الجزائر في دوامة الفوضى الخلاقة

واسيني الأعرج

Sep 12, 2018

تعود فكرة الفوضى الخلاقة التي دمرت العالم العربي كليا وشردت سكانه، إلى الواجهة من جديد. لا أحد مقتنع بأن أمريكا منشغلة بالديمقراطية في العالم العربي، ولا بحقوق الإنسان والأقليات، ولا بوضعية المرأة، ولا حتى بالديمقراطية، بل العكس هو الأقرب إلى الصحة.
كلما انحدر العالم العربي إلى الحضيض، وجدت أمريكا فرصتها للتوغل أكثر ولتنشيط لوبي السلاح الأمريكي. ما بيع من أسلحة في السنوات الأخيرة كبير، يعادل ويتجاوز حتى ما بيع في الحروب العربية الإسرائيلية. وقد نجحت أطروحات هذه النظرية التي وقفت وراءها كونداليزا رايس، وزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة. بعد إثارة النعرات الطائفية وتحويلها إلى ميدان للصراع وتدمير ما تبقى من بنيات الدول العربية، بالخصوص العراق وسوريا، والإخلال النهائي بنظام التوازن العسكري مع إسرائيل، وبعد الانقضاض على القدس وفلسطين، والانتهاء من فكرة الدولتين، ها هي نظرية الفوضى الخلاقة تمتد إلى جيوب المقاومة العربية، ومنها الجزائر، آخر دولة في المركب « الاشتراكي» السابق المعادي لسياسة إسرائيل الاستعمارية والتوسعية.
خرجة الجنرال خليفة حفتر الأخيرة يمكن قراءتها على مختلف الأوجه، سوى أن تكون فعلا حرا من حفتر، وعودة وعي ظل نائما زمنا طويلا. هل انتهى حفتر من حروبه الداخلية ليفتح النار على جارته؟ حرب أهلية طاحنة، وغياب كلي لشيء اسمه الدولة. كان يفترض في الجنرال حفتر أن يكون بسماركا، يستجيب لحاجة ليبية عميقة، أي موحدا للأجزاء الليبية الممزقة، وإعادة ترميم الكسورات القاسية. لهذا لا يبدو تصريحه الذي رفضته كثير من القوى الليبية جادا وعفويا.
يذهب التفكير بالضرورة نحو ترتيبات يتم تنظيمها منذ مدة لاختبار الجزائر في هذا الظرف العصيب جدا. ماذا يعني هذا التهديد الذي سيفتح النار في المنطقة؟ ومن المستفيد والكل يعرف التاريخ الليبي الجزائري الكبير والمشترك؟ هناك صراع دولي وجهوي حوّل ليبيا إلى دولة اللادولة، واغتصب جوهر ثورتها ورغبتها في التغيير.
بعد فشله داخليا يتوجه خليفة حفتر نحو الجيران بحجة المس بالوحدة الترابية لليبيا، كم دولة اليوم تغتصب الحق الليبي في الحرية والديمقراطية والاستقلال؟ مسار حفتر لا يريح المتأمل كثيرا للوضع السياسي في المنطقة، من قائد انقلابي برفقة القذافي إلى قائد عسكري في الجبهة التشادية، حيث ألقي عليه القبض قبل أن تتسلمه المخابرات الأمريكية وتمنحه اللجوء السياسي وتحضره لمستقبل قريب، حتى بداية الثوة الليبية، ليظهر من جديد في ثورة 2011. لهذا نفترض أن تصريحه هو تعبير عن دور منحه إياه طرف قوى أجنبي وآخر إقليمي.
المنفذ الأساسي لنظرية كوندوليزا رايس حول الفوضى الخلاقة؛ فوضى لم نر منها حتى اليوم إلا الفوضىفي حين تم رهن الخلاّقة إلى أجل غير مسمى، والعودة المحمومة إلى أكثر من مئة سنة إلى الوراء سترمي بالعرب في زمن الموت البطيء، حيث لا استثمار، ولا نفط لتغطية العجز العام سوى الاقتتال والحروب البينية، في ظل صهيونية متغولة وجشعة فوق القانون الدولي.
لقد كسر الخط العربي المناهض للاستعمار، مهما كانت تحفظاتنا على أنظمته؛ كسر العراق كقوة ولم يستفد العراقيون من الفوضى الخلاقة لتأسيس دولة حديثة. إنما العكس هو الذي حدث، وكل ما ناضل من أجله العراقيون صغر، للأسف، واختزل في الطائفية، بينما كان العراق مؤهلا للمزيد من الصعود. لقد كان النفط يمنحه فرصة هذا التطور، لكن تم وضعه تحت وصاية أمريكية كلية. مليون شهيد عراقي في معركة الدفاع عن العراق ضد الاحتلال الأمريكي، من أجل تثبيت أطروحات الفوضى المدمرة. أما سوريا فأدخلت في دوار حرب أهلية لم تترك شيئا، وقادت البلاد إلى الانهيار شبه الكلي والتحول إلى سلسلة خرائط افتراضية كثيرة تتحكم فيها أيد عديدة: الإيرانية، والروسية، والأمريكية، والتركية، ولا حل إلا بتوافق الكـل، والكل لا يتوافق مع الكل. فحيثما كان النفط فثمة حرب.
