احتفال على ضوء «في انتظار البرابرة»

عبير ياسين

Sep 11, 2018

أشياء كثيرة تسببت في الابتعاد غير المخطط والعودة التي صادفت ما يفترض أن يكون احتفالا بعيد الميلاد. حدث من العادة أن يكون عابرا، عندما يتعلق الأمر بالذات، ويكون مهما عندما يتعلق بالآخرين. ولأن الحدث ذاتي كان من الطبيعي أن يطرح الكثير من الأفكار الفلسفية التي تبدأ من كلمات محمود درويش «هل في وسعك أن تكون طبيعيا في واقع غير طبيعي»، وصولا لفانوس أو مصباح القاضي في المدينة الحدودية، التي كتب عنها الكاتب الجنوب إفريقي جون ماكسويل كوينزي، والتي تتحول فجأة إلى قلب معركة خلق البرابرة والاستعداد لهم ومواجهتهم والانتصار عليهم.
هي ليست الزيارة الأولى لرواية «في انتظار البرابرة»، ولكن الحدث مختلف، والربط بين الاحتفال بأعياد الميلاد والشموع يعيد للواجهة إضاءة شمعة القاضي التي لم تنر الطريق أمام الرؤية المادية فقط، بقدر ما أنارت الطريق أمام الرؤية بمعناها الأعمق، حين يكون الباب الذي يفتح طريقا للحقيقة ومخالفة للتصورات المفروضة من مؤسسات السلطة والإعلام الموجه، ووسيلة للمصالحة مع الذات وتقليص فجوة الشك القائمة بين ما يتصور أنه الحقيقة وما يقال له بأنه الحقيقة.
كان مصباح القاضي في تلك الليلة فارقا بين حياته قبلها وبعدها، وكأن الضوء كان بوابة إلى ميلاد جديد، حين استطاع القاضي أن يرى الحقيقة واضحة على جسد من فارق الحياة من التعذيب، ومن مازال يحمل علامات التعذيب على جسده، من «البرابرة»التي تتعامل معهم السلطة في وقت الأزمات بوصفهم العدو الواجب حشد جميع القدرات والإمكانيات من أجل مواجهته، والتضحية بكل الحقوق والحريات من أجل الحرب ضده، وفي المنتصف معركة يتم فيها تعريف العدو ومفهوم الانتصار من قبل طرف واحد هو السلطة، في حين يدفع الجميع الثمن بصور مختلفة من أجل تلك المعركة بدون أن يحاسب أحد.
كانت الشمعة وسيلة لرؤية حررت القاضي بالمعنى المعنوي، وأدت إلى معاناته وسجنه بالمعنى المادي، ليطرح التساؤلات الأكثر عمقا وأهمية عن السجن والسجان، ومخاطر السجن حين يتم تقليص الأحلام والشعور بالقيمة الإنسانية، وتصبح الأمنيات هوامش بقايا بشرية تماما، مثل الحديث عن تقليص عقوبة سجين من الحبس الانفرادي إلى الحبس في زنزانة عادية لا يتصور أنها إنسانية بالمعنى المفترض للكلمة، حتى في حالة السجون، والإفراج المشروط بعد سنوات من الحبس بدون سبب، وغيرها من الأحلام والإنجازات التي يتم تقليصها بحكم إعادة تعريف المعركة ومفهوم الانتصار، وتتحول في جزء منها إلى تحسين ظروف السجن، وفي القلب أحلام الوطن ومفهوم الثورة والتغيير.
قد يفترض بشموع الاحتفالات أن تؤدي هذا الدور أيضا، وأن تتجاوز معنى إضاءة الظلام المخطط، إلى إضاءة سنة أو حياة أو فرص أخرى مقبلة، وطرح رؤى مختلفة عن الحياة والذات، حينها تتشابه شموع الاحتفالات مع شمعة القاضي. وفي الحياة يفترض أن يحمل كل قاض شمعة تتجاوز الخطاب السائد وتحكم باسم القانون وروحه عندما تغيب آليات تفعيله، بغض النظر عن خطاب السلطة وحسابات اللحظة الضيقة في مواجهة فكرة العدالة ومكانتها ومخاطر غيابها. 
كما تحمل عملية استخدام الشموع عندما يغيب الضوء وتنقطع الكهرباء بسبب أخطاء الإدارة أو سوء توزيع الموارد، معنى رمزيا مشابها يعيد وسط الظلام تركيز الضوء على الأسباب التي تقف خلف الظلام وتعمقه أو تدعم استمراره. وحيث يتصور أن تكون تلك الشموع قادرة على إنارة اللحظة من دون انتظار غياب الضوء المادي، وأن تكون قادرة على الفرز، وتوضيح أسباب استمرار التدهور في قطاعات عديدة، ما دام من يتولى الأمر يتصور أن ليس في الإمكان أسوأ مما هو كائن، وأن التواجد في مؤشرات متدنية في قطاعات دولية معينة مثل التعليم، يسمح بتحويل هذا القطاع إلى ساحة للتجريب، لأننا لن نتدهور أكثر مما نحن عليه، ولن نخسر أكثر مما خسرنا؟ من دون أن يسأل السؤال العكسي عن الموارد والوقت ومن يدفع الثمن في هذا التجريب، وإمكانية الاستفادة بكل تلك الموارد للتحرك للأمام وليس الاستمرار في تلك الأوضاع المتدهورة، ودور المسؤول المفترض في تقديم حلول تساهم في التقدم من الوضع القائم وليس التجريب، من دون التأكد من توفر أسباب التقدم والتحسن، أو على الأقل استهداف الابتعاد عن الأسوأ.
