«غوغل»: تساعدنا أو تتحكم في خياراتنا؟

د. مدى الفاتح

Sep 12, 2018

منذ دخولها عالم التكنولوجيا الرقمية في أواخر التسعينيات من القرن الماضي تحولت شركة غوغل العملاقة لأكثر بكثير من مجرد محرك بحث على شبكة الإنترنت، حيث باتت أنشطتها تشمل ضمن خدماتها المختلفة خدمة البريد الإلكتروني (جي ميل) وخدمة «غوغل إيرث» التي تساعد على تحديد المناطق الجغرافية بدقة متناهية، وخدمة الترجمة التي تعتمد على تفعيل غير مسبوق للذكاء الصناعي وغيرها من البرامج والتطبيقات، كل هذا مع استحواذٍ كامل على نظام الأندرويد وتطبيق اليوتيوب الأهم في مجال تسجيل مقاطع الفيديو، وغيرها من البرامج والتطبيقات الأساسية التي لا يكاد يخلو منها هاتف.
لا شك أن في هذا الانتشار والتوسع والقدرة على التطوير والثبات في أكثر الأسواق تغيراً على الصعيد العالمي، نجاح كبير، لكن بالنسبة للمستهلكين الذين يجدون أنهم، ومع مرور الأيام، لا يستخدمون الإنترنت بقدر ما يستخدمون منتجات غوغل، فإن هناك أسئلة مهمة تطرح نفسها، أسئلة عن الخصوصية وحدود مهارات التتبع التي يستخدمها غوغل أو القائمون عليه، والتي تدعي أنها إنما تتطور كل يوم بغرض تقديم خدمة أفضل، وليس بهدف اختراق الخصوصية. حسب القائمين على هذه البرامج فإن تحديد الموقع يساعد على تقديم خيارات أفضل لأماكن التسوق أو المطاعم مثلاً، كما يساعد على تقديم خرائط محدّثة للمكان يمكن أن توضع بين يدي المستخدم موفرة عليه كثيراً من الوقت والجهد. من جانب آخر يعتبر المصممون التقنيون، أن معرفة الخيارات الثقافية والهوايات يساعد على تقديم إعلانات غير عشوائية ومناسبة. هذا كله جيد وإيجابي طبعاً، لكن ما هو غير واضح هو تلك الحدود بين المعلومات المفتوحة والمقدمة بشكل طوعي من أجل الحصول على خدمات مناسبة، والانكشاف التام الذي تصبح فيه كل حركات وسكنات المستخدمين مرصودة ومتتبعة بشكل لصيق ودائم.
تقدم الهواتف الذكية على سبيل المثال خدمة الأجندة، وهي عبارة عن جدول يسجل فيه المستخدم ما يراه مهماً من أنشطة ومواعيد خلال أيام أو أسابيع مقبلة، ثم يعمل الهاتف بعد هذا التسجيل على تذكير صاحبه بالموعد عبر رنة خاصة أو إشعار. الجانب الآخر لهذه الصورة البراقة والذكية هو الارتباط الذي يخلقه الهاتف الذكي بين هذه الأجندة التي تحكمت أنت فيها وفي ما تريد وضعه بها، وكل ما يعرفه عنك من خلال اطلاعه على ما قمت أو تنوي القيام به. ستجد في هذه الأجندة على سبيل المثال مواعيد حجوزات السفر المرتقبة، التي تنوي القيام بها وأي نشاط آخر ثقافي أو اجتماعي أو رياضي أو سياسي قمت بالتسجيل فيه عن طريق استخدام الإنترنت. في نهاية المطاف سوف تلاحظ أن هذه الأجندة قد تحولت لما يشبه تقريراً تفصيلياً عن التحركات التي قمت بها. إذا أضفت إلى ذلك المعلومات المتوفرة والمجموعة من خلال النشاطات والاشتراكات التي تقوم بها على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن النتيجة التي يمكن الوصول إليها هي أن كل هذا يجعل مهمة أي مجمّع للمعلومات، سواء كان جهة أمنية رسمية، أو عصابة شريرة أكثر سهولة بكثير إذا ما استطاع فك شيفرة هاتفك الصغير أو التحكم به، حيث سيوفر ذلك عليه ما كان يستغرق ساعات طويلة سابقاً من التحقيق أو التتبع. هذا يجعلنا نفهم لماذا بدأت بعض السفارات تطلب من المتقدمين للحصول على تأشيرة دخول الإفادة بحساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.
ينظر كثيرون لكل ذلك بتبسيط معتبرين أنه، ما دام الإنسان لا يقوم بما هو خاطئ أو غير قانوني فلا مشكلة ولا مبرر للانزعاج. ربما يكون التفكير بهذه الطريقة مريحاً، خاصة إذا لم يكن المرء يملك خياراً آخر، لكن لا شك أن فكرة أن تكون مراقباً ومنكشفاً على الدوام هي فكرة مزعجة حتى إن كنت لا تقوم بأي شيء مهم.
