هذا العطل الذهني الذي أصاب الجزائريين!

توفيق رباحي

Sep 11, 2018

مقالي الأسبوع الماضي في هذه المساحة عن فقدان الجزائريين الإيمان ببلدهم وانعدام ثقتهم في حكامه، استفز عدداً من الأصدقاء والزملاء، فكانت ثمرته نقاشا طويلا.
أكتب عن هذا الموضوع بلا ملل لأنه يدميني. لا أعتبر نفسي معنيا بمحاولات البعض من أصحاب «تعالوا إلى الجزائر وشاركونا العيش فيها بدل الانتقاد من الخارج»، انتزاع هذا الحق من أمثالي. هذه طرق لن تنفع معي. عزائي (وثقتي) أنني لست وحيداً في الألم المرفوق بشعور بالعجز.
مرة أخرى: حالة الجزائر لا تسرُّ صديقا ولا عدوا. وحالة الجزائريين، على كل الأصعدة، مثيرة للشفقة. من السهل أن تقول أنهم ضحايا ومذنبون في الآن ذاته. إذا كان لهم من عذر، فهو أنهم يسيرون في الطريق من دون قادة فكر، لا نماذج اجتماعية، من دون معالم، بلا إضاءة، غير واثقين من وجهتهم وممن في المقدمة ـ الذين يُفترض أنهم قادة البلاد والمسؤولين عن خط سيرها.
منذ الاستقلال، بُذل جهد كبير في كل مستويات إدارة الشأن العام، واجتمعت الكثير من الأسباب والأدوات لتعليم الجزائريين عدم الثقة في أنفسهم وفي الآخر والتشكيك في كل شيء. وبُذل جهد كبير أيضا لجعل الجزائريين شعبا متردداً عاجزا عن الحسم مهما كان الموضوع المطلوب حسمه. تعلّم الجزائريون الكسل الذهني فسكنهم جُبنٌ فكري منَعَهم من مناقشة وحسم ما يتطلب الحسم.
من نافلة القول ان ترك القضايا معلقة والتهرب من حسمها يعرقل إقلاع الأمم. هذه نظرية فيزيائية ليست حكرا على الجزائر: من لا يتقدم يتأخر. والشيء المهجور يتعفن.
اليوم، الجزائر من الدول القليلة في العالم التي لم تحسم في أيٍّ من قضاياها الكبرى: الهوية، مكانة الدين، التاريخ، اللغة، النموذج الاقتصادي، طريقة الحكم، المستقبل.. إلخ. كل الملفات مفتوحة، لكن بعبثية ومن دون جدية ورغبة في طرقها.
أستطيع أن أسرد عشرات الأمثلة، من الماضي ومن الحاضر، عن ثقافة التشكيك المستشرية من دون رغبة مقابلة في نقاش يملأ الفراغ.
هل نحن أمازيغ أم عرب أم مسلمون؟ أو كل هذا؟ مَن سيحسم مع هذا الغياب الفادح لأدوات النقاش، ومع الغياب (التغييب المتعمد) لأي رغبة في النقاش؟
حرب الاستقلال (1954 ـ 1962) ثورة ملائكية مطهرة، أم عمل بشري فيه الكثير من الأخطاء والصواب؟ مظاهرات أكتوبر 1988 الدامية، ثورة خبز وكرامة أم مؤامرة؟
قبل عقدين عاشت الجزائر حربا أهلية دامية. بدأت وانتهت ولا ندري كيف ولماذا. لا أحد جاهز للحقيقة والمصارحة. لا أحد يريد استخلاص العبر كي لا تتكرر تلك المأساة مع أبنائنا وأحفادنا.
مصالي الحاج، الذي يوصف بأب الحركة الوطنية، مَن هو وما تصنيفه؟ الجزائر كلها تتهرب من مناقشة أخطائه ونجاحاته وكأنه لا يعنيها.
عبان رمضان، أحد أبرز قادة الثورة الجزائرية (قُتل على يد قادة أمثاله في المغرب في ذروة حرب الاستقلال) بطل أم خائن؟ لا أحد يستطيع أن يجزم. والأخطر، لا أحد جاهز للنقاش في هذا الأمر.
الرئيس الراحل هواري بومدين، بطل قومي أم طاغية زرع بذور الفشل الذي نحن فيه اليوم؟ لا أحد بإمكانه أن يجزم. والأسوأ من ذلك، لا أحد يهتم بالموضوع.
عبد العزيز بوتفليقة، لص اختلس أموال وزارة الخارجية في سبعينيات القرن الماضي، فتطلب الأمر إهانته وفصله ليعيش سنوات طويلة من التيه والعزلة، أم ابن بار لهذه الجزائر المستقلة حديثا الباحثة، بفضله، عن دور ريادي في العالم؟
لاحقا، كان عبد المؤمن خليفة نموذج رجل الأعمال الشاب الناجح الفذ، طيلة سنوات. ثم بين عشية وضحاها تحوّل إلى لص ومجرم مطلوب دوليا. هو اليوم في السجن. الذين استفادوا من ريعه المبعثر هم ذاتهم من نهشوا لحمه عندما سقط، ولا غرابة!
مثله، شكيب خليل وزير النفط في رئاسة عبد العزيز بوتفليقة، من مطلوب بمذكرة توقيف دولية بتهمة تبديد أموال الشعب والتلاعب بممتلكات عمومية، إلى نجم لا يخفي طموحاته السياسية، حتى دون أن يُحاكم وينال براءة رسمية.
ليس القصد من سرد هذه الأمثلة توزيع لوائح اتهام أو صكوك براءة، بل توضيح كيف يمكن أن تكون بطلا ثم، بسرعة عجيبة، تُهان وتُسحق. والعكس صحيح. كل هذا بمعزل عن أي دور للقضاء وبعيدا عن أي نقاش نضج وجاد، ومن دون أدنى عناء لتنوير المجتمع ومرافقته نحو الفهم واستخلاص العبر.
وسط هذه «الغابة»، وبسببها، لا غرابة أن يفقد المجتمع الثقة في ما ومَن عليه الوثوق فيهم ويتوقف عن السير. ولا غرابة أن نرى هذا الانسحاب الجماعي من الشأن العام، وهذه الاستباحة المطلقة للفضاء العام.
لا يستقيم الادعاء أن هذا النوع من النقاش في مجتمع أحوج إلى الخبز والحليب والوظائف، نوع من الترف الفكري. ببساطة لأن مثل هذه الأعذار أصابت عقول الجزائريين بالشلل. وهذا الشلل يسجن المجتمع في حلقة مفرغة من الجهل والغرور الخاطئ والنقاشات الهامشية والعقيمة.

