العرض المسرحي المصري «الحادثة»: السلطة ومسوخها من خلال قصة حب

[1]

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: يأتي العرض المسرحي «الحادثة» عن نص بالاسم نفسه كتبه لينين الرملي، والمستوحى من رواية جون فاولز «جامع الفراشات». ورغم أن العمل تم تقديمه من قبل عقدين أو أكثر في عرض من إخراج عصام السيد، وأداه كل من عبلة كامل وأشرف عبد الباقي، إلا أن الموضوع يصلح لتقديمه مراراً، نظراً لطبيعة القضية التي يعالجها، والتي في ظل ما نعيشه لم ولن تصبح من الموضوعات ذات السمة التاريخية، أو يمكن الحديث عنها بصيغة الماضي، فالأمر يتعلق بقضية (الحرية)، وفعل الإكراه، حتى لو تعلق بعلاقة حب. العرض أداء مصطفى منصور، ياسمين سمير، ريهام أبو بكر، وفتحي الجارحي. ديكور محمد فتحي، ملابس أحمد فرج، إضاءة عز حلمي، إعداد موسيقي محمود صلاح، مكياج إسلام عباس، مادة فيلمية شادي أحمد، دراماتورج وإخراج عمرو حسان. ويُعرض حالياً على مسرح الغد في القاهرة.

النص المسرحي

شاب يراقب فتاة فترة من الزمن، ويحاول بشتى الطرق إنقاذها من أي شخص آخر يحاول استغلالها، بداية من مدير العمل، مروراً بزميلها، وصولاً إلى الذين يقابلونها عرضاً في الشارع، في طريق عودتها لمنزلها، ينتقم منهم بطريقته أو يتخلص منهم، كيفما اتفق. هي لا تدري به ولا تشعر بوجوده، وتحين لحظة الاحتفاظ بها، أو بمعنى رومانتيكي التصريح لها بحبه، فيخطتفها في منزل ناء، لتبدأ الحكاية. وبعدما تستفيق الفتاة وتستوعب ما حدث، يبدأ الشاب في استعراض سلطته عليها، فهو يراها ويشعر بها فقط من وجهة نظره، بدون مراعاة لشعورها واختياراتها، حتى أنه يطلق عليها اسماً غير اسمها الحقيقي، يناديها به، فدائماً يريدها كما تخيلها وصاغها في مخيلته. وعبثاً تحاول الفتاة إقناعه بأنها ربما لو قابلته في مكان آخر وبإرادتها، فمن الممكن أن تنشأ بينهما قصة حب، لكن كيف سيكون هذا الحب بالإكراه! لكنه يؤكد أنه الوحيد الذي يحميها ويعرف مصلحتها جيداً، فهي لا تمتلك أي خبرات حياتية، ولن يتركها للأوباش الذين يحاولون استمالتها بشتى الطرق.
بالطبع الأمر لا يخلو من إشارة إلى حالة أشمل وأعم، حالة تخص السلطة وممثلها، في كونه الوحيد الذي يعرف ما يجب عليه عمله، حتى لو كان غصباً. لتتطور الأحداث في ما بعد، فالفتاة تحاول جاهدة أن ترى جانباً مضيئاً لما حدث، إلا أن هذه المحاولات تفشل دائماً. الأمر الأهم هنا أنها بفقد حريتها فقدت الشجاعة، فحينما نسى الشاب مفتاح البيت، وأصبح بيد الفتاة، لم تستطع أن تتجاوز عتبة البيت، وقد تملكها الرعب والخوف من الخروج، لقد تشوهت وأصبحت تعيش الخوف بالفعل. حتى أنه عند عودته تلقي بالمفتاح من النافذة وقد أصبحت بدورها هي السلطة الأعلى في المكان، وانقلبت اللعبة، فهي التي تغني بينما الشاب يصرخ يريد الخروج والفرار من هذا السجن. فالتشوه الذي كان يعانيه الشاب أصبحت تمتلكه الفتاة تماماً، وكأن كل فعل سلطوي هو صورة عن شخصية مشوّهة غير سوية، فالشاب كان يتمثل ثلاث شخصيات.. العاشق الطيب، المتسلط، والصوت المحايد أو المراقب لأفعال كل من الشخصيتين، شيء أشبه بآفة نفسية أو عقلية، فهو الذي يعرف الحقيقة، وهو الذي لا يخطئ، هو، وهو فقط.

العرض المسرحي

عن طريق لقطات مصوّرة في بداية العرض، تم اختصار الكثير من الأحداث، لقطات سريعة توضح ما يحدث عن عالم الفتاة، ومراقبة الشاب لها، حتى لحظة اختطافها، ليصبح بعد ذلك البيت هو مكان الأحداث. وهي ميزة لضبط الإيقاع أكثر، وإن كانت بداية مُبهمة، تم تفسيرها بعد ذلك من خلال حوار كل منهما. وبما أن العرض يرتكز بالأساس على شخصيتي الفتاة والشاب ــ بخلاف شخصية الأجنبي تاجر الآثار وفتاة الليل ــ فقد تباين أداء كل منهما، ولم يستمر على وتيرة واحدة. فجاء متكلفاً في الكثير من المواقف، حتى لو كان بهدف الإضحاك، إضافة إلى ترهل الإيقاع وتكرار للمواقف والحوارات المطولة، فقد كان من الممكن اختصار الكثير، طالما أن الإعداد المسرحي الجديد مسموح له أن يتغاضى عن الكثير مما جاء في النص الأصلي، أو أن يستوحى النص بدون التزام تام بالكثير منه، فالحالة تسمح بأن تصبح للمخرج ومُعد النص رؤيته الخاصة، وبالتالي الهرب من المقارنة ما بين النص الذي يقدمه، وما قدمه من قبل عصام السيد، والأمر في صالح الأخير بالطبع. كذلك تأتي محاولة الخروج عن العرض القديم، بتقديم معادلات عن الخوف الذي يتربص بالشخصيات، عن طريق الأشباح التي تظهر وتحيط بالشخصية ـ الفتاة في البداية، ثم الشاب في نهاية العرض ـ فتبدو هذه الأشباح دخيلة على الموضوع، أكثر من كونها معادلاً للحالة، أو تعبيراً بصرياً حاول المخرج أن يبتدعه ظناً أنه بذلك يعمق من رؤيته للنص وحالة شخوصه.

العرض المسرحي المصري «الحادثة»: السلطة ومسوخها من خلال قصة حب