«كفرناحوم» ينجح في التعبير عن الطفولة البائسة والمستغلة

ندين لبكي تتغلغل في حياة المهمشين والمقهورين

زهرة مرعي

Sep 14, 2018

بيروت – «القدس العربي» : اختارت المخرجة اللبنانية ندين لبكي في عملها السينمائي الجديد «كفرناحوم» الناس المسحوقين أبطالاً. كانت الطفولة المعذّبة والمستغلة خيارها الأول ومن خلالهم، برزت مشاهد العائلات، التي تواصل العيش، دون أن تعرف تصنيفاً لحالها، وإن كانت من بين الأحياء أم بين الأموات. المهمشون بفئاتهم كافة حضروا في هذا الفيلم من أثيوبيا، وبنغلاديش وغيرها، تساندوا وأحسّ كل منهم بدفء الآخر.
جالت الكاميرا على الأحياء الفقيرة من فوق، صوبت أحياناً على أزقتها المهملة. طال المشهد، علّ الصورة تنطبع في الذاكرة وتطرح الأسئلة عن المسؤولية حيال هؤلاء الناس. أن يبدأ الفيلم بطبيب في مهمة رسمية لتحديد عمر سجين قاصر من خلال أسنانه، فالمشهد يباغت المتلقي بكم لا حدود له من التهميش ونكران وجود فئة من الناس. فالطفل «زين» ارتكب جناية ويقبع في سجن الأحداث، حيث لا أوراق رسمية تؤرخ لميلاده، ولا من يعترف بوجوده. حسب كشف الطبيب عمر زين 12 سنة.
اختارت ندين لبكي في سيناريو «كفرناحوم» أن يكون بطلها متميزاً بذكاء وسرعة بديهة في قراءة الواقع وما سيليه من أفعال. تعددت المشاهد التي فاق فيها وعي زين ما يمكن لبيئته أن تُكسبه من خبرات، بعضها يفوق الوصف، خاصة علاقته العاطفية القوية بشقيقته «سحر». تصغره بسنة، وكان بمثابة الأب والأم والمرشد، رغم وجود الوالدين. ثمة مشهد قاسٍ لا يغادر الذاكرة. صراع وصراخ في الشارع بين زين ووالدته، التي تحمل طفلاً على يدها، وتقود طفلتها سحر إلى قدرها المحتوم. هو مشهد الجحيم الحقيقي والتشظي العائلي. الأم تقود ابنتها إلى زواج وهي في عمر الـ11 سنة وزين يصارع رافضاً. وكأن زين كان يقرأ قدر سحر. هرب من عائلته التي قهرته وبدأ بطرح الأسئلة.
يتميز زين برحمة ورأفة اكتسبها بمعايشته لواقعه. خياله فعّال ساعده في تخطي بعض المصاعب. هكذا أرادته ندين لبكي، ربما بهدف الإبقاء على الأمل بقدرة بعض البشر على تخطي الواقع المرير. كان يفك الجنزير، الذي تُربط به شقيقته الصغيرة. ففي داخله كان يفرق بين الإنسان والحيوان.
في أكثر من مشهد كان ثمة تماه بين زين وجانب من حياة بطل فيكتور هيغو في رواية «البؤساء». «جان فالجان» أحياء الفقر في لبنان سرق الفوط الصحية لشقيقته التي بلغت ولم تدركها والدتها بالارشاد، فكان زين مرشد التغيرات الجسدية الحاسمة. وسرق لإطعام الطفل يوناس بعد اختفاء والدته، لكن الأخير لم يستسغ الحليب المجفف، فهو اعتاد صدر والدته، والجوع كان يدفعه للبحث عنه تحت قميص زين.
إسترسلت ندين لبكي في التفاصيل التي تضيء على قهر نفسي متواصل لدى زين، خاصة مشهد اتوكار المدرسة الذي تكرر، والطفل يراقبه متحسراً. وكذلك مشاهد عنايته بالطفل يوناس. ومقابل ذاك القهر كان ذكاء زين يظهر في أكثر من مناسبة، حيث يصح فيه المثل القائل «الحاجة أم الاختراع».
يكتمل لقاء المشردين والمنبوذين والفقراء من لبنانيين وعرب وأجانب في سوق الأحد. ولا يغيب مشهد السماسرة ومهربي وتجّار البشر عن المكان، الذي يتكاتف فيه المهمشون أو يتصارعون. وفي لحظة قهر خلال محاكمة زين يستخلص أن «رب العالمين بدو يخلينا مماسح للأرض».
في «كفرناحوم» يتساوى المهمشون من كافة الطوائف والمذاهب. بسرعة مرّت الكاميرا على مشهد الصليب المعلق وسط الشارع، وعلى المئذنة المرتفعة في الحي نفسه. مهمشون من النازحين السوريين، ومعهم لبنانيون كثر، ومن البلدان الأفريقية والأسيوية كافة، التي صارت لها جاليات كبيرة من العمالة في لبنان.
الفقراء المهمشون يسكنون الأحياء الفقيرة نفسها ويتقاسمون المرارة نفسها مهما كانت الجنسية. ويتجاورون في أماكن التوقيف المكتظة لدى الأمن العام اللبناني.
هذا الأسى المكثّف يترك لدى مشاهدته الكثير من الأعباء النفسية. وهنا يمكن التأكيد على نجاح المشاهد التي قدمتها المخرجة، التي تضافرت مع السيناريو وتغلغلت في النفوس. مشاهد تركت المتلقين حيال أسئلة تشكل عبئاً على الضمير الإنساني. لكنها ليست كذلك على من يأكلون «اللقمة من تم» من فم الفقراء.
إختصار «كفرناحوم» بالسؤال المباشر من القاضي لزين: «لماذا قررت أن تقاضي والديك؟ والجواب: لأنهم خلفوني». أي حصر الأسباب بكثرة الإنجاب تسطيح للمشاكل الإجتماعية والإقتصادية، وتبرئة للمسؤولين من مسؤولياتهم.
ابتسم زين للصورة، التي ستحملها بطاقة هويته. ابتسم بإلحاح من المصور. ابتسامته جميلة ومشرقة. فهو ولأول مرّة يملك اعترافاً بوجوده، لكن هذا ليس حلاً كاملاً لطفولته المنتهكة. يحتاج لاعتراف بإنسانيته وحقوقه كطفل!
دخول المخرجة ندين لبكي إلى حياة المهمشين تميز بالشفافية والإحساس العالي. اختارت ممثلي فيلمها من غير المحترفين ونجحت في إدارتهم جيداً. في «كفرناحوم» تعاونت مع المؤلف الموسيقي خالد مزنر في كتابة الموسيقى التصويرية، وكذلك في ادارة الإنتاج. وقد سجلا معاً نجاحاً مميزاً لفيلم امتد 123 دقيقة، حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان. ينطلق في صالات لبنان بدءاً من 20 الشهر الجاري.

«كفرناحوم» ينجح في التعبير عن الطفولة البائسة والمستغلة
ندين لبكي تتغلغل في حياة المهمشين والمقهورين
زهرة مرعي
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left