هل ستنتفض إيران؟

نجاح عبدالله سليمان

Sep 14, 2018

لشهور خلت تبحث الحكومة الإيرانية عن أسباب وعلل ومبررات لفشلها الاقتصادي، وأخيراً حمّلت إدارة ترامب مسؤولية انهيار الريال، معتبرة أنها تواجه حرباً اقتصادية، بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي المُبرم بين طهران والدول الست عام 2015. لكن محتجين في بازار طهران ومدن أخرى إيرانية، واصلوا إضراباً وتظاهرات، داعين إلى الانتفاض.

انهيار الريال الإيراني

ما حدث هو أن الاتفاق النووي ومعه الريال الإيراني هوى كل منهم إلى مستوى قياسي منخفض جديد، بدأت بالريال الذي هوى مقابل الدولار في السوق الحرة سابقاً، ومع الأسبوع الثاني من مايو/أيار الماضي، بسبب قرار ترامب الانسحاب من الاتفاق المتعلق بالبرنامج النووي لطهران ما غذا مخاوف من أزمة اقتصادية في إيران. وسبق أن عُرض الدولار بسعر يصل إلى 75 ألف ريال مقارنة مع حوالى 65 ألف ريال قبيل إعلان ترامب قراره مساء 8 أيار/مايو، وفقاً لموقف «بونباست. كوم» الذي يرصد أسعار السوق الحرة.
سبق ذلك وفي مسعى لوقف التراجع، أعلنت السلطات الإيرانية في أبريل/نيسان الماضي، أنها ستوحد سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الحرة عند مستوى 42 ألفاً، مع حظر أي تداولات بأسعار أخرى عن طريق وضع المتعاملين بها تحت طائلة الاحتجاز، لكن الخطوة لم تقض على السوق الحرة، لأن المبالغ الضئيلة من العملة الصعبة التي توفرها السلطات عبر القنوات الرسمية لا تضاهي الطلب، وبينما الوضع هكذا، نجد معاملات السوق الحرة أصبحت ببساطة تجري في الخفاء.
وبينما الريال في طريقه السابق وثورات الخبز على الأبواب، وافق المرشد الايراني علي خامنئي، على السماح لطهران بالتفاوض على إنقاذ الاتفاق النووي بعد الانسحاب الامريكي منه، لكنه طالب بضمانات جدية لبقاء بلاده فيه، حيث أعلن روحاني أن وزير خارجيته جواد ظريف سيجري مفاوضات مع الدول الخمس الاخرى الموقعة على الاتفاق (ألمانيا والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا) لمعرفة ما إذا يمكن إنقاذه؟ وسبق وصدق المرشد علناً على هذا القرار بالتأكيد على أن إيران لن تبقى في الاتفاق من دون ضمانات عملية من الأوروبيين.
رد فعل روحاني على القرار الأمريكي، جاء فيه «علينا أن ننتظر لنرى ما الذي ستفعله الدول الخمس الكبرى. لقد أصدرت تعليماتي إلى وزارة الخارجية لإجراء مفاوضات مع الدول الاوروبية والدولتين العظميين الاخريين أي الصين وروسيا».
و«إذا وجدنا في نهاية هذه المهلة القصيرة أنه عبر التعاون مع هذه الدول الخمس يمكن ضمان مصالح الشعب الايراني، على الرغم من الولايات المتحدة والنظام الصهيوني، عندها سيبقى الاتفاق النووي سارياً وسيكون بمقدورنا العمل في سبيل السلام والأمن في المنطقة والعالم».
