رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

سعيد خطيبي

Sep 14, 2018

غالباً ما نبتلع تلك العبارة المكرّرة، التي تقول: «الرّاي وصل للعالمية»، دونما تفكيك لها، أو فهم صريح لما تُخفيه. يظهر على البعض علامات إعجاب، وقد يبتسمون، بفخر، بحكم أن بلدهم الجزائر استطاع ـ أخيراً ـ أن يُصدّر شيئاً آخر خارج المحروقات. ولكن لو أخذنا وقتاً، لمساءلة أنفسنا: كيف وصل الرّاي للعالمية؟ وصار يُسمع في بلدان بعيدة، لا علاقة لها بالمنطقة التي نعيش فيها. سندرك، شيئاً فشيئاً، أن الرّاي ـ في حدّ ذاته ـ كما أسس له الرّواد، بدءاً من الإرهاصات الأولى مع الشّيخ حمادة، ثمّ توالي الأجيال وصولاً إلى جيل التّسعينيات مثل بلقاسم بوثلجة أو بوطيبة الصّغير، لم يكن لينجح، ولم يكن ليستمر طويلاً، حتّى في بلده الجزائر، وإنما نجاح الرّاي، جاء من قدرته على التّلاحم، أو التّماس، مع أنماط موسيقية، مكرّسة، قبله، وهذا البعد في الرّاي، ودفعه للخروج من محليته، بصهره في إيقاعات أخرى، لم يأت سوى في مرحلة متأخّرة ـ بالمقارنة مع تاريخ هذه الموسيقى العريق ـ. ولا يختلف اثنان أن رشيد طه، الذي فارقنا ليلة الأربعاء، هو واحد من الذين أنقذوا الرّاي، من انغلاقه، وأعادوا بعثه، من جديد، مع أن الرّاحل نفسه لا يقدّم نفسه كمغنّ راي، لكنه خدم، في التسعينيات، الرّاي، بشكل جلّي، ولولا ما فعله رشيد طه، كان من الممكن أن يتدحرج الرّاي، إلى المنبع الذي جاء منه، وينغلق، من جديد، على محليته الجزائرية.
سيصعب أن نختصر التّجربة الفنية الطّويلة للرّاحل، والتي دامت أكثر من 35 سنة، مرتحلاً بين البانك والرّوك، مع عودة، من حين لآخر، لأغنية «الشّعبي» الجزائرية، لكن سنركز ـ خصوصاً ـ على علاقته بالرّاي، وكما أسلفنا، رغم أنه لا يقدّم نفسه كمغن للرّاي، فقد خدم هذه الموسيقى، بشكل كبير، فهو يعتقد نفسه مستمعاً لها، أكثر مما هو ممارس لها، وشغفه الأوّل ـ كما كان يقول دائماً ـ هو الشّيخة الرّيميتي. التي استطاعت ـ لوحدها ـ في النّصف الأوّل من القرن الماضي، نقل الرّاي ـ في صيغه الأولى، حيث كان يسمّى تارة البدوي وتارة الوهراني ـ من الحلقات النّسائية، ومن الأعراس، إلى الإذاعة، ومن هناك إلى الجمهور الواسع. فالشيخة الرّيميتي، التي عاشت بصفة مناضلة من أجل الموسيقى التي أحبتها، ونجحت في تطهيرها مما أصابها من محاولات تقزيمها والإساءة إليها، ووصفها أحياناً بالغناء الماجن، هي فعلاً أمّ الرّاي، ومن الطّبيعي أن يبدأ رشيد طه حياته من الاستماع إليها، فقد وُلد في سيق، غرب الجزائر، في منطقة محاذية، للمدينة التي عاشت وكبرت فيها الريميتي، كما إن هذه الأخيرة تحوّلت – مع الوقت – إلى ما يشبه أسطورة في عقول النّسوة، ولا يكاد يوجد بيت لا يذكر فيه اسمها.
هكذا بدأ رشيد الغناء، في المراهقة، باستعادة نصوص وألحان الرّيميتي، خصوصا أغنيتها الشّهيرة «نوار»، التي أعادها كثير من المغنين بعدها، حيث تعتبر بمثابة «الختم»، المفتاح لولوج بيت الرّاي، ومن لا يقدر على إعادة تأدية أغنية «نوّار»، سيصعب عليه تأدية أغان أخرى.
لم يعش رشيد طفولة كاملة في الجزائر، ففي سنّ العاشرة، سيضطر للهجرة، مع أهله، إلى فرنسا، وكان ذلك حال مئات الآلاف من الجزائريين، فبعد الاستقلال، لم يكن الوضع الاقتصادي مريحاً، مما اضطر أفراداً و أحياناً عائلات بأكملها، للهجرة، إلى شمال المتوسط، بحثاً عن فرص عيش أفضل. وفي فرنسا لم يجد رشيد طه اليافع صدى الرّاي، ولا أحد هناك كان يسمع بهذه الموسيقى، بينما في الجزائر، مع مجيء الرّئيس هواري بومدين، فرضت الرّقابة على مغني الرّاي، ومنعوا من الرّاديو ومن التلفزيون، هذه كانت أول قطيعة للرّاحل مع أصوله، وفي فرنسا كان عليه أن يتأقلم مع وضع أخرى، وموسيقى أخرى، ووجد نفسه أقرب إلى الرّوك، برفقة مهاجرين مثله، واستمرّ في ذلك سنوات، إلى غاية 1986. وهو عام مفصلي في تاريخ الرّاي، سيُقام فيه أول مهرجان للرّاي، الذي جاء من فرنسا، قبل أن تضطر الجزائر إلى تدارك الهفوة، وتنظم عاماً من بعده مهرجانا آخر للرّاي. في 1986، وبعد 18 سنة من هجرته، سيكتشف رشيد طه وجهاً جديداً، للبلد الذي تركه خلفه، والأهمّ من ذلك أنه سيتعرّف على مغني موجة التّسعينيات، ويستعيد، شيئاً فشيئاً، الخيط الذي كاد أن يضيع منه في علاقته بالرّاي.
مع العام الأوّل من التسعينيات، بدأ الرّاي، في الوصول، بشكل مكثف، إلى فرنسا، وظهر الثّنائي «فضيلة وصحراوي»، أشهر ثنائي في الرّاي، واللذان بعد نجاحهما السّريع في فرنسا، واصلا جولات فنية عالمية، وأوصلا الرّاي إلى دول اسكندنافية ثم إلى أمريكا، ثم جاء الشّاب خالد، ومعه في نفس الفترة الشّاب مامي، هذا الأخير كان ـ في البداية ـ يحظى باحترام أكثر من خالد، قبل أن تنقلب الأمور، عقب فضيحة اعتدائه على صديقته السّابقة. ومنذ وصولهما إلى فرنسا، عمل خالد ومامي، كلّ واحد من جهته، على إبراز اسمه، دخلا في صراع خفيّ، وكلّ واحد منهما ذهب للعمل مع منتج فنّي مختلف، هذا الخلاف، الذي لا يزال مستمراً لحدّ السّاعة بين الرّجلين، سيكون في مصلحة رشيد طه، ففي عام 1998، كان المغني قد أصدر أغنية «يا لرايح» (التي أقتبسها عن مغني الشّعبي دحمان الحراشي)، بينما شركة الإنتاج باركلاي تريد أن تصدر ألبوماً مختلفاً، مستفيدة من نجاحات الرّاي، وفكّرت في الجمع بين الشّاب خالد والشّاب مامي، ولكي تكون الخلطة متوازنة أضافت للثّنائي مغنّياً ثالثاً، هو أيضاً مغني راي، لكن له خصوصية أخرى، أنه ولد في فرنسا، ويقدّم راياً أقرب للجالية الكبيرة هناك، ووجدوا ضالتهم في المغني الشّاب فضيل، هكذا كان سيكون مشروع ألبوم وحفل «1.2.3 شموس»، الذي سيعتبر نقلة في تاريخ الرّاي، بين خالد ومامي وفضيل، ولكن مامي رفض، لم يرد أن يظهر مع خالد، معتداً بنجاحاته الواسعة آنذاك، وأعماله مع مغنين كبار(من بينهم ستينغ)، فتمت الاستعانة، في نهاية المطاف، برشيد طه، الذي خلف مامي، وساهم في نجاح أشهر ألبوم راي لحد السّاعة، مع خالد وفضيل، كما إن مشروع «1.2.3 شموس»، أعاد ربطه مع أصوله في الرّاي، وبقي يشتغل في التلحين وفي مزاج الرّاي، مع إيقاعات أخرى، ليخرج بالأشكال المناسبة، لهذه الموسيقى، فقد ظلّ يمارس شغفه في الرّاي، مثل صبي يلعب، وفي الجهة الأخرى، يغني ويلحن الروك، لأنها الموسيقى الأكثر رواجا تجاريا، والتي توفر له دخلاً. مثلما عاش، في صغره، يمارس مهناً صغيرة، كي يعيش، فقد كبر رشيد طه، يغني الروك كي يحيا، ويطوّر الراي، في السرّ، كشغف لا يملّ منه.