الجنرال حفتر يهدد؟ أي قوة ذاتية يملك لتنفيذ تهديداته؟ طبعا، الأمر ليس فرقعات في الهواء، ولكن استجابة لطلب من يتحكمون اليوم في الوضع الليبي. ليبيا في الخرائط النفطية العالمية جزء من الحسابات والاستراتيجيات الدولية المستقبلية. استمرار الحرب في ليبيا هو استمرار لتدفق النفط ونهب الخيرات الليبية بأبخس الأثمان. النفط الليبي في أيدي غير ليبية. الاستراتيجية التي يتم حاليا ترتيبها تمس الجزائر. فبعد أن تم تصدير الإرهاب إلى تونس يتم توجيهه الآن إلى الجزائر كما كان مخططا له.
مخلفات برنارد هنري ليفي، المستشار الحربي لساركوزي، ما تزال حية، هذا الذي استثمر هاجسا ديمقراطيا حقيقيا ليخوض حربا تمزيقية غير مسبوقة ضد الشعب الليبي. ما هو الدافع إلى التهديد إذن بدل العمل على ترتيب البيت الليبي؟ لماذا الآن؟ هل الجزائر أولوية بالنسبة لليبيا؟ الأيدي المحركة تتجاوز خطاب حفتر، بل هي جزء من استراتيجية كسر الشوكة العربية كليا.
ضرب الجزائر في الخاصرة هو فتح الباب على مصراعيه لتحويل الجزائر إلى ميدان للحروب والتقتيل والتمزق. أعتقد أن الوضع الدولي مهيأ لتنفيذ الاستراتيجية الكبرى لنظرية الفوضى الخلاقة التي لم يدرك العرب بعد أنها الفوضى المدمرة. حتى الوضع الداخلي الجزائري مناسب لإشاعة هذه الفوضى القاتلة والمدمرة. تخلخل في الجبهة الداخلية التي لم تعد أصلا موجودة في ظل الصراعات على السلطة. الجبهة الشعبية التي تبنتها جبهة التحرير الوطني ليست إلا فرقعات في الفراغ.
صراعات غير مرئية تدل على هشاشة الوضع الداخلي، وتغييرات صامتة وعميقة في المؤسسة العسكرية تدفع إلى كثير من التساؤلات. لا أحزاب سياسية معارضة بالمعنى الديمقراطي، فكلها انضوت تحت الراية الكبيرة للنظام. تفكك جناح بكامله كان على رأسه بشكل معلن مسؤول فروم رؤساء المؤسسات، الباترونا، السيد علي حداد. في فترة رئيس الحكومة السابق، كاد يخضع للمساءلة، لكن جاء من ينقذه من هلاك أكيد، قبل أن يختفي بعد فضيحة الكوكايين.
ومن هنا، فإن حركة الجنرال خليفة حفتر لم تأت من الصدفة، ولكن من وضع داخلي في حالة ارتباك أيضا، وضع يحتاج إلى إعادة ترتيب قوية، وكذا من وضع دولي قادم ستكون الجزائر ساحته الأساسية.
حركة حفتر يجب أن تقرأ وفق الاستراتيجيات والترتيبات القادمة. فالجزائر في كماشة؛ من جهة، العلاقة مع المغرب ليست على ما يرام ولا حل في الأفق القريب، والقاعدة الأمريكية في تونس لا تسهل من مهمة العلاقة مع الجزائر، والحدود الليبية أصبحت معبرا للأسلحة. أما من الجهة الجنوبية، فإن دول الساحل المخترقة من الحركات الأصولية، القاعدة، وبوكو حرام، وداعش وغيرها، في حالة انتظار. وحربها ضد الأصوليات التي ترسخت في المنطقة تسمح لها، من خلال مختلف الحجج، أن تلعب دورا ضمن النظام العالمي الجديد والفوضى الخلاقة. أما في الشمال، فالبحر الأبيض المتوسط يربض فيه الأسطول الأمريكي السادس.
أعتقد أن الوضعية مهيأة لخوض تجربة الفوضى الخلاقة المدمرة في الجزائر. والجنرال خليفة حفتر ليس في النهاية إلا اليد التي سيطلب منها قريبا الضغط على الزر والانسحاب، وبعدها سيتولى آخرون، إقليميون وخارجيون خوض عملية التدمير الممنهج. ويكون ملف العالم العربي بذلك قد أغلق نهائيا، ومعه الفوضى الخلاقة التي أنتجت على مقاس العرب، للعرب، لينهوا تاريخهم بأنفسهم ويدخلوا مرحلة العدم.