خامنئي الذي سبق وحذّر خلال المفاوضات من المفاوضين الأمريكيين الذين قال إنهم ليسوا أهلاً للثقة، وطلب بتقديم ضمانات من الرئيس الأمريكي حينها باراك أوباما، لكن المفاوضين الإيرانيين لم يحصلوا عليها، واعتبر خامنئي ضمناً أن انسحاب واشنطن من الاتفاق يبين صحة موقفه.
واعتبر رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني ايضاً أن الانسحاب الأمريكي يعطي لأوروبا فرصة أن تثبت أنه لديها الثقل اللازم لتسوية المشاكل الدولية، وحديث لاريجاني خلال جلسة صاخبة للمجلس شهدت قيام نواب عدة من المحافظين المتشددين بإحراق علم أمريكي ورقي على المنصة وسط صيحات «الموت لأمريكا».
نعم روحاني سبق له أن حذر من أن إيران يمكن أن توقف تطبيق القيود على انشطتها النووية التي وافقت عليها، وتستأنف تخصيب اليورانيوم بدرجات حالية إذا لم تعط النتائج مع الأوروبيين والروس والصينيين النتائج المرجوة.
وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس جاء على الخط الساخن، حينما صرح، بأن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع حلفائها لضمان عدم حصول إيران على سلاح نووي. وصرح للجنة المخصصات في مجلس الشيوخ: «سنواصل العمل إلى جانب شركائنا وحلفائنا لضمان عدم امتلاك إيران أبداً لسلاح نووي، وسوف نعمل مع آخرين على التصدي لنفوذ إيران الخبيث. وهذه الإدارة ستظل ملتزمة جعل الأولوية لسلامة ومصلحة ورفاهية مواطنينا».
الواقع أن الموقف لم يكن أمريكيا إيرانيا فقط، فقد سبق أن حضرت باريس بقوة حينما حض ماكرون نظيره الإيراني في اتصال هاتفي على احترام الاتفاق النووي الموقع في 2015 بشكل كامل، على الرغم من قرار الولايات المتحدة الانسحاب منه. واتفق الرئيس الفرنسي والرئيس الإيراني على مواصلة العمل المشترك مع كل الدول المعنية من أجل الاستمرار في تنفيذ الاتفاق النووي وحفظ الاستقرار الإقليمي. وقد تكون رغبة من فرنسا في الحفاظ على الاتفاق النووي، كذلك فإن بوتين في وسط هذه المستجدات، دخل الحلبة ليعرب عن قلقه البالغ حيال الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي. قد يكون من المبكر التكهن بالمسارات التي سوف يتخذها انهيار تفاوض إيران النووي، وكذلك رد الفعل الإيراني الداخلي حول انهيار الريال، ولأن من يعطي الخبز يعطى الشرعية.
فيبقى أن ما بدأ في 28 ديسمبر/كانون الأول 2017، سوف يستمر شهوراً أو سنوات قبل إحداث تغيير متكامل، إنما مسيرة التغيير بدأت وتُحفّزها عوامل داخلية وإقليمية عدة، فلم يعد المواطن الإيراني يكتفي بالبقاء على الهامش تكنولوجياً واقتصادياً واجتماعياً في بلاد غنية بثرواتها، فيما محيطه العربي والآسيوي، على سبيل المثال، يستضيف شركات غوغل ومايكروسوفت وآبل وغيرها من القطاعات الرائدة تكنولوجياً، وهنا لابد أن تأتي الثورات ليست للخبز فقط، ولكن على من تسبب في إدارة سيئة للمشهد، وتسبب في زرع جناح إيراني مع كل محاور الشر في المنطقة، ليحصد الشعب كل هذه التكلفة، ويُتوج الأمر بفشل سياسي نووي ذريع.