٭ روائي جزائري

رشيد طه… المُسافر خارج الأزمنة

سعيد خطيبي

- -

1 COMMENT

  1. لون الراي الموسيقي للأسف خفت ولم يعد كما كان في أوجه شبابه مع كل ” الشباب” المعروفين , من خالد ومامي وفضيل وحسني وغيرهم, شيء طبيعي يحدث في دول أخرى , موجات من التراث الشعبي تظهر, تنمو وتزدهر كي تتلاشى ببطء وصمت وكأنها لم تكن. يكفي ذكر ظاهرة ( ناس الغيوان ) المغربية وما رافقها أو تبعها لاحقا من مجموعات شعبية سارت على منوالها. عمروا على الأقل عقدين ممتابعين ثم اختفى الجميع.

    لكن رشيد طه ولو رحل عن عالمنا اليوم سيبقى حاضرا مع حكمة كلماته الرائعة والصائبة مخاطبا كل من يفكر في الهجرة من وطنه إلى أوطان الغير, فيقول في مقدمتها :
    ….
    يا رايح وين مسافر تروح تعيا وتولي

    شحال ندموا العباد الغافلين قبلك وقبلي

    شحال شفت البلدان العامرين و البر الغالي

    شحال ضيعت اوقات و شحال تزيد ما زال تخلي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left