لا سبيل لفرض تسوية أو توافق مع الفلسطينيين حول القدس

صحف عبرية

Sep 12, 2018

القدس مدينة معقدة ومشحونة، كثيرة الأبعاد، غنية الطبقات، دائخة ومدوخة. ليس عبثًا أن لها أيضًا متلازمة خاصة بها وتاريخًا غنيًا بقصص الحب والحروب والجنون وخيبات الأمل والخيانات. دور البراغواي في تاريخ المدينة وإن كان كقطرة ماء صغيرة على زجاج سيارة، إلا انه أيضًا جزء من علامات التحذير للخطوات السياسية الهشة لحكومة إسرائيل.
كل عريس يهودي يتلفظ بانفعال قبل كسر الكأس بكلمات: «إذا نسيتك يا أورشليم تنساني يميني». أما البراغواي فقد نسيت جدًا. لم تكن تحتاج إلا إلى بضعة أشهر كي تبدل القرار الشجاع، السريع والمتسرع للسير في أعقاب دونالد ترامب ونقل سفارتها إلى القدس. وسبق هذه الخطوة زيارة كوراسيو كرتاس، رجل البراغواي، الذي مثل رئيس الفلبين قليلًا، ليس هو الشخصية الدولية التي يتباهى المرء بها، محوط بالفضائح جاء في زيارة موضع خلاف كي ينضم إلى ميل جعل الاعتراف بالقدس كعاصمة إسرائيل حقيقة سياسية ملموسة.
في تلك الزيارة توجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى كرتاس وقال له: «عندما قلت لك إن القدس كانت عاصمة الشعب اليهودي على مدى 3 آلاف سنة وعاصمة دولة إسرائيل على مدى 70 سنة، قلت: «قرار بالإجمال يعترف بالتاريخ». هذا صحيح. فهو يعترف بالتاريخ ولكنه أيضًا يعترف بالعقل السليم. ومن ثم فإن نقل سفارتكم من تل أبيب إلى القدس جاء وفقًا للتاريخ، العقل السليم والحقيقة».
والآن، بعد أن أعلنت براغواي عن إلغاء الخطوة، وبعد أن أنهى كرتاس مهام منصبه، مشوق أن نقرأ مرة أخرى ثناء رئيس الوزراء: يا هوراسيو، ولاسفي اسبانيتي ليست جيدة بما يكفي كي أقول كل هذا بالإسبانية، ولكني أريد أن تعرف بأننا نتحدث اللغة ذاتها. هذه لغة القلب».
وعندها ذكر نتنياهو العلاقة عديدة السنين لبراغواي بالشعب اليهودي وجانبها العائلي، حين قال: «نحن نعرف ونذكر دور براغواي في إنقاذ اليهود قبل الكارثة وفي أثنائها، وفي استقبال اللاجئين اليهود بعدها، يتبين اليوم أن هذا ليس لقاء بين الدول بل لقاء بين العائلات أيضًا. بعض قليل جدًا من عائلة زوجتي نجوا من الكارثة. أحدهم جاء إلى هنا، أبوها، وآخر سافر إلى براغواي. يتبين أن حاشيتك المحترمة ومنهم الوزراء المحترمون والسفراء وغيرهم يعرفون عائلة طابور. إذن، أطلب أولاأن تبلغهم السلام، وثانيًا قولوا لهم: السنة القادمة في القدس». هكذا نتنياهو.
عائلة أم لا، في غضون ساعة من لحظة نشر القرار بإلغاء نقل السفارة وإعادتها إلى تل أبيب، أمر نتنياهو بإغلاق السفارة الإسرائيلية في براغواي. فقد سار باتجاه أزمة شاملة. لا صداقة ولا قيم، لا قلب ولا عائلة، فقط غضب، إهانة وثأر. لا ينبغي التأثر كثيرًا، فالقرار لا يمس بمكانة القدس إذ لا يعززها قرار ترامب بالانضمام. فالتقلب يؤكد هشاشة الخطوة السياسية وما فيها من خطر. كل من تجرأ على التفكير أو التشكيك بالخطوة الأمريكية أصبح على الفور يساريًا يشكك بوجود الأمة. ولكن هذه الخطوة تؤكد الثمن.
لكل خطوة سياسية هناك موجة مضادة. يدور الحديث في هذه الحالة عن ضغط عربي فلسطيني في جنوب أمريكا ضد الخطوة. وذلك رغم أن كل ما فعلته الولايات المتحدة هو تثبيت الواقع الغامض للاعتراف بسيطرة إسرائيل في الجانب الغربي من القدس، دون إعطاء تعبير للخلاف القائم على مكانتها. مشكوك في أن تكون مدينة دولية تقررت مكانتها في مشروع التقسيم في 1947، مشكوك في أن تكون هناك مدينة لا تحسم مكانتها إلا في مفاوضات بين الطرفين.
