خمس عقبات تحول دون وراثة محمد بن سلمان مُلك جدّه

فريد بغداد

Sep 11, 2018

بدأت فصول محاكمات صورية لعلماء ودعاة كانت السلطات السعودية قد اعتقلتهم في أوقات مختلفة من دون أسباب معروفة وواضحة، غير أن توجهاتهم الدينية والفكرية المخالفة لهوى النظام السعودي تكون خلف ذلك.
و إذا كانت النيابة السعودية قد أوصت بإعدام سلمان العودة مكيلة له جملة من التّهم الفضفاضة والمضحكة في الآن ذاته فإنّه من السذاجة التصديق أنّ سبب اعتقال العودة يعود إلى تغريدته البريئة التي دعا فيها إلى تأليف القلوب لما فيه خير الشعوب، فوراء الأكمة ما وراءها.
و لإدراك في أي سياق تأتي هذه المحاكمات وحرب بن سلمان على العلماء والدّعاة والمفكرين، و علاقة ذلك بمساعيه لتوطيد حكمه ينبغي تكبير الصّورة حتى نتمكن من تفحص المشهد العام ونعرف عندها في أي موقع توجد تفاصيل قضية العودة ورفاقه القابعين في السّجن.

اختطاف السلطة

بالعودة إلى خلفيات حكم بن سلمان فإنّنا سنقف على حجم صعوبة الأمر وتعقيداته، فسلمان هو آخر أبناء عبد العزيز يؤول له الحكم بعدما تبيّن مرور ولاية العهد إلى حفيد عبد العزيز محمد بن نايف قبل أن يتنازل أو يُجبر على التّخلي عنها لصالح بن سلمان، وقد بات من المؤكد أنّ الحكم سيخرج من سلسلة الأبناء إلى سلسلة الأحفاد، فبالنّسبة لسلمان وابنه بعد اكتمال دائرة الملك وولاية العهد لصالحهما فإنّ الأمر سيزداد تعقيدا وهما يسعيان لنقل الحكم من آل سعود بالجملة وتحويله لآل سلمان حصرا.
إنّ ما قاما به يمثل عملية اختطاف للسّلطة واستئثار بها دون باقي أفراد الأسرة السعودية، غير أنّ الأمر لم يستتب لبن سلمان فقد وجد نفسه أمام معضلة شرعية حكمه في ظل عدم وجود آليات اتفاقية محددة تسند السّلطة له فسعى إلى توفير شرعية واقعية بديلة قائمة على فرض وجوده وهو ما يفسر لجوءه إلى استعمال أساليب عنفية وإقصائية مع مناوئيه وخصومه المحليين والإقليميين.
وبغية تحصيل هذه الشرعية البديلة وجد بن سلمان نفسه في مجابهة خمس عقبات تحول دون استتباب ملكه فسعى جاهدا لتخطّيها، هذه العقبات ليست منفصلة أو معزولة عن بعضها البعض فهناك تداخل فيما بينها، كما أننا نجد المذهب الوهابي يخدم طموحه في الحكم، وفي الوقت ذاته يُحرجه مع الأمريكان في علاقته بالتّطرف والإرهاب، كما يسبب له متاعب في مسألة الإنفتاح ونزع تهمة التّشدد والإنغلاق عن المجتمع السعودي.

العقبة الأمريكية

لن تنقطع بأي حال أواصر علاقة الولايات المتحدة التاريخية بالنظام السعودي وتأثيرها على الحكم وموقفها في من يحكم السعودية بحكم أنّها على رأس هرم المجتمع الدولي تتيح لها قوتها التدخل في سيادة أي دولة من دول العالم والهيمنة عليها واستخلاص مصالحها منها، ومع صعود ترامب الذي كان واضحا منذ حملته الانتخابية في سلوكه المستقبلي مع السعودية والذي بناه على الابتزاز ونهب مقدرات المملكة كان الحل بالنسبة لآل سلمان في مؤتمر الرياض وما بعده، وكان الغرض منه التأكيد لترامب أنّهم وحدهم من دون باقي آل سعود الأقدر على تحقيق مصالح أمريكا في المنطقة وتنفيذها وحمايتها وهذا ما جعل بن سلمان يكبّل نفسه بذلك الحجم المهول من الصفقات والاستثمارات، كما قام بفتح علاقة مع إسرائيل وقبل بكل سرور بصفقة القرن ووضع حماس على لائحة الإرهاب.

العقبة الإقليمية

مثّل حرص بن سلمان على اجتياز هذه العقبة امتدادا لما بدأه الملك عبد الله بن عبد العزيز من عداء مستحكم لمخرجات ثورات الرّبيع العربي التي غيّرت معالم الخريطة الإقليمية، وقد بدت لآل سعود مهدّدة لوجودهم خصوصا عندما أفرزت الإسلاميين في مقدمة المشهد السياسي للمنطقة، ظهر معه تعاطف قطري – تركي واضح، ونوعا ما إيراني في اتجاه ما يخدم ولاءاتها السياسية والطائفية وأجندتها في المنطقة.
ومع تزايد الدّعم الإعلامي ممثلا في قناة الجزيرة والمادي والمعنوي الذي جاء من قطر وتركيا للأنظمة الجديدة وحتى بعد الإنقلاب على الرئيس مرسي، احتدم العداء وارتفعت وتيرة إيذاء قطر عبر حصارها وتركيا باعتبارها ندّا مذهبيا بدأ دوره يتوسع في العالم الإسلامي على حساب مكانة السعودية وذلك عبر المحاولة الإنقلابية الفاشلة وتأزيم الوضع الاقتصادي لها وإذكاء صراعها مع الولايات المتحدة.