تطور شعارات المحتجين

الإيرانيون منهكون نتيجة لسلوك نظامهم، يظهر ذلك في إضراب مالكي متاجر في «بازار طهران» ومدن أخرى، بينها آراك وشيراز وكرامنشاه وتبريز وأصفهان، بعد تراجع قياسي مرات ومرات للريال مقابل الدولار. هنا تطورت شعارات المحتجين المناهضة للنظام، بينها الموت (للمرشد علي) خامنئي والموت لروحاني وإيران باتت مثل فلسطين، لماذا لا تنتفض أيها الشعب؟ ولا نريد دولة ملالي. وسبق أن أعلن المدعي العام في طهران عباس جعفري دولت آبادي اعتقال عناصر أساسية متورطة باضطرابات «بازار طهران»، مشيراً إلى أنهم سيُحاكَمون، فيما حذّر رئيس القضاء صادق لاريجاني من أن المخلّين بالوضع الاقتصادي سيواجهون عقوبة الإعدام أو السجن 20 سنة، مبرراً بأن العدو يحاول تخريب اقتصادنا عبر عملية نفسية، حاول بعضهم إغلاق البازار، لكن الشرطة أحبطت مؤامرته. ما حدث هو أن العذر جاء أقبح من الذنب، فروحاني برّر تراجع الريال بـدعاية الإعلام الأجنبي، قائلاً «حتى في أسوأ الأحوال، أعِد بتأمين الحاجات الأساسية للإيرانيين».
واعتبر أن العقوبات الأمريكية الجديدة جزء من حرب نفسية واقتصادية وسياسية، وأن الأعداء لن يستطيعوا تركيعنا، وإذا تمكّنا من الحفاظ على أمل (الشعب) وثقته، يمكننا الانتصار على كل المشكلات. لماذا يجب أن يقلق الناس؟ هذا القلق تثيره وسائل إعلام الأعداء. ننتظر مزيداً من (الدعم) من أصدقائنا. أما رئيس مجلس الشورى لاريجاني فرأى أن الحكومة لم تفعل ما يكفي لمواجهة المشكلات الاقتصادية، وطالب نواب روحاني بتعديل فريقه الاقتصادي، إذ اتهموه بالفشل في تسوية مشكلات ايران. ووقّع 71 نائباً عريضة تمهل روحاني 15 يوماً لعرض سياسة اقتصادية جديدة على البرلمان، أو مواجهة احتمال عزله من منصبه.
الحقيقة أن أزمات الريال الإيراني، تأتي لسكب الزيت على النار، ويبدو أن صبر الإيرانيين نفد، وأنه لم يعد بالفعل يطيق ولاية الفقيه وحكم الملالي، ويبدو أن الشعب الإيراني ضاق ذرعاً بالحوزة الحاكمة، سواء المحافظين أم الإصلاحيين بسبب الفساد وارتفاع الأسعار وانعدام الإصلاح وتزايد الإنفاق على تصدير الثورة إلى الخارج، وتمويل الحوثيين وحزب الله اللبناني والدور الذي يلعبه الحرس الثوري في سورية والعراق.
ما حدث مؤخراً هو تطور الأمور حيث طالب النواب روحاني بتعديل فريقه الاقتصادي، مهددين بعزله.
وفي خطوة تُشدّد الضغوط على طهران، حضّت واشنطن حلفاءها على وقف شراء النفط الإيراني، بحلول الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أو مواجهة عقوبات اقتصادية أمريكية جديدة.
وهنا قد تعزل تدفقات التمويل الإيرانية مع عدم منح إعفاءات من العقوبات على طهران، كذلك تشديد الخناق عليها. وهنا نستطيع أن نقول إن إيران ستظل تنتفض.. وإذا انتفضت قد تثور.. فإذا ثارت قد لا تهدأ.

كاتبة مصرية

هل ستنتفض إيران؟

نجاح عبدالله سليمان

- -

1 COMMENT

  1. يبدو ان امريكا تعلمت الدرس من ايران
    فالاخيره ومن خلال اذرعها اعتمدت
    سياسة اللعبه خارج وهاهي امريكا
    تريد نقل اللعبه الى الملعب الايراني
    الداخلي وجعل الايرانيين يلعبون
    بعضهم ضد البعض وبوادر هذه اللعبه
    بدات تلوح في الافق وسوف تزداد ضراوة
    بعد انتهاء اكتوبر القادم..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left