الجزائر في دوامة الفوضى الخلاقة

واسيني الأعرج

- -

10 تعليقات

  1. لا يمكن أن تحدث هذه الفوضى الخلاقة في الجزائر. لأننا اكتوينا بها سابقا . و ليعلم الكل أن الشعب الجزائري لا يسقط في هذه الفتن مهما اختلف أبنائه.
    رأي مواطن بسيط والله على ما أقول شهيد

  2. هناك من باع جزءا من وطن ، قناة السويس، من مصر بطبق طعام أوروبي. وثمة من وطنا بسيارة. يوجد من باع وطنا بساعة يدوية. ثمة من باع وطنا بالرّز . هل تعلم أن وطنا قد بيع بمُكسَّرات. . . .
    ومن باع مقدرات وطن بأبخس الأثمان من أجل منصب فجرى على أجيال لحقها الفقر والجهل وقد ودّع البائع الحيااة وجاء بيعد وحافظ على البَيع.
    وقبل ذلك بيعت ممالك الأندلس بحسناءَ وبقدح خمر وبذر وأضاع المُلك ببيت شِعر.
    ولا يجب نسيان من البلدان للمستعمر وباع من قاوم المستعمر بلا شيء فأصبح من المقاومين واتمنه المستعمر للقيام مكانه بالحكم .
    من هانت عليهم أوطانهم وباعوا لا يُرجى منهم خيرا وهم سبب تخلف الشعوب التي باعت بصمت ولم تحرر نفسها.

  3. ومن يمنع حدوث مثل هذه الفوضى الخلاقة في الجزائر فكما حدثت في التسعينات من اللذي يمنعها من الحدوث الأن فكل الشروط متوفرة.

  4. لم يبع الجيش الجزائري نفسه ولا يوما واحدا.. غسيل المخ مع سواد القلب يدفع بكثير من الحمقى إلى تصديق اسطوانة يقصد بها التشكيك في كل ما هو شريف في وطننا العربي..
    الأكيد أن الكمال لله وأن لعسكر الجزائر كما لسياسييها وشعبها أخطاؤه وخطاياه ولكن الحديث عن جيش ارتمى في حضن مستعمره هو محض افتراء لأن جيشا رفض الوغول في الدم العربي ومشاركة أفراح قتل المسلم رغم كل الضغوط والاغراءات هو جيش لا تزال بوصلته نقية ترصد الشرف وتتبعه.
    الجيش الجزائري هو الوحيد الذي لا يقتني أسلحته من عند مستعمره ولا يكون إطاراته في بلد مستمعمره ولا يشارك مستعمره القديم أي سياسات دولية بل على العكس من ذلك تماما.. بل أن ارتماء السلطة الجزائرية بعد الاستقلال مباشرة في أحضان الاشتراكية والشيوعية بكل سيئاتها ومساوئها كان دافعه الوحيد هو خلق وعي بالذات بعيد عن تأثيرات المستعمر القديم على العكس من كل جيرانها.
    لطالما كان الدينار رمزا لأصالة وعراقة الموروث الثقافي العربي في عز تألقه لكنه للأسف اليوم صار دينارا مدلسا ومظلما وكاذبا ومزورا.. دينار يخضع للدولار وللأورو يتتبع ما يملى عليه من الإعلام الموجه الذي حول الإسلام إلى مرادف للإرهاب و العربي إلى مرادف للتخلف وها هو يسعى إلى ان يحول الشريف إلى عميل بينما العملاء حقا يمرحون تحت ناظريه في كل مكان يهددون الجزائر فتعلق لهم النياشين ويتهمون جيش الجزائر فتصفق لهم الجموع.. يا له من زمن رديء أصبح للباطل فيه أصوات صارخة وللحق تعاليق يتم إسكاتها كلما حاولت أن تقول للباطل اخسأ فلن تعدو قدرك.

