الصراع وشهادة التوراة… تاريخ فلسطين بعيدا عن السياسة

كمال القاضي

Sep 12, 2018

بعيدا عن اللجاجة السياسية وحروب الكلام والتصريحات، ومحاولات فرض القوة والدعم الأمريكي والشجب العربي، والمفاوضات، يخرج الإصدار التاريخي البحثي الثقافي المهم ليضع النقاط فوق الحروف، فتنجلي الحقيقة كاملة وموثقة، لتبقى فلسطين عربية بالتاريخ والجغرافيا والعرق.
«الصراع وشهادة التوراة» كتاب صدر حديثا لحسن الشريف المتخصص في التاريخ والفلسفة ومقارنة الأديان، والكتاب يقع في 480 صفحة من القطع الكبير، وصادر عن دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع في القاهرة، وقد استهل الباحث كتابه بإهداء إلى العنقاء التي تحترق حتى تصير رمادا.. ثم تنبعث من رمادها مجددا، وأكمل إهداءه إلى الحقيقة وسط نيران الزيف ليكشف كل الأغطية عن الجوانب المختلفة للقضية، متكئا على الجذور التاريخية والشهادات المتواترة عبر الأزمنة والعصور، لبيان الحق الفلسطيني في الأرض والوطن بدون مواربة أو تدليس.
تقول مقدمة الكتاب على لسان صاحبه، إن مراجعة أعمال من يسمون بمؤرخي التوراة، الذين حاولوا إعادة كتابة التاريخ الإنساني القديم بشكل توراتي، بحت أو بالاستناد الملتوي إلى بعض مستجدات العلوم المستحدثة للتأريخ، من منطق وفلسفة وكشوف أثرية إلخ، يكشف لنا أن المحاولات لا تعدو كونها تجارب فاشلة لإضفاء نوع من المصداقية أو الشرعية على المشروع الصهيوني الحديث في فلسطين، باعتباره امتدادا طبيعيا للمشروع القديم المزعوم، الذي يهدف إلى فرض القراءة التعسفية للأحداث كمنطق عقلاني يحتم مصداقية الأحداث التوراتية الأسطورية المنسلخة من سياقاتها التاريخية للتوظيف القسري لخدمة المشروع الصهيوني، وهنا لا بد من أن نصطدم بسؤال جبري يحتاج إلى رد صريح من مؤرخي التوراة، المصرين على الزعم بأن منبع الحضارة الغربية هو دولة اليهود القديمة في فلسطين!
والرد على هذه المزاعم، حسبما يقول الكتاب أو المرجع التاريخي المهم لحسن الشريف، يأتي كالتالي: إن المتأمل في أسلوب الحياة الغربية بأنماطها السلوكية النفعية العملية السائدة يستطيع بسهولة ملاحظة تباعدها الكلي عن النموذج الديني في الكتاب المقدس، كما يستطيع أيضا ملاحظة الفرق والفصل والتباين بين تأثير الأنماط السلوكية المحلية في زمن الحضارة الإغريقية والرومانية، أي ما قبل المسيحية، والأنماط والنماذج السلوكية الشرقية المتمثلة في قصص العهد القديم.
ويشير الكتاب إلى التناقض الفج في هذه الجزئية على وجه الخصوص، ذاكرا أن المزاعم السابقة والمشار إليها تتناقض مع ما أجمع عليه كل المؤرخين بلا استثناء، بإثباتهم أن النهضة الأوروبية بدأت واستمرت بفصل الدين عن الدولة العلمانية، وأن نمو الأنماط السلوكية للحضارة الأوروبية الحديثة، تأثر بعوامل أبعد بكثير من تأثير الأديان الوافدة من الشرق الأوسط بشكلها الأصلي، التي كان لزاما عليها أن تأخذ صبغة الثقافات الرومانية والإغريقية لكي تندمج في تلك المجتمعات.
وفي السياق نفسه يؤكد حسن الشريف أن مؤرخي التوراة حاولوا فرض شرعية ومنطق للحاضر عن طريق اختلاق وتزوير الماضي، الذي لم يكن ذا صلة بالحقيقة التاريخية، ولا معطياتها ولا سنداتها، اللهم إلا صلته فقط بالفرضيات اللاهوتية التي تطرحها التوراة، والتي هي نتاج خيال مريض منحاز ذي أغراض مادية، وها هي مرتكزات هذا التأريخ التوراتي تتهاوى واحده تلو الأخرى أمام مستجدات مستحدثة، ولم يبق لانبلاج الحقيقة سوى كشف الستار الديني الأسطوري عن تلك الدعاوى التاريخية المغلوطة من حيث المنشأ والتطور والأسلوب والهدف، وعليه فقد قسّم الشريف كتابة إلى خمسة فصول ضمت عناوين اضطلعت بعرض وتفسير الصراع، وقدمت شهادات معتبرة للقضية التاريخية على النحو المنطقي وفي ضوء التحليلات الدقيقة لكل عنوان على حدة.
في الفصل الأول يقدم قراءة وافية تحت عنوان «الذبيح – ابن العهد ـ ابن الوعد. وفي الفصل الثاني يميط اللثام عن ما يؤكد أنها الحقيقة المطلقة في عنوان جريء هو «ديانة بني إسرائيل وثنية من البداية للنهاية»، وكذا الفصل الثالث وعنوانه «يوسف عليه السلام ورحلة الدخول إلى مصر» ـ وكذلك الفصل الرابع «موسى عليه السلام ورحلة الخروج من مصر، والفصل الخامس الختامي «محاولة صياغة التاريخ عن طريق الأسماء»، ويشتمل كل فصل من الفصول الخمسة وكل عنوان من العناوين المذكورة على السرد التاريخي للأحداث وقراءتها قراءة علمية متأنية، بعيدة كل البعد عن لغو السياسة والخطاب الأيديولوجي الدعائي، سواء مع أو ضد.

٭ كاتب مصري

الصراع وشهادة التوراة… تاريخ فلسطين بعيدا عن السياسة

كمال القاضي

- -

1 COMMENT

  1. شكرا جزيلا لجريدتنا (القدس العربي) والتي كانت منبرا وستظل بمشيئة الرحمن لنتحدث من خلال منبرها الراقي عن كل قضايانا وهمومنا العربية. القدس عربية .. وأشكر أخي الفاضل الكاتب الألمعي الأستاذ كمال القاضي على هذا المنشور الذي ينم عن شخصية المثقف المصري والعربي .. دمتم جميعا بود ودام ودكم

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left