الحكومة الجديدة في السودان… هل انتهى عهد الترضيات السياسية؟

[1]

الخرطوم ـ الأناضول: أصدر الرئيس السوداني عمر البشير، الأحد، قراراً بحل حكومة بكري حسن صالح، وتسمية معتز موسى سالم، رئيساً جديداً للحكومة، ضمن مساعيه لإعادة ترتيب البيت الداخلي بهدف إنعاش الاقتصاد وإخراج المواطنين من دائرة الاحباط.
قرار يبدو طبيعيا في ظل مصاعب اقتصادية تمر بها البلاد، لكن طريقة اتخاذه، ووعود تقليص عدد وزراء الحكومة، وخبرات رئيس الوزراء الجديد، عوامل تبعث برسائل طمأنة للداخل والخارج.
فالبشير استخدم أسلوبا لم يكن معتاداً في السابق، إذ جرت العادة في السودان أن يكون قرار تشكيل الحكومة أو تعديلها داخل المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، ثم يخرج إلى العلن.
لكن في هذه المرة، اجتمع الرئيس السوداني أولاً بـ«اللجنة العليا لتنسيق الحوار الوطني»، وهي تضم الأحزاب التي شاركت في الحوار الوطني والحكومة، وتشاور معها في قرار حل الحكومة، وتقليص عدد وزرائها.
والحوار الوطني، هو مبادرة دعا إليها البشير، عام 2014، وأنهت فعالياتها في أكتوبر/تشرين الأول 2016، بتوقيع ما عُرف بـ«الوثيقة الوطنية»، وتشمل توصيات بتعديلات دستورية وإصلاحات سياسية.
وبعد اجتماعه مع لجنة تنسيقية الحوار الوطني، اجتمع البشير مع المكتب القيادي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم (أعلى هيئة حزبية)، ليطلعهم على قراره تغيير الحكومة.
ثم خرج نائب رئيس الحزب، فيصل حسن إبراهيم، مساعد البشير، معلنا موافقة المكتب القيادي للحزب الحاكم على قرار رئيس الجمهورية، رئيس الحزب، حل الحكومة وتسمية معتز موسى سالم رئيسا للحكومة المقبلة.
إعلان الحكومة الجديدة بهذه الطريقة خطوة تبعث برسائل طمأنة إلى الداخل والخارج، حسب مراقبين، فالقرار لم يتم اتخاذه بصورة فردية، وإنما بالتشاور مع الشركاء السياسيين في تعزيز لنهج الحوار وتوسيع دائرة المشاركة في اتخاذ القرار.
ولاقى القرار ترحيبا من الشركاء السياسيين في البلاد، كما يتضح من تصريحات صحافية لمبارك الفاضل، نائب رئيس الوزراء السابق، رئيس حزب «الأمة» المشارك في الحكومة، عقب الاجتماع مع الرئيس السوداني.
إذ قال، أول من أمس الأحد، إن «القرارات الجديدة ستنهي عهد الترضيات السياسية».
وأضاف أن «الوقت قد حان لأن تدفع الحكومة الثمن، مثل ما يدفعه المواطن السوداني».
وعقب أداء نائبيه ورئيس الوزراء المكلف اليمين الدستوري، أمس، ركز البشير، في خطاب موجه إلى الشعب السوداني، على المصاعب الاقتصادية التي يواجهها السودان، معتبراً أنها «لن تكون مصدر إحباط، بل تشحذ الهمم لتجاوزها»، في رسالة أمل أخرى إلى الداخل.
فتقليص وزراء الحكومة لضغط النفقات ـ وفق مراقبين ـ أمر إيجابي في ظل الوضع الاقتصادي الحالي الذي تمر به البلاد.
والبشير أكد، في خطابه، على هذا الهدف، إذ اعتبر أنه لا داعي لحكومة مترهلة، لافتاً إلى أنه يعكف حاليّاً على وضع وتنفيذ برنامج إسعافي عاجل لرفع مستوى الاقتصادي الكلي وتحسين معاش المواطنين.

خبرات رئيس الوزراء الجديد

مؤهلات رئيس الوزراء الجديد العلمية وخبراته السياسية عامل طمأنة، أيضا، للشارع السوداني.
فالرجل تخرج في كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في جامعة الخرطوم عام 1989، وحصل لاحقا على عدد من الدرجات العلمية، منها درجة الماجستير في الدراسات الاستراتيجية، وماجستير العلوم السياسية، والماجستير والدبلوم العالي في الترجمة.
وعمل دبلوماسيا برئاسة وزارة الخارجية في 1992، وشغل منصب قنصل في سفارة السودان بجمهورية ألمانيا الاتحادية 1994.
وتدرج في المناصب إلى أن عُيّن وزيراً للموارد المائية والكهرباء في ديسمبر/كانون الأول 2013، وظل في هذا المنصب حتى قرار تعيينه رئيساً للوزارة الأحد الماضي. ومن النجاحات، التي تحسب للرجل، إدارته لملف أزمة «سد النهضة» بين مصر وإثيوبيا؛ حيث يقول مراقبون إن طريقة عمله أسهمت في تهدئة المصريين من جهة والإثيوبيين من الجهة الأخرى.
والبعض يعتبره مناسبا لتلك المرحلة، التي يواجه فيها السودان مصاعب اقتصادية، فهو ـ كما يصفه زملاؤه ـ مشهود له بـ«النزاهة» و«رجل قليل الكلام كثير الإنجاز».
وفي اليوم التالي شهدت وسائل إعلام سودانية احتفاء بقرارات البشير. فتحت عنوان «أطول يوم في حياة الرئيس»، كتب الصحافي، محمد عبد القادر، مشيداً بالقرارات في زاويته اليومية «على كل» في صحيفة «اليوم التالي» (خاصة).

احتفاء بالقرارات

عبد القادر قال إن «أية قرارات تنحاز لمعاناة الناس وتخاطب جذور الأزمة الراهنة ستكون محل احتفاء، فالأوضاع الحالية تحتاج إلى جراحات أعمق، لذا كان الترحيب واسعا بقرارات البشير»
ولفت إلى اجتماعات البشير، قبل حل الحكومة، بنائبيه بكري حسن صالح وحسبو عبد الرحمن، ثم برئيس المخابرات، صلاح عبد الله قوش، ووزير الدفاع، عوض بن عوف، وبعدها لقائه باللجنة العليا لتنسقية الحوار، وأخيرًا المكتب القيادي للحزب الحاكم. وأضاف: «بالطبع كان (الأحد) من أطول الأيام في حياة الرئيس، فلقد ظل في حالة اجتماعات متواصلة مع كبار رجال الدولة علي كافة الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، لم يكن محض تشاور، وإنما كان حراكا مسنودا بقرارات مهمة انتظرها الشارع السوداني كثيراً».
وشهد السودان، في الأشهر الأخيرة، أزمات متفاوتة في الخبز والطحين والوقود وغاز الطبخ، إضافة إلى عدم توفر السيولة النقدية وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنية السوداني في الأسواق الموازية (غير الرسمية) إلى أرقام قياسية تجاوزت أحيانا 47 جنيها مقابل الدولار الواحد. ويعاني السودان من مصاعب اقتصادية، منذ انفصال جنوب السودان عنه، في يوليو/تموز 2011، بسبب فقدان الخرطوم 75 ٪ من مواردها النفطية، ما أدى إلى انخفاض الإيرادات العامة، في ظل محدودية الصادرات غير النفطية.

الحكومة الجديدة في السودان… هل انتهى عهد الترضيات السياسية؟
من النجاحات التي تحسب لسالم إدارته لملف أزمة «سد النهضة»