٭ كاتب صحافي جزائري

هذا العطل الذهني الذي أصاب الجزائريين!

توفيق رباحي

- -

4 تعليقات

  1. يا سيّدي الشعب لا يُلام، الشعب ضحية مثقفين فشلوا في رفع الجهل عليه و السيْر معه إلى العلى و إلى الحرية و الكرامة، فشلوا في بناء مؤسسات تحميه و مدارس تعلّمه و مستشفيات تعتني به، و هاجروا و تركوه وحيداً أمام أشباه مثقفين لا يفكرون إلا في أنفسهم ويخاطبونه بلغة المتسعمر و إذا مات أحدهم بلسعة عقرب فلأنّه أزعج العقرب ولايستحق حتى الترحم عليه .

  2. مفـــــــــــــــــــــــدي زكريــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء - الجـــــــــــــــــــــــــــزائـــــــــ

    و الله العضيم الشعب الجزائري من ارقى و انضف الشعوب في العالم…
    اذا جاءت مذمتي من ناقص *** فتلك شهاده باني كامل

  3. يا مفدي زكرياء
    العظيم وليس العضيم.
    أنظف وليس أنضف.
    شهادة وليس شهاده

  4. تساؤلاتك في محلها وجاءت في وقتها.صحيح هناك العديد من القضايا الحساسة المطلوب مناقشتها والحسم فيها بصورة نهائية مثل الهوية.
    كل مصائب الجزائر سببها الصراع حول الهوية. البعض يريدها هوية عرقية قائمة على العرق الأمازيغي ونفي وجود باقي المكونات في المجتمع الجزائري ، بينما يربط البعض الآخر الهوية بالبعد العربي الإسلامي ويتجاوز البعد الأمازيغي. البعض يركز فقط على الدين بوصفه هوية. البعض يسعى للعدمية ويريد اللحاق بفرنسا .
    لقد حسم الدستور الجزائري ذلك الصراع العبثي الذي يكاد لا ينتهي بالنص على أن مكونات الهوية الجزائرية تتمثل في الإسلام والعروبة والامازيغية. وكان ذلك في منتصف التسعينات عندما كانت الجزائر تعاني من حرب أهلية تسمى من باب التخفيف مأساة وطنية. كنا نعتقد أن الحسم في مسألة الهوية دستوريا ينهي أو يخفف على الأقل حدة الصراع، لكن الأمر ازداد سوءا والنزعة العرقية تزداد حضورا لدى فئات من المجتمع وقد ينفجر الوضع مرة أخرى. المشكلة تكمن في معنى الهوية، في مفهوم الهوية لأن الوعي بالشيء يقلل من حدة الصراع حوله.
    الهوية في الحقيقة هي نتاج تفاعل التاريخ مع الجغرافيا. تفاعل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها. يعني تفاعل العرق واللغة والدين وما ينتج عن ذلك التفاعل من قيم وعادات وتقاليد هو الذي يشكل في نهاية المطاف هوية الفرد. الجزائري المعاصر هو نتاج لقاء الأمازيغ بالكنعانيين والرومان والعرب والأتراك ضمن فضاء الكيان الجزائري وعبر قيم الإسلام التي تحملها اللغة العربية. التفاعل التاريخي والمجتمعي بين هذه العوامل ضمن الفضاء الجزائري هو الذي ولد الهوية الجزائرية المعاصرة. فالهوية ليست عرقا فقط وليست لغة فقط وليست دينا فقط، هي نتيجة تفاعل كل هذه العناصر التي لها دور محوري في تكوين الهوية. عندما نخلص الهوية من النزعات العرقية والجهوية والمذهبية ونضع مبدأ المواطنة فوق كل ما عداه نستطيع القول أننا في الطريق الصحيح. العرقية والجهوية والمذهبية هي سبب بلاوي الجزائر. الجزائري المعاصر هو نتاج تاريخ لا ذنب له فيه وعلى الجزائريين ان يتعايشوا مع بعضهم البعض وفق مبدأ المواطنة فالكل جزايريون بغض النظر عن أصولهم العرقية . لكل شخص الحق في الاعتزاز بأصوله لكن اعتزازه يقف عندما يلتقي بالآخر المختلف عنه في الأصول فالكل جزائريون وكفى. بهذا نستطيع تجاوز الصراع على الهوية ونمشي للأمام كغيرنا من الدول.

Leave a Reply to عامر Cancel reply

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left