التضليل الإعلامي… الإشاعة بوصفها أقدم وسائل الإعلام في العالَم

[1]

تونس ـ «القدس العربي» من عبدالدائم السلامي: «لم يقم تروتسكي بأي دور في ثورة عام 1917، بل كان أحد عملاء هتلر». «إن هبوط الأمريكيين على سطح القمر إنما هو هذيانٌ تم تصويره في استوديوهات هوليوود». «إن فيروس الإيدز تم تصنيعه داخل مخبر تابع للمخابرات العسكرية الأمريكية». «كان صدام حسين يمتلك مصانع للأسلحة النووية».
هذه عينةٌ من المعلومات التي ظهرت في وقتٍ ما، ووجدتْ مَن ينشرُها ويُدافع عنها لأسباب أيديولوجية وثقافية، حتى بلغت عند الناسِ مبلغَ اليقين.
غير أن ما استتبعها من وقائع أثبت حقيقةَ أنها لا تزيد عن كونها معلومات زائفة، وكَيْدية، بل هي إشاعات مُضللة للرأي العام، وخادمة لمواقف فئة من أصحاب المصالح المحلية والدولية. هذا الأمر هو ما انعقد حول تفكيكه كتابُ «التضليل الإعلامي: الخوف الكبير» الذي نشره مؤخرا فرنسوا برنار ويغ، مدير الدراسات في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس. وفي ما يلي عرض لأهم ما جاء فيه من أفكار.
يذهب ويغ إلى القول إن لوسائل الإعلام سلطة كبرى على المتلقي، مهما كان مستواه المعرفي أو المعيشي، فهي التي تختار له، في مرحلة أولى، الموضوعَ الذي عليه أن يشغل بالَه به في لحظةٍ زمنية ما ويُفكر فيه دون غيره من المواضيع، ثم هي تؤثر فيه بفضل تطور تقنياتها تأثيرا يجعله يقتنع في مرحلة ثانية بما يعرضُ عليه من وجهات نظر تحليلية وتوثيقية للموضوع، التي يتوجب عليه أن يعتمدها في فهم أحداث واقعه وتأويلها. وفي مرحلة ثالثة تحفزه لأن يقتنع بحقيقية رؤيتها للموضوع المعروض والدفاع عنها بوصفها حقيقة نهائية وغير قابلة للدحض. وهي تفعل كل ذلك متكئة على بلاغة أساليبها في إيهام الناس بالأخطار التي تهدد معيشهم الثقافي أو السياسي أو الاقتصادي، وبذلك تُبقيهم في حالة من السلبية أو الإلهاء عن كل ما يهمهم ويحتاج منهم إلى تفاعل إيجابي وتفكير حُر.

قوة الإعلام

إن قوة وسائل الإعلام، على حد ما يرى ويغ، تكمن في إقناعنا بأنها تُحبنا حُبا أكبرَ مما نحب به أنفسنا، وأنها تفكرُ في مصالحنا، بل هي متطوعةٌ لتفكر عوضا عنا، وحريصةٌ على سلامة حياتنا أكثر من حرصنا عليها. ويذكر في هذا الصدد عيناتٍ من التضليل الإعلامي الذي صاحب حرب كوسوفو، وثورات الربيع العربي، وانتخابات ترامب ودور روسيا فيها، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ولا يُخفي فرنسوا برنار ويغ ذُعرَه من تنامي تدخل وسائل الإعلام التقليدية والجديدة في تشكيل حياة الأفراد والمجتمعات إلى حد صار فيه من الصعب أن نسيطر عليها، بل صار من الصعب الاستغناء عنها، وهذا هو ما يُنبئُ بدخولنا زمن الشك في الحقائق من حولنا، وأن ما يبدو لنا من حقائق إنما هو حقائق متلاعَبٌ بها، أي حقائق محرفة عن جوهرها، ومصنوعة وَفقَ ما تستدعيه غاياتُ فئة من الناس من أصحاب السياسة أو المال.

