الغناء هو العمود الفقري للسينما الهندية وشهرته من شهرتها

يحمي الأفلام من النسيان وتجعلها حاضرة في الذاكرة

مروة متولي

Sep 12, 2018

في الهند لا يمكن فصل الغناء عن السينما، فكما تقوم بوليوود منذ ما يزيد على مئة عام بتقديم نجوم التمثيل إلى العالم فهي تقوم أيضاً بتقديم نجوم الغناء، حيث تحرص دائماً على أن تضم إليها أهم وأجمل الأصوات في شبه القارة الهندية، ويعد الغناء تقليداً من تقاليد السينما الهندية العريقة، ويمثل جزءاً كبيراً من متعتها، فلا يخلو فيلم من الأغاني حتى وإن كانت أغنية واحدة فقط في الأفلام التي لا تحتمل موضوعاتها وجود أغنيات واستعراضات، ويعتمد الفيلم الهندي على الأغنية فنياً، ففي كثير من الأحيان تكون جزءاً من السيناريو وتختصر الانتقالات الزمنية والتحولات العاطفية من خلال التعبير عنها بالغناء بدلاً من المشاهد التمثيلية، وكذلك تعد الأغنية من أهم عناصر الإبهار والترفيه، فوجود أربع أو خمس أغنيات في الفيلم لا يسمح بوجود الملل أثناء المشاهدة، كما أن للأغنية أهمية تسويقية كبرى وخصوصاً في السنوات الأخيرة، فقد صارت من أفضل طرق الدعاية ومؤشراً لا يستهان به في توقع حجم النجاح الذي سيحققه الفيلم، وفي الوقت الحالي تصدر أغنيات الفيلم تباعاً على موقع يوتيوب والقنوات التلفزيونية قبل طرح الفيلم في دور السينما، وعادة ما تحصد هذه الأغنيات ملايين المشاهدات خلال الساعات الأولى من صدورها.

أغان تؤرخ لحياة البلاد

وللأغنية كذلك دور خطير في السينما الهندية وهو أنها تحمي الفيلم من النسيان وتجعله حاضراً في الذاكرة، فالأغنية تخلد الفيلم لأنها الأقصر من حيث الوقت بالطبع والأسهل من ناحية التلقي ويتكرر الاستماع إليها مرات ومرات على العكس من الفيلم الذي قد لا يشاهده المرء إلا لمرة واحدة فقط، وعلى مدى كل هذه السنوات تكونت لدى بوليوود ذخيرة فنية ضحمة تضم الآلاف من الأغنيات التي تحمل سمات مراحل زمنية وفنية مختلفة وتؤرخ لتطور الأغنية الهندية من عقد إلى آخر، والمعروف أن المطرب في أفلام بوليوود لا يظهر بصورته وإنما يؤدي الأغنية بصوته فقط، بينما يكون على الممثل التعبير عن معاني الأغنية من خلال تعبيرات الوجه والمشاهد التمثيلية أو من خلال تعبيرات الجسد عن طريق الرقص، وأحياناً يكون عليه محاكاتها شفهياً وكأنه هو من يقوم بالغناء، وأن يكون أحدهم مطرب «بلاي باك» في بوليوود فهذا لا يقلل من شأنه أو يخفض من نجوميته بل على العكس تماماً، فهي مكانة كبرى لا يصل إليها المغني بسهولة حيث لا وجود لعملية صناعة «النجوم» بالأمر المباشر، لأنه في صناعة سينمائية تعد الأضخم في العالم والأكثر انتشاراً ويتم عرض أفلامها في توزيع جغرافي هائل ينمو باستمرار، لا مكان لأنصاف المواهب في ظل منافسة قوية داخلياً فيما بينهم وطموح كبير ورغبة في التفوق عالمياً، ولا مجال للتكرار والتشابه وإنما يتم دائماً اختيار الأفضل من الأصوات المتميزة والمتفردة، كما أنه في مناخ من الاحترافية العالية يختص كل فرد بعمل ما يتقنه، فلا يسعى المطرب مهما بلغت نجوميته إلى فرض نفسه كممثل، ولا يسعى الممثل مهما بلغت نجوميته إلى فرض نفسه كمطرب، كما يحدث في بعض الدول الأخرى التي يصر فيها الكثير من عديمي الموهبة من المغنين على تقديم ما يسمونه بأفلام ومسلسلات، فلا يكتفون بإيذاء البشر بأصواتهم الرديئة وإنما يحرصون على مطاردتهم ومحاصرتهم صوتاً وصورة.

