الذباب الإلكتروني

محمد عايش

Sep 11, 2018

ظاهرة الذباب الإلكتروني، أو التشبيح الإلكتروني، أو الجيوش الإلكترونية، هي أسوأ ما أنتجت الثورات المضادة في العالم العربي، وأسوأ ما نتج أيضاً عن الأزمة الخليجية، وحالة الاستقطاب السياسي التي نتجت عنها.
بسبب جيوش الذباب الإلكتروني أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي مسرحاً لرأي عام وهمي، وعمليات وهمية وجدل وهمي، وبات المغردون أو الناشطون الحقيقيون يسيرون في حقول ألغام، ويكتبون بحذر شديد لأن «الذباب» لهم بالمرصاد، ولأن الردود المدعومة بالشتائم والسب والقذف بانتظارهم، لمجرد أنهم عبروا عن آرائهم وعبروا عن أنفسهم. لكن ثمة ما هو أسوأ من السباب والشتائم التي لا يمكن أن تغير في الرأي العام شيئاً، ولا تفيد أصحابها سوى أنها تعريهم وتُظهر حقيقتهم، وهذا الأسوأ والأخطر، هو المنطق الذي يقوم الذباب والشبيحة الإلكترونيون بترويجه والذي يقوم على نظرية «شو دخلك؟»، والطلب من صاحب التعليق على الفور أن لا يتدخل في ما لا يعنيه، وأن ينشغل في مشاكل بلده قبل إبداء الرأي في مشاكل غيره.
والخطورة في هذا المنطق الغبي تكمن في أنه يُروج لإلغاء الفكرة الأساس التي تربينا عليها، والتي تقول بأن «الأمة عربية واحدة لا تتجزأ»، وأن المسلمين كالجسد الواحد في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما أنه منطق يقوم على إلغاء وتجاهل الآية الكريمة: «وأنَّ هذه أمتُكم أمةٌ واحدة وأنا ربكم فاعبدون».
كما أن غباء هذا المنطق يأتي أيضاً من أن المشاكل العربية تتداخل مع بعضها بعضا، ففي اليمن صراع إقليمي وتدخل دولي، يدفع ثمنه المواطنون الغلابة، وكذا الحال في سوريا التي لم يعد ثمة دولة أو نظام أو حتى حزب سياسي إلا وعبث في أزمتها، والحال كذلك في ليبيا ومصر وتونس والعراق، وغيرها من دول العرب التي تدفع ثمن تدخلات لدول عربية أخرى، يطلب منك مواطنوها أن لا تتدخل في شؤونهم.. لماذا؟ هل أوقفتم أنتم التدخل في شؤون الآخرين قبل أن تطلبوا من الآخرين عدم التدخل في شؤونكم؟ أم يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم؟
ثمة كارثة أخرى مرعبة في هذه الظاهرة، وهي أنها أنتجت جيوشاً من المرتزقة والأشخاص المبتذلين، وهؤلاء كان يمكن أن يكونوا مفيدين لبلدانهم وشعوبهم، بدلاً من أن يتم استخدامهم كعبيد إلكترونيين يمتهنون التطبيل لحكام وأنظمة باستخدام أسماء وهمية على الإنترنت.. لإيهام الناس بشيء غير موجود، ولإظهار رأي عام مصطنع غير الرأي العام الحقيقي. إضافة الى كل ما ذكرنا من كوارث، فثمة أمر آخر بالغ الأهمية، قد لا ينتبه له الكثيرون، وهو التكلفة المالية لعمليات «التشبيح الإلكتروني»، أو الكلفة التشغيلية لجيوش «الذباب الإلكتروني» في العالم العربي، وهنا يدور الحديث عن مئات الملايين من الدولارات وليس عشرات الملايين، وسبب تقدير هذه التكلفة المرتفعة يعود الى أن هذا «الذباب» لا يكتفي بالتطبيل على الإنترنت لحاكم أو زعيم أو لنظام سياسي أو لحدث ما، بل ترافق ذلك إعلانات مدفوعة الثمن لشبكات التواصل الاجتماعي، وهي إعلانات ذات تكلفة عالية جداً.. وإلا كيف نفهم القدرة الهائلة على جعل أي «هاشتاغ» في المرتبة الأولى من حيث كمية التداول بين المستخدمين، وخلال ساعات معدودة؟ أو كيف نفهم بأن حسابا وهميا على «تويتر» باسم وهمي ليس له أي معنى استطاع أن يجمع في فترة وجيزة عشرات الآلاف من المتابعين؟ كلمة السر هنا هي: الإعلان مدفوع الثمن، ما يعني في نهاية المطاف أن تكلفة «الذبابة الواحدة» أو «الشبيح الواحد» ليس راتبه الشهري فحسب، وإنما الإعلانات المدفوعة للحسابات التي يقوم بتشغيلها والتغريدات التي يقوم بنشرها والتدوينات التي يرغب في ترويج أكاذيبها.
لو أنَّ الدول العربية خصصت كل هذه الملايين، وربما المليارات، في التنمية البشرية وتطوير البلاد والعباد وتنمية مهارات هؤلاء الغلابة المتمترسين خلف شاشات الكمبيوتر ليكونوا عناصر مبدعة ومفيدة لمجتمعاتها، بدلاً من تحويلهم الى مرتزقة أغبياء يتصدون لكل مغرد بالشتائم والسباب.. لو أن هذه الدول فعلت ذلك لما احتاجت أصلاً لتمويل «ثورات مضادة» ولما احتاجت لصناعة رأي عام وهمي.. لكن طمسَ اللهُ على قلوبهم فهم لا يعقلون.
كاتب فلسطيني