قوة الإشاعة

أعلنت إندونيسيا أنها ستعول، لكي تضمن نزاهة الانتخابات الرئاسية لسنة 2019، على فتوى من كبار العلماء المسلمين تُدين التظليلَ الإعلامي ونشرَ الأخبار الكاذبة، كما أعلنت فيتنام أنها خصصت عشرة آلاف موظف حكومي للتفتيش يوميا في مواقع الإنترنت عن «معلومات مغرضة» وباعثة على الفتنة بين الناس. يُضاف إلى ذلك سعي فرنسا إلى استصدار «القانون المتعلق بمكافحة التلاعب بالمعلومات». ولا شك في أن كل هذه الأخبار تُحيلُ إلى أن الحقيقة لم تعد بين أيدٍ أمينة، وأن الدولة لم تعد هي الجهة الوحيدة الماسكة بزمام الحقيقة ونشرها أو حجبها كما كان شائِعا.
يؤكد فرنسوا برنار ويغ على أن الإشاعات هي «أقدم وسائل الإعلام في العالم»، وهي تنافس دوما الخطاب الرسمي، وقد نجحت في كثير من الحالات في نفي مصداقية ذاك الخطابِ، ونشر معلومات وهمية أنتجتها فئات مالية وسياسية معينة لتشويه سمعة خصومها (الذين لم يكونوا هم أيضا بريئين من استثمار الإشاعة). ومن صُور ذلك يذكر فرنسوا برنار ويغ في كتابه «التضليل الإعلامي: الخوف الكبير» أن تغريدة ظهرت على تويتر أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في أمريكا تُفيد بأن البابا يُساند ترامب، كانت لها قوة تأثيرية فاقت تأثير مئات الساعات من البث التلفزيوني المباشر الداعي إلى إعمال العقل أثناء التصويت، واحتاجت إلى آلاف المقالات الصحافية لتكذيبها وكشف زيفها. كما أن مواقع التواصل الاجتماعي التي ظن البعضُ خلال أحداث الربيع العربي بأنها سترسي الديمقراطية في كل مكان وستمنح الشعوب حق التعبير عن ذاتها قد تحولت إلى منظومة للكذب والمغالطات، بل صارت فضاء للمكر بالناس تحكمه الأجهزة السرية للدول الكبرى التي ترغب في فرض أجنداتها السياسية على شعوب تلك الانتفاضات.
والحق أن للإشاعة فنونا في تحقيق صدقيتها، من ذلك أن صانعيها يسعون دوما إلى أن تصدر عن شخص مُحايد أو عن جهة ذات مصداقية معلومة، وهو ما يجعل المتلقي يقع فريسة عماه الأيديولوجي فينحاز بسذاجة إلى تلك الإشاعات، ويصدقها، بل يضمن لها أسباب تفشيها بين الآخرين. وما يخيف في هذا الزمن التقني، على حد رأي ويغ، هو أن إيمان الإنسان بالتكنولوجيا التواصلية الجديدة قد يجعل منها فضاء يُستَثمَرُ فيه كل الذكاء البشري لإشاعة الغباء والسذاجة، ومن ثَم تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى شبكات تتآمر على مستخدميها، وتمكر بهم، وتُفقدهم القدرة على الفهم الشخصي للوقائع المعيشة، ومن ثم تُدخلهم في زمن استلابي قد تغيب فيه مفاهيم الحرية والديمقراطية والكرامة أو تنحرف صوب أضدادها.

التضليل الإعلامي… الإشاعة بوصفها أقدم وسائل الإعلام في العالَم

1 Comment (Open | Close)

1 Comment To "التضليل الإعلامي… الإشاعة بوصفها أقدم وسائل الإعلام في العالَم"

#1 Comment By الدكتورجمال البدري On Sep 11, 2018 @ 11:59 pm

عرض رشيق لموضوع شيّق…إنّ أوّل إشاعة صممها إبليس فخدع بها آدم وحواء بالوسوسة فأخرجهما من الجنّة ؛ ومن هنا نرى أنّ قانون الإشاعة الثابت هو( الأهمية × الغموض ).أي أنّ هناك موضوعًا مهمًا للناس في مكان معين له قيمة ماسّة على حياتهم يسوده الغموض فيثيرالقيل والقال…والغالب في نشرالإشاعة ( الوسوسة والهمسة ).شكرًا عبد الدائم السلاميّ ؛ وأهنئك على كتابك الجديد الصادرمؤخرًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان ( كنائس النقد ) وقد قرأت فقرات عديدة منه حتى الآن ؛ ففيه أسلوبك العذب…مع المودة.