نجوم الغناء

وقد قدمت بوليوود على مدى تاريخها الكثير من نجوم الغناء ومن أعظمهم الفنان الراحل «محمد رفيع» ذلك المطرب صاحب الصوت المخملي النادر والإحساس العبقري، وقد بدأت نجوميته في الأربعينيات من القرن الماضي ومن أشهر أغنياته في الخمسينيات أغنية بعنوان «إنها بومباي يا عزيزي» التي يتمكن فيها بصوته وأدائه من خلق العواطف المتناقضة في نفس المستمع فيكاد يضحك ويبكي في نفس الوقت، إذ يصف ضياع الإنسان وسط مظاهر المدنية الحديثة التي قد يجد فيها كل شيء لكنه لن يجد فيها قلباً أو إنسانية.
ومن خلال بوليوود يحقق المطرب انتشاراً واسعاً حول العالم ويصنع جمهوره الكبير الذي يجذبه إلى عالمه الخاص بعد ذلك، لأنه عادة ما يكون هؤلاء النجوم من المطربين يؤدون أنواعاً أخرى من الغناء بأكثر من لغة في منطقة تتميز بالتنوع الثقافي الهائل، وعادة ما يبرع المطرب منهم في أكثر من نوع من قوالب الغناء الكلاسيكي إلى جانب أنواع متعددة من الغناء الروحي، كما هو حال ثلاثة من أبرز نجوم الأغنية الهندية في الوقت الحالي هم: شيريا غهوشال وعاطف أسلم وأريجيت سينغ.

أهم الأصوات النسائية

وتعد المغنية الهندية «شيريا غهوشال» من أهم الأصوات النسائية حالياً، وتمتلك صوت سوبرانو بالغ الجمال يمتلئ بالأنوثة والرقة والرومانسية، ولديها من القدرات الصوتية التي تمكنها من غناء الطبقات المنخفضة بنفس الروعة التي تغني بها الطبقات العالية التي يتمكن منها صوت السوبرانو بطبيعة الحال، ويقترن اسم «شيريا» دائماً بأهم الأفلام وتحظى بالكثير من التقدير النقدي والجماهيري بالإضافة إلى حصولها على العديد من الجوائز الموسيقية السينمائية المهمة في الهند، كما يرتبط إسمها بأبرز نجمات بوليوود اللاتي يؤدين أغنياتها تمثيلاً على الشاشة مثل النجمة «كاترينا كيف» ومن أشهر هذه الأغنيات: «ما شاء الله» و»أنفاسي» و«شاميلي الجميلة»، بالإضافة إلى الكثير من الأعمال الأخرى التي تتنوع ما بين الأغنيات الرومانسية الهادئة والأغنيات السريعة الإيقاعية، وكذلك الأغنيات ذات الطابع التراثي، ومن أهم ما قدمته مؤخراً أغنية «غهومر» في فيلم «بادمافاتي» وعلى أنغامها قامت النجمة «ديبيكا بادوكون» بأداء رقصة «غهومر» والتي تعد من أصعب الرقصات الهندية. تغني «شيريا» بأكثر من عشر لغات شرقية ومن أبرز الفنون الكلاسيكية التي تتميز بأدائها هو فن «البهاجان» أحد أنواع الغناء الروحي الهندوسي، وفيه تبدو وكأنها تغني أسرار هذا الكون وتنطلق بصوتها نحو كل ما هو غامض ولا نهائي، وتتمكن من ترك أثر عميق في نفس المستمع يشبه أثر التأمل أو اليوغا، ومن أجمل ما تغنيه من هذا النوع أغنية بعنوان: ري مايا.

