فوضى الشرق الأوسط وسراب الحرية

[1]

حظي كتاب «في أيدي العسكر، الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط» للصحافي ديفيد كيركباتريك، الذي صدر مؤخرا، باهتمام بالغ في الصحافة الأمريكية والعربية، ومَرَدُّ هذا الاهتمام موضوع الكتاب، وشخص الكاتب الذي واكب ملابسات الربيع العربي في مصر، بصفته مراسلا لجريدة «نيويورك تايمز» في القاهرة، وفصول الحراك، من الاعتصام بميدان التحرير إلى خلع مبارك، فانتخاب محمد مرسي، إلى إزاحته واشتباكات رابعة العدوية.
أحداثٌ درامية كان شاهدا عليها ورآها بأم عينيه وواكبها، يضاف إلى ذلك، المنبرُ الذي يشتغل فيه وهو «نيويورك تايمز»، وهي ليست جريدة فحسب، بل مؤسسة وضمير، على خلاف «الواشنطن بوست» التي تظل مرتبطة بما يسمى بحزام واشنطن، أي بمراكز القرار.
لم يجنح الكاتب إلى ما قد يُعتبر لائقا سياسيا، وجهر بحقائق مؤلمة ومزعجة، خاصة بالنسبة للسلطات المصرية، منها الانقلاب على الرئيس مرسي، ومجزرة رابعة العدوية، وإطلاق النار على الناشطة شيماء الصباغ، ومقتل الإيطالي جوليو ريجيني.
الكتاب مفيد لأنه نظرة الآخر إلى واقع معقد، وهي تسهم في فهم الأنا. وهو مفيد لأنه يطفح بشهادات داخلية من مصر، ثم من مراكز القرار الأمريكي. لسنا في دائرة الكتابات المقعرة أو التخرصات الأكاديمية أو الأماني.
لو أردت أن أستخلص كل ما ورد في الكتاب للخّصته في كلمة واحدة: الخوف. الشعور السائد لدى المواطنين في مصر، وفي العالم العربي، ولدى الفاعلين هو الخوف. المسيحيون يخشون المسلمين، والحداثيون يخشون الإسلاميين، والإسلاميون يخشون الجيش، والجيش يخشى الشارع. شعور الخوف هو الذي يطبع العلاقات العامة، ومن ثمة يؤدي إلى الكذب والاختلاق والمبالغة، وانتفاء أي حس نقدي، والسكيزوفرينيا، يرمز إلى ذلك ما أسرّ إليه مسؤول مصري كبير للصحافي من أن رابعة العدوية مجزرة، ليضيف، ولكنها كانت ضرورية!
يتناسل عن الخوف استقواء المؤسسات الأمنية، ومنها ما يُعبَّر عنه تجاوزا بالدولة العميقة، وهي مؤسسات ومصالح لا تخضع للقانون، وفوق القانون، وترتبط بعلاقات متداخلة ومصالح مشتركة، وليس لها من غاية إلا استمرار المنظومة.
ومن الدولة العميقة ورعايتها أو المصالح المتشابكة المتولدة عنها، ينبت وسطاء كالفُطر، بلا ضوابط، ولا معايير، مرتبطون بمن يمسك السلطة، يرمز إليهم رجل الأعمال أحمد عز. عز ليس شخصا، بل ظاهرة، وكل منظومة استبدادية تفرز حالة عز، في تونس وليبيا وسوريا. ما لم يقله الكاتب هو شبكات «عزات» العالم العربي، ماليا، وسياسيا وإعلاميا، كانت مكشوفة لفترة، وتوارت تحت تأثير «الربيع العربي»، ثم عادت بشكل خفي، ولمّا ينقطعْ تأثيرها، لكن صاحب الكتاب لا يكتفي بإلقاء اللائمة على بنية السلطة في العالم العربي، ولا يتحرج من انتقاد الغرب. يبدأ من دور الولايات المتحدة في تحديد معالم المنطقة، غداة الحرب العالمية الثانية. رسمت ملامحها من خلال إزاحة الملك فاروق، أو مباركتها للانقلاب على الملكية، وأفرزت ما وضعه ضابط مخابرات أمريكي