    • لا يشتري سلاحه من عند “مستعمره” لكن لا ضير أن يلج الرئيس المريض مستشفى “مستعمره” لأنه لا يثق في مستشفى وطنه ولا ضير أيضا عندما يأتي رئيس “مستعمره” أن يُستقبل كما يُستقبل هلال العيد بزغاريد النساء حد الهوس ولا ضير أيضا أن يموت الشباب في البحر من بلد تسبح فوق بحر من البترول ليصل الى بلاد “مستعمره” بل أن الأموال تنهب في الرطن من اجل شراء عقارات في بلاد “مستعمره” ….
      لا ادري هل الاستعمار كان سيفعل فينا أكثر مما يفعله الان حكامنا وعسكريا؟

  5. نسأل الله الخلاص للجزائر وشعبها الأبي من عصابات المال والأعمال التي أفرزها هذا النظام الجائر طيلة 20سنة عجاف تميزت بالجهوية و بتقديس أفراد وصور لا حول لهم ولا قوة وذلك على حساب أمة و وطن، الخطر الجاد هو من ينخر جسد هذا الوطن في الداخل قبل الخارج ، لأن الجزائر قوية ومتلاحمة في الداخل لا يخشى عليها، عشمنا في المؤسسة العسكرية الصرح الوحيد الذي لا يزال يحضى بثقة المواطن. شكرا لك استاذ واسيني الأعرج على هذه الالتفاتة الطيبة للجزائر الحبيبة.

  6. الأخ جزائر الشهداء..
    تعليقك يشبه حد التناص مع تعليق أخ مغربي في موضع واحد..
    عندما تجد بلدا ليس فيه فساد فأشر عليه أما أن تتحدث عن الفساد في الجزائر كخطر داهم زاعما أن لا غيره تهديد عليها هو عين الافتراء والتزييف الممنهج الذي ينكر كل ما حدث ويحدث هناك حيث كل من يطالب بحقه الطبيعي في الحياة والكرامة يتم اتهامه بالخيانة والزج به في الزنازين لبقية حياته ويحول عقده نحو الجزائر.
    أن ترفع قميص عثمان في جارة الشر لأجل حجب الشرف عن جيشها وشعبها لا يختلف أبدا عن العمالة المجانية في ادعاء انتماء غير انتمائك وتشويه ما يشعرك بالنقص.

  7. الجزائر على مااضن بعيده كل البعد عن الفوضى الخلاقة ولسبب واحد هو التلاحم و الثقة التي يوليها الشعب لجيشه الوطني صمام امان البلاد
    نعم يوجد سرقة نعم يوجد فساد نعم يوجد محسوبية لكن اذا كان تغيير المنكر بمنكر اكبر منه فاللفقهاء والشعب راي اخر وسنكون كلنا جبهة واحدة في وجه اي اداة تريد تمزيق البلد او تقسيمه او اضعافه ومهما كانت المسميات حفتر داعش القاعده الجهوية اسقاط النظام. النظام سيذهب والى لا رجعه لكن الاهم منه تبقى الدوله وتبقى الجزائر من التاء شمالا الى التاء جنوبا ومن التاء شرقا الى التاء غربا

  8. هذا الجيش الوطني قتل مئآت الآلاف من المواطنين الأبرياء بالعشرية السوداء بأمر من فرنسا لأجل أن لا يحكم البلد إسلاميين! ولا حول ولا قوة الا بالله

  9. شكرا للأستاذ واسيني الأعرج الكاتب والمفكر على التحليل الرفيع في هذه المقالة الرائعة. هي كما عودنا على الدوام من حيث الدقة والموضوعية. وأتمنى من أعماق قلبي أن لا يتحقق أي خطر على بلاد الجزائر ضمن التصور الذي قدمه الأستاذ واسيني وأن تظل البلاد والشعب الجزائري الشقيق في أمن وأمان واستقرار رغم ما يمكن أن يطرأ من مشاكل وأزمات على غرار ما يحصل في جميع المجتمعات.
    بقي أن أشير إلى أن السيد عليوات يطرح دائما على عادته فكرا شوفينيا متزمتا لا يسلم منه أحيانا حتى بعض الإخوة الجزائريين إذ لا يتقبل منهم أدنى انتقاد لأوضاع البلاد فيخطئ في حقهم عندما يعتبرهم من مواطني البلد الجار.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left