باكستاني من نجوم الهند

أما المغني «عاطف أسلم» فعلى الرغم من كونه باكستاني الجنسية، إلا أنه يعد من أهم نجوم الأغنية الهندية ومن أبرز مطربي بوليوود في الوقت الحالي، ولا تكاد تخلو أهم الأفلام من أغنياته ويرتبط اسمه بكبار النجوم وعلى رأسهم «سلمان خان» وأفلامه التي تحتل المراكز الأولى وتحقق الأرباح الخيالية حول العالم وتحطم الأرقام القياسية وتشعل المنافسة بقوة داخل بوليوود، ومن أشهر هذه الأغنيات: «أناني» وأحاديث القلوب» و«لو أني»، كما يغني «أسلم» باللغة الأردية والعديد من اللغات السائدة في شبه القارة الهندية، ويمتلك صوتاً شديد العذوبة والدفء ويتميز بأداء الأغنيات الرومانسية المفعمة بالأحاسيس والعواطف، وهو الأقدر دائماً على التعبير عن آلام الأشواق والحنين برقة بالغة، كما يتميز بتقنية «البلتينغ» التي تمكنه من غناء النوتات العالية وتركيز الصوت وتكثيفه من دون الضغط على الحنجرة، وبعيداً عن بوليوود يغني «أسلم» فنون القوّالي والغزل بأسلوبه المتفرد الذي يمكنه من تقديم هذا الغناء التراثي بطريقة تجذب إليه الملايين من المستمعين على الرغم من وجود عمالقة في هذه الفنون، ومن أجمل ما يغنيه في هذا المجال أغنية «مكي مدني» وأغنية «تاج دار الحرم» ومن يستمع إليه في مثل هذه الأغنيات يدرك أن «عاطف أسلم» يستطيع أن يغني أي شيء وأنه من أقوى الأصوات التي تصعب منافستها.

جيل التجديد في الأغنية

لكن على الرغم من ذلك يوجد منافس قوي لعاطف أسلم هو المغني الهندي «أريجيت سينغ» الذي يمثل حالة فريدة واستثنائية ويعد من أقوى نجوم الغناء في بوليوود والأكثر شهرة واستماعاً، ويمكن القول إن «أريجيت» يمثل الأغنية الهندية في شكلها الأكثر حداثة، وأنه كمطرب ومؤلف وموزع موسيقي قد ساهم بشكل كبير في تطويرها من خلال مزجه الموسيقى الشرقية بأنواع من الموسيقى الغربية مثل «البوب» و«الميتال» و«الهارد روك»، وقد ارتبط اسمه بأهم الأفلام وكبار النجوم مثل «شاه روك خان» و«رانفير سينغ» ومن أشهر أعماله أغنية «ديوالي» وأغنية «فتاة قلبي مصرية» وأهم ما يميز صوته هو ذلك الخيال الساحر الذي يستطيع أن يصنعه عندما يغني مستحوذاً بالكامل على وجدان المستمع، ويغني «أريجيت» بأكثر من لغة ويقدم ألواناً مختلفة من الفنون منها القوّالي والغزل والغناء الصوفي، أما فنه الأساسي وما نشأ عليه منذ طفولته فهو فن «الرابيندرا سانغييت» وهو ذلك الفن الذي أبدعه أديب نوبل «طاغور» منذ ما يزيد على مئة وعشرين عاماً، وهي أغنيات كتب أشعارها وألف ألحانها وقد أنتج «طاغور» من هذه الأغنيات ما يزيد على ألفي أغنية، ومن أجمل ما يغنيه «أريجيت» بإحساس لا مثيل له من هذا الفن أغنية بعنوان «ما تريده روحي» تمتلىء بالمشاعر التي كتبها «طاغور» المتمكن من أسرار القلوب، ويحرص «أريجيت سينغ» على إحياء هذا الفن القديم بينما يمضي في تحديث الأغنية الهندية.

كاتبة مصرية

الغناء هو العمود الفقري للسينما الهندية وشهرته من شهرتها
يحمي الأفلام من النسيان وتجعلها حاضرة في الذاكرة
مروة متولي
- -

1 COMMENT

  1. مقال انعش في الذاكرة واعادني لزمن الطفولة فالسينما الهندية
    -
    القديمة بلا شك كانت حاضرة في وجدان العديد من جيلي
    -
    وحسنا اذ اشرتم لمطرب اسطوري كمحمد رفيع ايقونة الاغنية الهندية الذي
    -
    بدأ معه تاريخ الاغنية الهندية المعاصر و لا غيره ملأ الفراغ الذي خلفه
    -
    و تجدر الاشارة الى ان الاغنية الهندية ما كان لها ان تنال شهرتها لو لم يقتبس
    -
    ملحنوها من موسيقى شعوب اخرى فاكثر من نصف الاغاني الهندية مقتبس من موسيقى الاخرين
    -
    و كمثال على ذلك اغنية “انها بومباي يا عزيزتي ” للموسيقار op nayaar و التي جاء ذكرها في المقال
    -
    والتي اقتبست ألحانها من اغنية فولكلورية امريكية بعنوان Oh My Darlin’ Clementine
    -
    و لا ننسى ذكر اقتباسات متكررة من اغاني عربية و من اشهرها اغنية محمد رفيع ” جنكلي”
    -
    المقتبسة من موسقى “وياك” لفريد الاطرش و اغاني اخرى مستوحات من ألحان الاخوين الرحباني
    -
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left