الشرق الأوسط: الكل ضد الكل والرابح الأكبر إسرائيل

د. عبد الحميد صيام

Sep 14, 2018

في لقاء أكاديمي جمع ثلة من الباحثين والدبلوماسيين والكتاب في العاصمة الهندية نيودلهي، لمناقشة الأوضاع الأمنية والسياسية في غرب آسيا، أو ما نطلق عليه الشرق الأوسط، أعجبني وصف سفير هندي سابق في المملكة العربية السعودية، عندما وصف الأوضاع في هذه المنطقة العربية إضافة إلى إيران وتركيا بأنها «الكل ضد الكل»، أي أن المنظر عن بعد يبدو معركة عمومية بين مجموعة من الناس، لا تعرف من معك ومن ضدك، تضرب أي إنسان يقف في وجهك وتتعرض لصفعات لا تعرف من أين أتتك.
لكن هذا المشهد السيريالي لم يأت صدفة، فخلف الستارة تختبئ إسرائيل تحرك المشهد بطرق شتى، وتعمل على تفاقم النزاع بين أولاد الحي المنتمين إلى العرق والثقافة واللغة والدين والتاريخ والجغرافيا نفسها، فكل ما يجري من نزاع وقتال وتفتت وإرهاب ينتهي لصالح هذا الكيان، الذي زرعه الغرب بالقوة في موقع القلب من هذه المنطقة، لتبقى متخلفة متفرقة، تقاتل بعضها بعضا، كي ينعم هو بالراحة والأمن والرخاء والتنمية.
الأمور في العالم العربي ليست منقسمة بين أسود وأبيض، ولا يسار ويمين ولا إلى معسكر الرأسمالية برئاسة الولايات المتحدة يقابلة معسكر الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية بقيادة روسيا، ولا إلى محور الممانعة ومحور الاستسلام، فهناك تداخل وتخبط في العديد من المواقف، فقد يقف عدوان معا ضد هدف ثالث، ثم يتقاتلان بينهما على موقف آخر. وقد تجد نفسك مؤيدا لموقف معين، ثم تعود وتتراجع عنه أو تعدله بسبب التطورات على الأرض وتداخل المواقف وتعدد اللاعبين على المسرح العربي، كل يدعي أنه على حق، وكل يتغطى مرة باسم الإسلام أو العروبة أو الوطنية أو محاربة الإرهاب والتطرف، وقد يكون هذا الطرف هو الحاضن والمصدر والممول للإرهاب.
المشهد الأكثر وضوحا في الشرق الأوسط هو تعدد الحروب والنزاعات والأزمات الكبرى، والتفتت الطائفي والعرقي والمذهبي. فما زالت ثلاث حروب مشتعلة في آن. سوريا واليمن وليبيا. وكل صراع مسلح له خصائصه المعقدة. ففي ليبيا القتال بشكل أساسي بين الليبيين أنفسهم، وفي اليمن يكاد يكون بين الحوثيين من جهة والتحالف العربي الذي تقوده السعودية من جهة أخرى. أما في سوريا فالمشهد أكثر تعقيدا ويكاد يكون أشبه بحرب كونية مصغرةـ تشارك فيها الدولتان الأعظم، ومعظم دول الإقليم، وكافة أطياف الشعب السوري، إضافة إلى إرهابيين ومتطرفين زاد عددهم في مرحلة الذروة 2013-2015 عن 140 ألف مقاتل من أكثر من 80 جنسية.
قوات النظام السوري تكاد تجهز على آخر معاقل المعارضة المسلحة في إدلب، حيث يتمترس أكثر من ستين ألف مقاتل بين ثلاثة ملايين مدني. والنظام مدعوم من القوات الروسية التي تمتلك الجو. والقوات الإيرانية التي تمد النظام بأسباب القوة والصمود. لكن الأمر لا ينتهي هنا فهناك مناطق تسيطر عليها القوات الأمريكية، متعللة بمحاربة «داعش» ولكنها أيضا تحارب الجيش السوري، الذي يطارد فلول «داعش» وكأن الولايات المتحدة في هذه الجزئية متحالفة مع «داعش».
وهناك مواقع تسيطر عليها القوات التركية في عفرين وجرابلس وأعزاز والباب. ومواقع وجيوب ما زالت تحت سيطرة تنظيم «الدولة»، كما أن هناك جيوبا تحت سيطرة قوات الحماية الكردية المدعومة من الولايات المتحدة ومن النظام.
تركيا التي باعدت نفسها عن الولايات المتحدة، عندما اكتشفت أنها ورطتها في الحرب السورية، ودعمت المعارضة الكردية المناهضة لها، ثم دبرت لها انقلابا كاد يطيح بالديمقراطية التركية في صيف 2016، اقتربت من روسيا وإيران وشكلت معهما في إتفاقية أستانة الدول الضامنة، لكنها قد تجد نفسها في مواجهة مسلحة مع روسيا في إدلب، حيث يوجد ما لا يقل عن 22000 جندي تركي.
إيران التي تعادي الولايات المتحدة سرا وعلنا، تتقاسم معها النفوذ في العراق وتدخل القوات الإيرانية لتحارب «داعش» في العراق بقيادة قاسم سليماني، بينما تقوم الطائرات الأمريكية بالتغطية الجوية للقوات العراقية والحشد الشعبي والحرس الثوري والقوات الكردية. إيران تتمتع في العراق بوجود فاعل وتحاول الحكومة العراقية أن توازن بين التحالف المتين مع الولايات المتحدة والتحالف ربما الأمتن مع إيران.
