فتنة التأويل في ديوان «فاتحة الشمس» للمغربي محمد الشيخي

محمد أيوب

Sep 11, 2018

ليست كل الأعمال الأدبية تفتح ذراعيها لمعانقة القارئ واحتضان تأويلاته، وإنما صفة الانفتاح على التلقي والتأويل لصيقة بالإبداعات الغنية التي تومئ أكثر مما تشير، نظرا لطبيعتها الإيحائية التي تسير في أكثر من اتجاه على اعتبار أن العمل الأدبي هو (أثر مفتوح على الأقل لكونه يؤول بطرق مختلفة دون أن تتأثر خصوصيته التي لا يمكن أن تختزل) ـ تجربة غنية.
ويعتبر ديوان «فاتحة الشمس» للشاعر المغربي محمد الشيخي، نموذجا من نماذج الآثار المفتوحة التي نظمها الشاعر بأكثر من لسان، في أزمنة وأمكنة مختلفة، كل لسان يستنطق الغياب ويحاور المسكوت عنه وللقبض على الغابر/الظاهر فيه ينبغي على القارئ/الناقد أن يتسلح بأدوات معاصرة تمكنه من تفكيك مفصلياته، والقبض على فائض المعنى الذي يختفي وراء الصور الشعرية الفنية والجمالية، خاصة أن تجربة الشاعر محمد الشيخي تعد من التجارب المتشبعة بالتجربة الحداثية بأشكالها المختلفة، مكنته من تطويع القصيدة الحرون بحكم اطلاعه على تجارب الحداثة الشعرية في مصر وسوريا ولبنان، التي عرفت تحولات كثيرة بالموازاة مع تحول الواقع العربي، حيث انتقلت من بلاغة الشعر إلى تجسيد معاناة المواطن العربي وهمومه. وقد ساهمت في نشر هذا الوعي الشعري مجلات أدبية رائدة في هذا المجال مثل: مجلة «الآداب» لسهيل إدريس ومجلة «شعر» ليوسف الخال، ما ساهم في ظهور أصوات شعرية كثيرة مثل صلاح عبد الصبور ونزار قباني وأدونيس وأنسي الحاج ومحمد الماغوط..
وللشاعر محمد الشيخي إصدارات متعددة منها: «حينما يتحول الحزن جمرا» الصادر عن منشورات الجامعة، سنة 1983، وديوان «الأشجار» الصادر عن دار قرطبة، سنة 1988، و«وردة المستحيل» الصادر عن منشورات فضاءات مستقبلية سنة 2002، ثم «زهرة الموج»، الصادر سنة 2009، عن دار الحرف.

في عمق الديوان

وقديما كان الشاعر العربي يحلم بكتابة قصيدة طويلة، ولذلك ارتبطت جودة الشعر وأهميته بطول القصيدة وعدم ابتعادها عن عمود الشعر، ولذلك احتفوا بالمعلقات، وفي الاتجاه نفسه سارت قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، غير أننا في ديوان «فاتحة الشمس» نجده عبارة عن ومضــــات تبدأ بفاتحة الشمس وتنتهي بخـــاتمـــة الشمس، وبينهــــما يتدفــــق شلال الذاكـــرة المشتعلة (من أشعل في ذاكرتي… فاتحة الشمس) ويكون فضاء الذاكرة هو الحاضنة الخصب لمخاض شعري جديد ذي بنية تقابلية، كل صورة تقابل صورة أخرى مختلفة إلى حد التضاد (قفا نبك
قفا نضحك) (فاتحة الشمس وخاتمة الشمس مشرعة كل المرايا). وفي هذه الومضات المتضادة هناك منافسة شرسة بين اللفظتين المختلفتين البكاء في مقابل الضحك والفاتحة في مقابل الخاتمة، كل واحدة تعبر عن حالة من حالات الشاعر النفسية بين الإحباط والأمل، بين الحزن والفرح، وفي النهاية غالبا من نجده يرتكز على إيقاع الخاتمة على أساس أنها الفكرة التي يريد إيصالها إلى المتلقي.
وبين هذه الثنائيات الضدية الفاتحة /الخاتمة والبكاء والضحك تتحرك شطحات الشاعر الصوفية، التي تتوجه إلى الداخل لكي تدعم الخارج وتقويه، وتبحث عن المجهول لتكشف المستور في شكل ومضات سريعة مشرقة متوهجة مكثفة، مفتوحة على التأويل، ومفتوحة كذلك على نصوص قديمة أعاد الشاعر إحياءها والتذكير بها (خفف الوطء ما قد تبقى يؤسسه الصمتُ والفتنة النائمة) في إشارة إلى بيت أبي العلاء المعري
«قفا نبك» الذي يتناص فيه مع بيت امرئ القيس المشهور، مستخدما أسلوب الصدمة التي ترج المتلقي وتبعث على التأمل والتفكير، وذلك باعتماده لغة غير مألوفة، فيه صور شعرية نفسية مدعومة بإشارات جسدية (مشرعة كل المرايا
هل ترى أزمنة تمشي
على سجادة الليل)
إن المرآة هنا لها تقاطعاتها الاستعارية مع كلمة الماء التي تحيل إلى مرجعية أسطورية تخترقها شخصية (نرجس) الفتى المولع بصورته المنعكسة على صفحة النهر، غير أن الغاية والهدف من المرايا تحولت بقدرات الشاعر ومخيلته من وسيلة عاكسة للصورة إلى وسيلة لانعكاس الزمن، للزم الماضي بتقلباته، والحاضر بآماله وآلامه، والمستقبل بتطلعاته، وبهذه الصور الشعرية يتمكن من إثارة فضول المتلقي وتوريطه في تمثل المشهد وتصوره، حيث المتلقي في هذه الحالة يصبح عنصرا مهما من عناصر تشكيل الصورة الشعرية. وقد تبدو للقارئ أن هذه الومضات عبارة عن جزر نائية مستقلة، لكنها في الحقيقة هي ومضات مترابطة يربط بينها خيط ناظم هو الموقف الحسي والإحساس المرهف الذي يميز إبداعات الشاعر محمد الشيخي .

استنتاجات

نسجل بأن الديوان يبدأ من فاتحة الشمس في جولة سياحية في الأماكن (طنجة ـ إشبيلية…) و«فاتحة الشمس» بمثابة تمهيد للوصول إلى الدورة الأخيرة للديوان وهي خاتمة الشمس التي تعتبر الدورة الهاربة المدهشة، وكأن الشاعر يكتب سيرة للمواقع والأمكنة والأزمنة حين يتجول في محطات الذات الشاعرة، بإعادة تشكيل العالم في الممارسة الشعرية بلغة سامية صوفية. كما نسجل بأن اللفظة في الديوان بنت السياق، مرة تكون منفعلة ومرات كثيرة تكون فاعلة، وتختلف درجات فاعليتها بحسب درجات انزياحها، ما يزيد من عمق اللغة الشعرية إلى درجة أننا في وقت من الأوقات بتنا نقرأ ومضات شعرية تجريدية، ما ساعد على ثراء اللغة وتعدد القراءات، ما يجعل النصوص الشعرية حية مفتوحة مع القارئ وتأويلاته، لأن النص بحسب أمبرتو إيكو نص ناقص وغير نهائي، أي أنه خاضع للتأويل والقراءة.

٭ ناقد مغربي

فتنة التأويل في ديوان «فاتحة الشمس» للمغربي محمد الشيخي

محمد أيوب

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left