الملكي في فيينا، ولا نعرف لم يرسلن تحديدا، ولكن ما نعلمه أنهن يعدن من هناك جريحات معذبات مشوهات. إنها روح أوروبا المشوهة المعذبة المنقسمة على ذاتها، على أعتاب حرب مدمرة مهلكة. تتقاذف إيريس الأفكار وتدفعها الأيدي في كل اتجاه. جاءت ببراءة صباها إلى موطنها علّها تجد ذاتها أو تعيد صلاتها بماضيها، ولكن بحثها عن ذاتها وعن أسرتها وماضيها لا يفضي إلى شيء سوى المزيد من الحيرة والألم.
هي كيان معذب مقتلع من جذوره كما هو حال بلادها وأوروبا بأسرها التي توشك على السقوط في حرب كابوسية. يحاول نيمش في «غروب» تصوير طبقة حاكمة مترفة ترفل في الترف وتستلذ بتعذيب من هم أقل منها حظا وتجد متعة في إفساد البراءة والجمال في كل ما يحيط بها، طبقة حاكمة تغيب عن وعيها وسط دخان المخدر، بينما تمور الشوارع بالغضب والعنف الذي ينذر بحرب مقبلة لا محالة. نحاول أن نتعاطف مع إيريس في بحثها، ولكنها تبدو لنا أقرب إلى الرمز منها إلى الشخصية الحقيقية، فتأتينا باهتة غير مؤثرة رغم سعيها المحموم.

فيلم «غروب» للمجري لازلو نيمش… نذر حرب وانقضاء حقبة تاريخية

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left