عندما تغيب الشموع يمتد الظلام بمعناه الشامل، وخاصة الظلام الأكثر عمقا الذي تتراكم آثاره من اللحظة للمستقبل، ومن المظهر للروح، ومن الشكل للتفاصيل. الظلام الشامل قد يكون معلبا في بدايته، على طريقه ظلام ما قبل إشعال شموع الاحتفالات، وقد يكون مخططا وممتدا تشارك فيه شخصيات ومؤسسات على مدار سنوات ممتدة، يتم فيها التضحية بالكثير من الموارد والحقوق والحريات باسم محاربة «برابرة» ما، أو تجريب نظام جديد لن يؤدي إلى تدهور أكثر من الوضع القائم، وفقا لخطاب المسؤول.
ما يتم التجاوز عنه، أن آثار هذا الظلام تظل عميقة ومحاولة تجاوزه تحتاج جهودا مستمرة للكشف عن وجوده ومحاربة انعكاساته على الروح بمفهمومها الشخصي- الفردي، والعام- الوطني والجمعي. يتحول التحدي في مواجهة شموع الحقيقة في التحول من القبول بمبدأ الأسوأ إلى التأكيد على استحقاق الأفضل، والتحول من مبدأ «انتو فقرا قوي» إلى أن الوطن صاحب موارد يفترض - وإن قلت- أن تفرض درجة أعلى من الرشادة في تخصيصها، ويفترض إلا تكون تلك الرشادة في عدد المشروعات التي يعلن عنها من قبيل المباني الأكبر والأضخم والأعلى، والمدن الأحدث والعمارات الأعلى سعرا، وأن يتم التخلي عن عقلية الأرقام الجامدة في التقييم، حين يكون الإنجاز ممثلا في عدد الطرق والمباني والمؤتمرات والرحلات الخارجية، من دون حساب ما يترتب عنها وما ينفق عليها، في وقت تعاني نسبية غير قليلة من مشاكل أساسية، وتزداد تأثيرات الصعوبات الاقتصادية وتظهر بصور مختلفة في الممارسات الاجتماعية، التي لا تعرف كيف يمكن أن يحل مشكلتها افتتاح أعلى مبنى أو عاصمة جديدة أو عقد مؤتمرات شهرية وسنوية على مستوى الدولة وربما المحافظات، وهي تستقطع من موارد الوطن والمواطن دافع الضرائب ودافع الديون وفوائدها.
يصبح السؤال كيف يمكن أن يدور كل هذا القدر من التعليقات على الكرسي الذي ظهر في صورة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، من دون أن يثير مبارك ومن حوله تساؤلات أكثر عمقا عما حدث لمصر خلال عقود، وكيف يمكن ان يتقلص الإحساس بالمحاسبة إلى عدة آلاف من الجنيهات، هي سعر الكرسي المشار إليه، من دون أن يطرح تقبل تواجد مبارك ومن حوله تساؤلات أخرى عن مفهوم المسؤولية والمحاسبة؟ تقف أمام المشهد لتدرك كيف يمكن إعادة رسم الصور، وتحويل الظالم إلى مظلوم والعكس، وتحويل الاهتمام من فساد عقود إلى كرسي وعدة آلاف من الجنيهات، تهمش مصر في مواجهة الكرسي، والمحاسبة في مواجهة «رجل مريض»، والمواطن في مواجهة ساعات ممتدة من البث وتفريغ الاهتمام في قضايا بعضها شديد الهامشية وتساهم في تقليص ضوء الحقيقة.
تدرك كيف أن اللحظة كاشفة مثلها مثل مصباح القاضي، إن أردت أن تشعل الشمعة وأن ترى الحقيقة، وأن تعيد قراءة كتاب الحريات وتدرك كيف تقلص الحريات وتقلص قيمة الإنسان والوطن وأنت تكرر خطاب الفقر وعدم القدرة، وتحيط الوطن بالمزيد من الضغوط والديون، من أجل انتصارات رقمية كبرى في عالم لا يعرف العديد من مواطني المحروسة علاقتهم به، وهم الفقراء الذين يدفعون الثمن.
نعم من الصعب أن تنفصل عن الواقع، وإن حاولت سوف تجد شمعة تعيد للذاكرة تصورات القاضي عن العدل والظلم، وسؤاله عن الحقيقة وتعريف الألم، وسوف تعيد أخبار السجون وفرحة الإنجازات الصغرى تصوراتك عن حدود التعايش مع الواقع وصعوبة الخروج من حقيقة أن الواقع نفسه غير طبيعي، وأن هذا الوصف نفسه يدمغ كل الأشياء الأخرى، ويحيط بكل تفاصيل الحياة اليومية في سبيل الحياة الكريمة وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية. وبهذا تصل إلى جزء كبير من الإجابة حيث يظل من المهم الاعتراف بأن الواقع غير طبيعي، وأهمية استمرار طرح السؤال ربما نصل إلى واقع نراه طبيعيا يوما ما، ولا نحتاج إلى إعادة تعريف الإنسان وحقوقه الأساسية. 
كاتبة مصرية

احتفال على ضوء «في انتظار البرابرة»

عبير ياسين

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left