الولايات المتحدة تحاول طرد إيران من سوريا بضغط من إسرائيل. وروسيا بدأت تتفهم المطلب الإسرائيلي، وتعمل الآن على تقليص الوجود الإيراني، لكن الورقة الإيرانية التي تستخدمها روسيا بذكاء ما زالت لم تستنفد بعد لا في سوريا ولا في العراق. أما إسرائيل فقد زاد عدد غاراتها على سوريا منذ انطلاقة الثورة عام 2011 (عندما كانت ثورة شعبية سلمية) عن 200 غارة. لا أحد يحتج ولا أحد يشجب. وروسيا تستقبل نتنياهو استقبالا حميميا، ويستضيفه بوتين في غرف الكرملين الخاصة. جبهة النصرة التي غيرت اسمها أكثر من مرة تحتمي بالمدنيين، ومازالت تتلقى الدعم من دول الخليج، مع أنها مصنفة حركة إرهابية. وقد يشعلون معركة إدلب لأنهم هالكون على كل حال، فإما أن يموتوا بسبب البراميل المتفجرة وغارات الطيران الروسي، أو في أقباء سجون النظام. وقد يختارون الحل الأول حتى لو على حساب آلاف الضحايا من المدنيين تحت شعار «عليّ وعلى أعدائي» منطلقين من موقف يأس.
السعودية تقاتل على أكثر من جبهة، ولا تستطيع أن تحسم أيا منها. فقد هزمت هي والجماعات التي تدعمها في سوريا، بعد أن أهدرت مئات ملايين الدولارات وبالكاد أحد يتذكرها في المفاوضات والمشاورات حول سوريا. كما أنها متورطة في اليمن حتى أذنيها، بدون أن يكون هناك ضوء في نهاية النفق. دوليا أصبح موقفها عرضة لانتقادات حادة، بعد تقارير لجنة الخبراء التي حملتها المسؤولية الأكبر في استهداف المدنيين وخاصة الأطفال. أما حلفاؤها داخل اليمن فلا يستطيعون حسم موقف واحد، ما دفع دولة الإمارات لأن تعمل بطريقتها الخاصة وحسب مصالحها، فتنشئ الميليشيات وتقيم السجون وتحتل الجزر. والسعودية مسكونة بالخطر الإيراني الذي بات يهدد دول الخليج ويرون في النفوذ الإيراني في أربع عواصم عربية خطرا استراتيجيا يستوجب التحالف مع إسرائيل لدرئه، معتقدين هم والإمارات أن إسرائيل تخوض المعركة عنهم، وهم لا شك واهمون، فإسرائيل لا تتواني عن التضحية بملايين العرب من أجل حماية يهودي واحد. أما الحوثيون فهم ليسوا في عجلة من أمرهم، فالدعم الإيراني لم يتوقف، وأصبحت لديهم أسلحة متطورة وخبرة قتالية طويلة، ويستطيعون أن يبقوا المعركة مستمرة حتى تصبح الحرب أو تكاليف الحرب أكبر من أن تتحملها السعودية والإمارات، كما حدث للاتحاد السوفييتي في أفغانستان عندما أصبح الانسحاب بديلا لهزيمة أكبر. والمعركة الأخرى التي تخسرها السعودية بعد سوريا واليمن وإيران هي مع قطر، خاصة على مستوى الرأي العام العربي والدولي، ولا تكاد تجد أحدا غير البحرين والإمارات في صف الحصار مع قطر، حتى مصر خففت من مغالاتها في عداء قطر. كانت تلك الدول تعتقد أن قطر ستنهار وبسرعة، نتيجة تشابك العلاقات التجارية والاقتصادية والمصرفية والسياحية والمواصلات والاتصالات مع تلك الدول، خاصة السعودية التي كانت تصدر لقطر 40% من احتياجاتها الغذائية. لكن قطر أحسنت إدارة الصراع وكسبت عدة نقاط في مواجهة الثالوت، خاصة في علاقاتها التركية والإيرانية والصينية والروسية والألمانية والأمريكية. وأصبح المحاصِرون محاصَرين أكثر. وقد تعرض التحالف لانتقادات واسعة في مجال انتهاكات حقوق الإنسان للعائلات والطلاب والتجار المتضررين من المقاطعة، فقد تبخرت الشروط المجحفة والغريبة التي حاولت دول التحالف تحقيقها للمصالحة، لأنها إعلان استسلام مذل لا يقبل به إلا من كان منهزما ورافعا للراية البيضاء.
لا شك بأن تنظيم «داعش» تعرض لهزيمة في العراق ثم في سوريا، رغم أن هناك جيوبا صغيرة متناثرة على جانبي الحدود العراقية السورية ما زالت تحت سيطرتهم. لكن التنظيم لم ينته تماما، وهناك اتفاق بين الباحثين والمتابعين على أن مسرح العمليات الأكبر للتنظيم سيكون شمال إفريقيا، وتكون ليبيا نقطة التجمع والتجنيد والتدريب والانطلاق. بدأت المجموعات المتناثرة تمر عبر تركيا أو غيرها وتحمل جوازات سفر مزورة، وتنتقل إلى ليبيا وشمال مالي، وقد تبدأ خلايا التنظيم بممارسة أعمالها في تونس والجزائر. وتشبك مع جماعات بوكو حرام في نيجيريا وتشاد وتنظيم الشباب في الصومال وأجناد مصر في سيناء. وقد يفرخ التنظيم مجموعات جديدة صغيرة لكن أكثر تطرفا بعد الضربات التي تلقاها عندما سيطر على مساحات شاسعة من الأرض، فسهل حصاره وتم تقطيع أوصاله ومحاصرته وهزيمته عسكري.
هذا هو المشهد العربي باختصار. الخاسر الأكبر من كل هذه الفوضى غير الخلاقة فلسطين والرابح الأكبر إسرائيل. كل ما يجري في المنطقة لإسرائيل ضلع فيه تخطيطا وتنفيذا وتدخلا وتمويلا وتسلحيا. وهذا العمل بدأ منذ زمن بعيد وبالتحديد بعد أكتوبر 1973. فقد وضعت بعدها إسرائيل، كما جاء في الوثائق مخططات لإثارة الطوائف والأقليات، كي يتلهى العرب بقتل بعضهم بعضا كي تنعم بالسلام والاستقرار والتنمية. وهو ما يحصل الآن إنها حرب الكل ضد الكل من أجل استقرار إسرائيل. فهل يتنبه ويستجيب العرب لنداء الضمير، فقد طغى الظلم ولا بد من تحديه وهزيمته مرة وإلى الأبد.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