قريب من الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت، كيرمت روزفلت، من بنية تستحوذ على السلطة من أجل اتخاذ قرارات غير شعبية. يعتبر الكاتب أن هذا البارديغم هو الخطيئة الأصلية أو أصل الداء. فالسلطة ليست أداة، ولكن غاية، ولذلك لا تقوى من دون أجهزة أمنية رهيبة. أرسى المنظومة عبد الناصر، ولم يخرج عنها السادات، ورسّخها مبارك، وبقيت مستمرة إلى الآن، أي السلطة من أجل اتخاد قرارات غير شعبية. يمكن أن نتوسع في الظاهرة التي ليست مقتصرة على مصر، طبعا.
مسؤولية الولايات المتحدة في منحى الأحداث وإخفاق الربيع العربي قائمة، يقول الكاتب. في الفصل السادس والعشرين المعنون بالجهاديين في البيت الأبيض يطرح السؤال عن مآل الربيع العربي، لو تصرفت الولايات المتحدة بشكل مغاير حول «الأحداث في القاهرة، ولو أن واشنطن ضغطت بشكل أقوى على حلفائها في الخليج (الفارسي) (كذا) من أجل احترام الانتخابات في مصر». يضيف مستشهدا بمسؤول أمني أمريكي من أن التنازلات التي قدمتها الولايات المتحدة تقلص من نفوذها وتحد من مصداقيتها. توزُّعُ الولايات المتحدة بين النظرة البراغماتية للبنتاغون، وأصحاب الموقف الحازم، حُسم لصالح الأوائل الذين وصفوا غرماءهم بجهادي البيت الأبيض، أو مجموعة (كوكوس) الإخوان المسلمين.
ولكن الحداثيين في مصر ومن ثمة في العالم العربي، مسؤولون كذلك. من الشهادات المعبرة شهادة الناشطة الحقوقية دالية عبد الحميد، التي لم تتنصل من المسؤولية، كان الغرور يغلب علينا، قالت الناشطة، «ولعلنا لم نكن نقبل بطريقة لاشعورية أن فريقا ثوريا غيرنا من شأنه أن يصل إلى السلطة. لقد كنا نكره الإخوان المسلمين حد أن البعض منا اعتبر أن عودة النظام القديم قد يكون أحسن، عوض أن يستلموا السلطة. ينبغي أن نوقف الفكرة القارة التي تولدت لدينا، من أنهم اجترحوا أخطاء. ينبغي أن ننظر إلى أخطائنا كذلك». ثم هناك اللامنطوق، أو الأضرار الجانبية المتولدة عمن خابت آمالهم، الظاهرة ليست قصرا على مصر، يتوجه الذين آمنوا بفجر مشرق من ميدان التحرير تسطع شمسه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى معالجة حالات الانهيار العصبي والطلاق والأرق. يتمسكون في مسرى الإخفاق بأشياء بسيطة، بل تافهة، الطبخ، الرياضة، الموسيقى، تعلم لغة أجنبية، معاقرة الخمر.. وحتى هنا، في هذه القضايا البسيطة يترصدهم الإخفاق، ثم حروب الفيسبوك، والتراشق المتبادل والحروب الكلامية كما صراع الديكة، عما وقع، وما لم يقع، أو ما كان ينبغي أن يقع، وتضخيم ما قد وقع. هناك وعد أخلفه الحداثيون أو بعضهم، وهو المبادئ الخلقية، الرأسمال الذي ينبغي أن يحافظ عليه الحداثيون هو المبادئ، ولكنهم أخلفوه.
نظرة كابية، وجرد مؤلم، ولكنه ضروري، من أجل تجاوز حالة الاحتقان المستشرية، وفهم أسباب المعوقات البنيوية. ومثلما يقول كامو في رواية «الهاوية»: حينما نكون كلنا متهمين، آنذاك ستتحقق الديمقراطية. ومن المؤكد أن ستكون للكتاب حياة أخرى لو ينقل إلى اللغة العربية.
كاتب مغربي