الذباب الإلكتروني

محمد عايش

- -

4 تعليقات

  1. يا اخي لو ان هذا الذباب الالكترني وقف عند نظرية او عبارة ( شو دخلك ) او بالنظرية العراقية العامية ( وانت شعليك ) او اخذت بالتصدي لمن يدلي برايه على مواقع التواصل الالكتروني بالشتم والسب لهان الامر وما كانت هناك مصيبة او مشكلة ؛ فانا كاتب من العراق ذات يوم كتبت مقالة على يومياتي وارسلتها على الفيس بوك الى بعض الصحف العراقية وكانت بخصوص الطبيعة الاجرامية للاحزاب العراقية الحاكمة والوافدة من شوارع وازقة الدول الاخرى بعد اسقاط نظام صدام وبخصوص علاقاتها بالشعب العراقي ونظرتها الحاقدة على هذا الشعب وطالبت فيها وعلى خلفية الديمقراطية التي صدرتها امريكا الى العراق طالبت بالغاء حكومة الاحزاب في العراق وتشكيل حكومة تكنو قراط بديلا عنها لأنني اعبترتها وما زلت سببا رئيسا في دمار وخراب العراق وتحطيم العلاقات الاجتماعية الكريمة المليئة بالحب والوداد والتعاطف والتعاون التي كانت تسود اجواء الحياة العامة في العراق بين مختلف مكونات التركيبة السكانية العراقية وزرع الكراهية والحقد والضغينة عوضا منها بين ابناء الشعب العراقي 0 صدقوني جاءتني تهديات بالقتل من قبل هذا الذباب فوقع الامر علي مثل وقوع الصاعقة اليست هذه الاحزاب هي التي تمشدقت وهي في الخراج على العمل في انقاذ الشعب العراقي المظلوم من براثقن نظام صدام الدكتاتوري بحسب زعمها وتاسيس نظام ديمقراطي بدلا منه وتعويض شعب العراق عما اصابه من خنق فكري وتكميم للافواه ومصادرة الحريات من قبل صدام وبما انني ليس لدي امكانية على مغادرة العراق حفاظا على حياتي فقد استسلمت للأمر الواقع مواسيا نفسي بقوله تعالى ( كل نفس ذائقة الموت )

  2. (النظام العربي شكل متطور من اشكال الاستعمار) المنصف المرزوقي.

  3. *الحاكم العادل المستنير لا يحتاج لجيش
    من (الذباب والبعوض) الإلكتروني..؟؟؟
    *أما الحاكم الظالم الفاسد (الساقط)
    نعم يحتاج للتطبيل والتزمير والنفاق..
    سلام

Leave a Reply to الكروي داود Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left