الشرق الأوسط: الكل ضد الكل والرابح الأكبر إسرائيل

د. عبد الحميد صيام

- -

3 تعليقات

  1. الكل ضد الكل لانه كل متناقض
    تراه من الخارج كلاً واحداً متكاملا
    لكنه من الداخل يتضمن مىات
    الاضداد. كنا صغاراً ونسمع من
    يقول لا تتعارك سمكتين في
    البحر دون معرفة الc ia المخابرات
    المركزيه الامريكيه او بتحريض
    منها.اليوم اسراىيل وراءكل احداث
    المنطقه، ؟؟؟فشل النظام العربي
    هو السبب وراء ماتشهده منطقتنا

  2. اكبر سبب مباشر للحالة الكارثية التي تعيشها مصر و العالم العربي منذ اربعين عاما هو معاهدة كامب ديفيد التي قطعت رأس الامة مصر عن جسدها العربي فاودت بالجميع..ابتداء بالحرب الاهلية في لبنان التي ما كانت لتستمر لولا تفكك النظام العربي و تولي الصغار القيادة. الى خلافات العراق و سوريا. الى الحرب العراقية الايرانية. الى حرب الجزائر. ثم حروب اليمن ثم حرب الكويت ثم سقوط بغداد و سقوط دمشق و بيروت و صنعاء و القاهرة و طرابلس و الاسوأ هو حالة التردي التي تعيشها مصر و تجر معها المنطقة كلها

  3. *مقال ممتاز ويظهر بوضوح
    أن(إسرائيل) ومعها (أمريكا)
    وراء معظم مشاكل ومصائب
    منطقة الشرق الأوسط.
    *وبدرجة أقل تاتي(روسيا )
    و(ايران) .
    *طبعا القادة(العرب) كالعادة
    يتخبطون في متاهة..!!؟؟
    حسبنا الله ونعم الوكيل.
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left