فوضى الشرق الأوسط وسراب الحرية

حسن اوريد

1 Comment (Open | Close)

1 Comment To "فوضى الشرق الأوسط وسراب الحرية"

#1 Comment By S.S.Abdullah On Sep 12, 2018 @ 5:33 pm

العنوان (فوضى الشرق الأوسط وسراب الحرية) والموضوع وزوايا التحليل، توضح لي الأدب أو اللباقة الملكية في النظام البيروقراطي لدولة الحداثة، فمشكلة نظام الحكم في المملكة المغربية أو الأردنية في أجواء العولمة والاقتصاد الإليكتروني، لا تختلف عن مشكلة سوريا أو مصر، رب ضارة نافعة، لأن انتخاب دلوعة أمه (دونالد ترامب) بواسطة الشعب الأمريكي في 2016 يرفع عن العرب والمسلمين، عدم الأهلية العقلية، بحجة أنه تم انتخاب كل النخب العراقية بعد 2003، مثلها مثل إعادة انتخاب بشار الأسد، وعبدالفتاح السيسي، بل وحتى تكرار عمر البشير منذ عام 1989 في السودان، ومن وجهة نظري عمر البشير في السودان كان الأذكى حتى الآن بتغيير هيكلة نظام حكمه قبل أيام في عام 2018، وقبل بقسمة الدولة، بل وحتى قبل تنفيذ خزعبلات معمر القذافي في فترة من الفترات، وكان هو الأكثر حرفية في حلب الإنسان والأسرة أكثر من حتى الشيخ محمد بن راشد في دولة الإمارات العربية المتحدة.
فعقلية الصراع شيء، وعقلية الحوار للتعايش شيء آخر مختلف تماما، نحن في حاجة إلى تغيير ثقافة دولة الحداثة لثقافة الأنا أولا الأوربية أصلا، لكي نحولها لتتوافق مع ثقافة لغة القرآن في سورة الكافرون، لتجاوز مشاكل الإفلاس الأخلاقي، التي جعلت اساءة أداء الوظيفة، نوع من اثبات الإيمان إن كان بالنسبة لدلوعة أمه (دونالد ترامب) أو خامنئي بل وقبل ذلك نتنياهو في الكيان الصهيوني، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كما حصل في عراق ما بعد 2003، ولذلك البصرة لا يوجد فيها ماء للغسل والمزابل تملئ شوارع بيروت. نفس الشيء من يشكك فيما حصل في 11/9، صحيح من حق أي شخص افتراض ما يشاء، في طريقة فهم أي موضوع، ولكن من الخطأ افتراض أن فرضياته لها علاقة بواقع ما حصل في 11/9، لاحظت ما يجمع هؤلاء هو يظن أن العرب والمسلمين أغبياء، على الأقل ليسوا مثل المسيحي الأوربي الأبيض الذكي، لكي يمكنهم تخطيط وتنفيذ ما حصل في 11/9/2001، فالذكي عند دلوعة أمه (دونالد ترامب) هو من يؤمن بالمسيحية، وبالنسبة لأهل علم الكلام (الفلسفة) هو من يؤمن بولاية آل البيت فقط، وأما الإيمان بأي شيء آخر، فهو دليل على الغباء، فهل تصدق ذلك؟ لأن سورة الكافرون من لغة القرآن، تفرض علينا التعايش مع الملحد، فكيف إذن يجب تعاملنا مع المؤمن بأي شيء مثل البوذي أو الهندوسي أو الكونفوشيس؟ ولذلك اسلوب أن يكون هدف الحوار مثل هدف الصراع هو خطأ قاتل