كما أن الاعتماد على ترامب ينطوي على ثمن، فكل من يعارض الرئيس الأمريكي، في الداخل أم في الخارج، يعارض أيضًا الخطوات التي يتخذها. ومثلما ألغى ترامب خطط سلفه في المنصب براك أوباما، هكذا سيفعل الرئيس القادم، ولا سيما إذا كان ديمقراطيًا متحمسا.
وثمة أيضًا الموضوع الأخلاقي؛ فترامب، المعترف الأكبر بالقدس، يتصدى الآن لكتاب آخر، هذه المرة للصحافي المقدر بوب ود وورد. ففي كتاب «خوف: ترامب في البيت الأبيض» انكشف بأن ترامب يدير البيت الأبيض كروضة أطفال. وحسب ما ورد يبدو أن الرئيس: لا يدير، ويتحكم، ويغير رأيه بسرعة، وأسير خطاب نفسه، ولا يحبه موظفوه ولا يقدروه.
ويضاف إلى ذلك المقال المغفل للمسؤول في الإدارة الذي كتب في «نيويورك تايمز» بأنه هو وزملاؤه في القيادة ممن لا يرتبطون بالمعارضة اليسارية لرئاسة ترامب، يعملون بهدف حماية المؤسسات الديمقراطية الأمريكية من الرئيس حتى نهاية ولايته. ويضيف المسؤول بأن المشكلة تكمن في عدم أخلاقية الرئيس وفي ميله لاتخاذ قرارات خطيرة ومتسرعة. وأضاف أن الفكرة للشروع في إجراء تنحيته طرحت في الكابينت. هذا هو بطل القدس خاصتنا، وهذه هي المشكلة.
لكل هذه يضاف التحدي المقدسي لعزيز أبو سارة، من سكان شرق المدينة الذي أعلن بأنه سيتنافس على رئاسة البلدية في الانتخابات القريبة القادمة في الشهر القادم. سيتراس أبو سارة قائمة فلسطينية جديدة باسم «القدس لنا» تتنافس لمجلس المدينة. وبصفته مقيمًا في القدس وليس مواطنًا في دولة إسرائيل، فإنه يعتزم الالتماس إلى العليا مطالبًا بتغيير القانون الذي يستوجب المواطنة لغرض التنافس على رئاسة البلدية.
ويتحدى أبو سارة المفهوم الإسرائيلي المتآكل، القدس الموحدة ويفحص حدود القانون والديمقراطية. «هذه بداية نهاية القدس اليهودية»، كتب حاييم رامون معقبًا. هذه المرة مهرج، وفي الانتخابات التالية سيكون أحد ما ذا وزن مثل أحمد الطيبي. الفلسطينيون يشكرون بيبي، والكين، وبركات، الذين يرون في الـ 22 قرية التي لم تكن أبدًا جزءًا من القدس لحمًا من عاصمة إسرائيل.
الاستنتاج الذي ينشأ من كل التحديات التي تقف أمامها القدس هو أن لا سبيل لفرض تسوية أو توافق. لا يوجد طريق التفافي للحسم المتفق عليه. الفلسطينيون يقفون وظهرهم إلى الحائط ولكنهم لن يستسلموا. في النهاية يجب الحديث، والوصول إلى تفاهم. لا ترامب ولا أمريكا الجنوبية، لا مصر ولا السعودية يمكنهم أن يحلوا محل الحديث المباشر مع الفلسطينيين. الاعتراف بالقدس بعد التسوية سيكون مستقرًا ويشكل انجازًا سياسيًا، وبدون هذا يفضل معمعان المعركة والغموض، لأن الإكراه يحمل ثمنا ويخلق موجات صدى ضارة.

اودي سيغال
معاريف 9/9/2018

لا سبيل لفرض تسوية أو توافق مع الفلسطينيين حول القدس

صحف عبرية

- -

1 COMMENT

  1. هناك قانون في الفيزياء يقول(لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه)
    وهذا القانون ينطبق بالكامل على صراعنا مع العدو الصهيوني…. كل أفعاله التي عملها بالعرب والفلسطينيين سترتد عليه بالمثل … وان غدا لناظره قريب.
    ومن يقل غير ذلك فهو اما لا يفهم حركة التاريخ…. أو جبان…. أو عميل للعدو يحاول التسويق له

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left