ليس في الأمر إساءة ظن بالقائمين على إدارة هذه المواقع والتطبيقات الإلكترونية، فهم في الغالب ذوو مهنية وحرص عالٍ على حماية خصوصية المشتركين حتى ضد بعض الدول والأنظمة، إضافة للدافع الأخلاقي، يعود ذلك الحرص لدوافع تجارية، حيث تهدد أي شكوك في هذا الاتجاه بانهيار اسم هذه الشركات وأسهمها في عالم المعلوماتية، عبر زعزعة ثقة المستخدمين بها، وهو ما سيقود إلى خسائر قد تقدر بالمليارات من الدولارات، رغم ذلك فإن احتمال الاختراق والتسرب وارد، بل حدث ذلك بالفعل في عدد من الحالات خلال الأعوام السابقة. هذه الفرضية لا يمكن تجاهلها ولا يستطيع أحد أن ينفي وجودها على المطلق، فاحتمالية التسرب والاختراق تظل موجودة دائماً، وما أكثر المواقع التي سقطت ضحية لهذا، رغم ما أحاطت به نفسها من قدرات عالية على التحصين والحماية. ماذا يعني هذا؟ يعني فيما يعنيه تعريض خصوصية عشرات الملايين من المستخدمين للخطر، وإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أخرى وهي أن منبع كل هذه التطبيقات والبرامج الكبرى والأكثر شعبية واحد، وأن جميع هذه المعلومات لا تتوزع، بل تصب داخل الحدود السياسية للدولة الأكبر، فإن ذلك يضيف خشية أخرى من السيطرة السياسية والثقافية على عالم الانترنت.
منذ العام الماضي كثفت مواقع البحث والتواصل الاجتماعي الكبرى حملتها المعلنة لمراقبة المحتوى المنشور، ووسعت تقبلها للإشعارات من قبل المستخدمين، كما بدأت تأخذ التنبيهات المتعلقة بوجود محتويات غير مناسبة على محمل الجد. الغرض الأساسي المعلن كان محاربة المنشورات العنصرية، أو التي تشجع الإرهاب والتطرف، كما كان القضاء على أي محتوى بورنوغرافي (جنسي) غير لائق. باعتبار أن الجميع صاروا شركاء بشكل أو بآخر في هذه التطبيقات، ليس فقط كمستهلكين ومستخدمين، ولكن أيضاً كفاعلين ومشاركين فإننا نرى أنه حان الوقت لطرح أسئلة حول فعالية هذه الاجراءات، وعن تمكنها فعلاً من تقليص جرائم الكراهية الإلكترونية.
نريد أن نعرف، على سبيل المثال، ما هي الجهة التي تجد الوقت الكافي لقراءة وتقييم هذا المحتوى الذي يقدر بملايين الصفحات كل يوم؟ هل يكفي فقط الاستخدام الذكي العشوائي لتتبع الكلمات والمشاهد غير اللائقة، عبر برامج غير بشرية على غرار ما تقوم به شركة «فاير آي» للأمن الالكتروني؟
هذه الأسئلة لم تنبع من فراغ، وإنما من المراقبة اللصيقة لنتائج الاجراءات المتبعة الحديثة، التي تقوم بها المواقع والجهات المسيطرة على الشبكة العنبكوتية. مؤخراً، أعلنت غوغل حجبها عشرات الحسابات والقنوات على موقع يوتيوب، بحجة تنفيذها «حملات تضليلية» مصدرها إيران أو روسيا. هذا الخبر لا يمكن فصله بأي حال عن التصعيد السياسي بين الولايات المتحدة وهاتين الدولتين. يقول كينت ووكر، نائب رئيس غوغل في تعليقه على ذلك: «إن الفاعلين الذين يقومون بحملات التأثير ينتهكون سياساتنا، وسنقوم بإزالة المحتوى الذي ينشرونه بسرعة من خدماتنا». التصريح غريب ولا يخلو من مفارقة تكمن في أن المحتوى الالكتروني الذي يراقب الجميع بهدف حمايتهم من أنفسهم، ما يزال يشتمل على عشرات الآلاف من الصفحات والمقاطع والبرامج التي لا تخلو من بذاءة أو عنصرية، أو مشاهد عري. هنا لا تعمل يد الرقيب بالفعالية ذاتها التي تحملها على الغلق الفوري لصفحات ناشطين سياسيين بحجة دعواتهم التحريضية، أو بسبب وصول بلاغات قد يكون مصدرها أجهزة أمنية لدولة فاشية.
كاتب سوداني

«غوغل»: تساعدنا أو تتحكم في خياراتنا؟

د. مدى الفاتح

- -

1 COMMENT

  1. لا يوجد شيء مجاني الا وراءه غرض او مصلحة لمن يقدمه..فاذ قبلت به فانه يعني اما القبول بدفع الثمن او الاستهبال او الاختلاس اذا استطعت التهرب.
    المشكلة عندما يصبح هذا المجاني اجباري بسبب الشيوع او القانون
    وفي بلادنا فانت مراقب بالقانون او بدون قانون و لن تتورع الاجهزة عن استخدام كل الوسائل التي يمكنها استخدامها عند اللزوم واذا ارادت. و لن تتورع عن تسليم اي معلومات عنك الى اي جهة معادية او غير معادية بل تسليمك شخصيا.
    سؤالان هامان: 1- مالذي يساعد على وجود جوجل و امثالها من العمالقة و كيف لنا ان ننافسها او نعمل معها؟. 2- ما معنى الحرية و الخصوصية و ما هي ضماناتها؟؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left