العقبة السعودية

يدرك آل سلمان باعتبارهم العائلة المالكة الجديدة جيّدا أنّ ضمان استتباب الأمر لهم ليس بالأمر الهيّن وأنّه إلى الآن لم يتم بشكل كامل، في البداية جاء إبعاد محمد بن نايف وعزل بعض الأمراء والمسؤولين المشكوك في ولائهم من مناصبهم الحساسة، وبالتالي بداية حل معضلة نقل الحكم من آل عبد العزيز إلى آل سلمان لكن يبدو أنّ هذا غير كاف أيضا؛ فقد تطلب الأمر ردع المعارضين من العائلة المالكة وتخويف جميع أفرادها حتى لا يطالبوا بحقهم في عرش آل سعود، فكانت واقعة فندق الريتز كارلتون بهدف تأديب ونهب آل سعود لتكتمل صورة الهيمنة والسيطرة على الحكم، فالعقبة لم تكن فقط في محمد بن نايف، العقبة هي في تجاوز آل سلمان لعائلة آل سعود واستئثارهم بالحكم دونهم، وهو ما لم يثبت أنّه تمّ إلى الآن فالأيام حبلى بكل جديد ما دام لم يحدث إجماع وسط آل سعود على حكم آل سلمان وأنّ الأمر لا يعدو أن يكون التّسليم لواقع فرضه بن سلمان ولكن على مضض خصوصا بعدما صرّح به الأمير أحمد بن عبد العزيز في لندن أمام جمع من المعارضين ارتفعت عقائرهم بسقوط آل سعود، موضحا أنّ آل سعود لا دخل لهم بالطريقة التي تدار بها شؤون البلاد.

العقبة الدينية

استفاد آل سلمان من المذهب الوهابي كمذهب وحيد يفسر السّياسة والسّلطة من خلال الفتوى المسهّلة لحكمهم «عدم جواز الخروج على الحاكم»، وأصبحت كل فكرة تتصادم مع الفكر السّياسي الوهابي تعتبر معادية يشكّل حاملها خطرا على حكم آل سلمان وجب التّخلص منه، وقد ارتفع السّقف بعد إسقاط مرسي وإفشال حركة الإصلاح من أن تتصدّر المشهد اليمني.
وباتت إيران ومذهبها الشيعي البعبع الذي سوّق له بن سلمان من أجل التّخلص منهم، فكان العداء مع إيران وسيلة لهذا الغرض، ويقع مخطط احتواء العودة وزملائه المعتقلين في هذه الجزئية من المشهد، وهي ضربة استباقية طاولت العديد من الدعاة والعلماء والمفكرين، رافقها استجابة لضغوط أمريكية بتغيير البرامج التعليمية والدّينية وتنقيتها من الفكر الوهابي الذي تعتبره أمريكا صانعا للإرهاب، والتّخلص من جميع مظاهر الحياة المستندة للفهم المحلّي للدّين والتي تفرض قالبا منغلقا ونمطا يعادي الإنفتاح والليبرالية المعولَمة.

العقبة الشعبية

شنّ آل سلمان مع بداية إقصائهم لآل سعود وتيئيسهم من أيّ إمكانية للتّداول على حكم المملكة حملة ترهيبية استهدفت الشّعب السّعودي برمته بغرض إخضاعه وإحكام السّيطرة عليه، وظهر ذلك مع موجة غلاء الأسعار المفتعلة والاعتقالات التّي مست المخالفين، والسّعي لوضع الشّعب السعودي في جبهة موحدة لمواجهة أعداء وهميين ومصطنعين على غرار إيران والحوثيين، وسياسات ترغيبية عبر الإلهاء والترفيه وحرْف الشعب عن الاهتمام بشؤون الحكم والسياسة، ومحاولة فرض فهم جديد للدّين بإزاحة المذهب الوهابي تدريجيا بوصفه إيديولوجيا اجتماعية ينبغي القطيعة معها فقد جلب لهم المتاعب المتعلقة بالإرهاب مع أمريكا، وفرضِ فهمٍ وممارسات جديدة أكثر انفتاحا في الوقت نفسه تعمل على إلهاء الشّعب وتساهم في تدجين المنطق القبلي المنغلق والعمل على تمييعه، وفي هذه العقبة توجد خطورة الفكر الإصلاحي الذي يحمله سلمان العودة ورفاقه فبن سلمان لا يريد تأثيرا فكريا على المجتمع السعودي في عكس الاتجاه الذي يأخذ البلاد نحوه.
هناك أمور سترتد بعكس ما يتمنّاه آل سلمان فهم يحاولون تحقيق أهدافهم بوسائل وأدوات تعمل كالمسكّنات وسرعان ما ينتهي مفعولها ليطفو إلى السطح عكس ما كانوا يريدونه، فقد كلفتهم ترضية ترامب أضعاف ما كانوا يسعون لتحصيله منه وإلى الآن لا يوجد ما يقطع بوفائه لهم وهو المعهود عنه مزاجيته وزئبقيته، ولم تصل الحروب الإقليمية والعداء لإيران وقطر وتركيا ودعم السيسي في مقابل الإطاحة بالإخوان إلى أيّ نتيجة، كما أنّ محاولات سلخ المجتمع السعودي عن تقاليده وعاداته والتّحول الإيديولوجي – المذهبي الجذري ستكون له انعكاساته الاجتماعية الخطيرة على المدى المتوسط خصوصا، وقد بيّن خطاب الأمير أحمد الذي فصل بين آل سعود وآل سلمان وجود معارضة لنظام آل سلمان داخل العائلة السّعودية.

كاتب جزائري

خمس عقبات تحول دون وراثة محمد بن سلمان مُلك جدّه

فريد بغداد

- -

1 COMMENT

Leave a Reply to الكروي داود Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left