الإعلام أولى ضحايا ايديولوجيا التواصل

مالك التريكي

Sep 15, 2018

حتى منتصف التسعينيات لم يكن أمام القارىء الذي يتفاعل مع ما تنشره الصحف إلا أن يكتب رسالة إلى المحرر على أمل أن تنشر في بريد القراء. وكانت الرسالة عادة ما تكتب، عندنا نحن العرب، بخط اليد. أما عند الغربيين فقد كانت الكتابة تتم على الآلة الراقنة (الكاتبة) لأن الرقن بمهارة، أي باستخدام أصابع اليدين العشر، جزء لا يتجزأ من الثقافة العامة والمسلك اليومي لمعظم المتعلمين في البلدان الغربية. ولكن الرقن كان يعدّ عندنا من اختصاص السكرتيرات. ولهذا فإن استخدام الكومبيوتر لم يبدأ في القسم العربي بإذاعة هنا لندن، مثلا، إلا عام 1992! أما قبل ذلك فقد كان هنالك إلى جانب الصحافيين والمترجمين والمذيعين زملاء ممن شاع تسميتهم بـ«الطبّاعين». كنا نمسك برقيّات الأخبار وتقارير المراسلين البريطانيين التي تأتي على التلكس ونترجمها جهرا على أسماع الزملاء الطباعين بينما يتولّون هم وهنّ، لأن النساء كنّ يضاهين الرجال عددا، كتابتها على الآلة الراقنة.
كان القارىء، إذن، يدبّج رسالته إلى محرر الجريدة في صفحتين أو أكثر، ويضع الرسالة في ظرف ثم يخرج ليشتري طابعا يلصقه على الظرف قبل أن يودعه مكتب البريد. أي أن تفاعل القارىء الجاد مع ما تنشره الصحف كان يستلزم جهدا عمليا: كان يستلزم تكليف النفس ما لا تتكلفه عادة إلا إذا كان هنالك موجب. أما اليوم، فقد صار التعليق على مقالات الصحف أمرا هينا لا يكلف أي جهد. ولهذا تكاثر المعلقون. ولكن بما أن كثيرا منهم يدلون بدلوهم.. خارج الموضوع، فإن مؤسسة إعلامية نرويجية أخذت منذ العام الماضي تشترط عدم نشر أي تعليق إلا إذا ثبت أن صاحبه قرأ المقال فعلا. وكيف التثبّت؟ باشتراط إجابة القارئ على جملة أسئلة تمتحن مدى فهمه للمقال. أما الغاية الثانية من هذا الإجراء فهي حمل القارئ على التريث والهدوء. ذلك أن الحالة النفسية التي تصدر عنها كثير من التعليقات هي حالة الغضب المؤدي إلى الشطط في القول.
وإذا غاب الغضب حضر التطاول. لهذا فإن ناقدا أدبيا فرنسيا كتب قبل بضعة أعوام يحمد الله أن فلوبير وبروست وسارتر وكامو لم يدركوا عهد هيمنة ايديولوجيا التواصل الاجتماعي، وإلا لكان «في وسع أي أحمق»، حسب تعبيره، أن يقتحم نصوصهم في أي موقع ليتعالم و«يتفيهق» ويوزع شهادات التوبيخ والاستحسان. فقد شاعت، على مواقع الجرائد وعلى منصات اليوتيوب، التعليقات السلبية التي تنتقص من قدر كاتب النص أو مخرج الفيلم أو مقدم البرنامج شيوعا هائلا يثبت إصابة هؤلاء المعلقين ببليّة «السادو ـ مازوشية». أما أنهم ساديّون، فدليله أنهم يلتذذون بالهجاء. غير أن الأعجب أنهم مازوشيون أيضا. إذ البادي أنهم يلتذذون بتعذيب أنفسهم. إذ ما الذي يدفعهم إلى إنفاق الجهد والوقت في قراءة مقال أو مشاهدة برنامج إذا كان لا ينال رضاهم؟ أليس المعقول أن يقرر القارئ منذ الأسطر الأولى، والمشاهد منذ الدقائق الأولى، إن كان المقال أو البرنامج جديرا باهتمامه؟ أما أن يضيع وقته وجهده في ما لا يفيده ولا يعجبه، ثم يفاقم هذه المضيعة بمضيعة أخرى هي تحمّل عناء الكتابة والتعليق حول شيء لم يجن منه لا فائدة ولا متعة، فهذا مما يعجز عنه الفهم.
وقد عمّ الخطب حتى أن المذيع البريطاني المخضرم جوناثان دمبلبي أعلن أنه وقع له ما لم يكن ليخطر بباله طيلة ثلاثين سنة من تقديم برامج المناظرات السياسية في الإذاعة: لقد فقد متعة العمل الصحافي بسبب تفشي حالة الاحتقان وتزايد السباب والصراخ بين أهل السياسة وأفراد الجمهور على حد سواء. أما ما لفت نظري عندنا فهو أن بعض الجمهور العربي تجشم عناء مشاهدة مسلسل «أديب» المقتبس عن رواية طه حسين الشهيرة. ولكن بخلاف جمهور الأمس الذي استمتع بهذا العمل عندما بث أول مرة عام 1981، فإن جمهور اليوم لم يستمتع. بدليل أن معظم التعليقات كانت هجائية ضد شخصية الأديب التي تقمصها نور الشريف. كما أنه يبدو أن جمهور اليوم لم يفهم ما فهمه جمهور الأمس. بدليل أن معظم التعليقات ظلت تدور في مكرور الأحكام الأخلاقية، في غفلة تامة عن المعدن الفني والرسالة الإنسانية.

٭ كاتب تونسي

الإعلام أولى ضحايا ايديولوجيا التواصل

مالك التريكي

- -

2 تعليقات

  1. حقا يوجد تطاول في بعض الأحيان على المبدعين و لكن ألا تراه يدخل في باب حرية التعبير و الرأي و الرأي الآخر (أتحدث عن النقد لا على سوء الادب)

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left