النقاب في بريطانيا: تخوفات من منعه والمساس بحقوق الأقليات

وجدان الربيعي

Sep 15, 2018

حذرت منظمة بريطانية غير حكومية من تصاعد معدل الاعتداءات على المسلمات المحجبات والمنقبات في بريطانيا منذ تعليقات وزير خارجيتها السابق بوريس جونسون التي قال فيها إنهن يشبهن «صناديق الرسائل» و»لصوص البنوك».
وقالت منظمة «تيل ماما» لرصد جرائم الكراهية، إن هناك «علاقة مباشرة» بين تعليقات جونسون وازدياد الاعتداءات التي تستهدف نساء يرتدين النقاب.
وصرح فياض موغال، مؤسس المنظمة لصحيفة «الاندبندنت» أن هناك علاقة مباشرة بين تعليقات جونسون والاعتداء على النساء اللواتي يدل مظهرن على انهن مسلمات. وان الكثير من هؤلاء النساء بريطانيات سوداوات أو من الأقليات ونحن نعرف من عملنا في منظمة (تيل ماما) ان العنصرية والكراهية ضد المسلمين يلتقيان في حالات كثيرة».
رأي بوريس جونسون، الذي ورد في مقال له في صحيفة «دايلي تلغراف» جعله هدفا لمنتقدين كثر حتى من داخل حزبه وطالبته رئيسة الوزراء تريزا ماي بالاعتذار. كما أثار المقال قلقا كبيرا في الأوساط الإسلامية في بريطانيا، حيث طالب مجلس مسلمي بريطانيا بتحقيق نزيه وليس مجرد تمويه. في الوقت نفسه رصدت هيئة «الرقابة على جرائم الكراهية» تصاعدا في حالات الإساءة للمنقبات والمحجبات، فهل من تداعيات مقال جونسون وتصريحاته زاد العداء ضد المنقبات والمسلمين عامة في بريطانيا؟ أم أن المسألة فعلا تمس المسلمين في المهجر وتجعلهم عرضة للتمييز والاضطهاد في مجمتع يعتبر من أكثر المجتمعات الغربية كافلا للحريات العامة وحرية المعتقد والدين والملبس؟ وهل ستزيد هذه التصريحات من «الإسلاموفوبيا» ضد المسلمين الذين توجه لهم أصابع الاتهام كلما حدث هجوم إرهابي في المدن الغربية؟ هل يسبب النقاب عزلة عن المجتمع كما يرى جونسون وبعض الأصوات المنادية بمنعه؟ تساؤلات كثيرة أثيرت من قبل نشطاء وسياسيين ومؤسسات حقوقية وأخرى إسلامية حول خطر هذه التصريحات المسيئة للمحجبات والمنقبات وتداعيات ذلك على عموم المسلمين في المهجر وبريطانيا مثلا وربطها بتكميم حرية التعبير في بلد ينادي بحرية المعتقد والتنوع.
هناك من يرى ان ما قاله جونسون علنا هو ما يدور في الكثير من الغرف المغلقة في المجتمع البريطاني.
فما هو رأي المسلمات في بريطانيا خاصة من يرتدين النقاب والحجاب اللواتي سجلت ضدهن العديد من الانتهاكات الجسدية واللفظية:

انتقاد المنقبات يزيد العداء ضد المسلمين

تقول لانة الصميدعي، عضو المجلس الإسلامي البريطاني لـ»القدس العربي» عن تداعيات مثل هكذا تصريحات على زيادة التصعيد ضد كل رموز الإسلام المتمثلة في الملبس والمظهر: «مجلس مسلمي بريطانيا طالب بتحقيق نزيه وليس صوريا تمويهيا. لكن الموضوع لم يتم التعامل معه بالجدية الكافية، نطالب الآن بالمحاسبة التي تتم من داخل الحزب الذي ينتمي إليه بوريس جونسون المحافظين، الذي عرف عنه إثارة جدلية الإرهاب الإسلامي أو الإسلاموفوبيا».
وتشير إلى ان الموضوع لم يكن نقابا فقط، وانه لم يؤخذ بجدية وان جونسون استخدم النساء المسلمات كتسويق لسياسته للوصول إلى مآرب أخرى.
وتعتقد الصميدعي ان الموضوع أكبر من النقاب أو البرقع بل هو جزء من الإسلاموفوبيا. مدللة على ان تبعات ذلك وتداعيات مقاله بدت واضحة من خلال نسبة المتتبعين الكبيرة له على السوشيال ميديا، ليحقق جونسون ما يريد.
وترى ان الموضوع أثار عداء ضد المسلمين، والدلائل على ذلك هي تلك الحوادث التي سجلت لمنقبات في مطاعم وأماكن عامة، مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات خاصة بعد التعليق المسيء الذي يعمق العنصرية من خلال نزع الصفة الإنسانية عن المسلمين حيث شبه بشر بجماد أو فئة خارجة عن القانون مما يبرر الاعتداء عليهم. وتؤكد ان المنقبة رغم المضايقات التي تتعرض لها إلا أنها سجلت حضورا على الساحة البريطانية سواء السياسية أو الاجتماعية، وأنها تؤدي ما عليها من حقوق وواجبات وقد أثبت الواقع خلاف ما يتم الترويج له على أنها في عزلة وإن كان في بعض الحالات ولكن لا ينبغي التعميم.
مضيفة انه حسب الإحصاءات الأخيرة يصل عدد المنقبات في بريطانيا إلى 13ألفا، وهناك تسهيلات في كشف هوية المنقبة في المطارات على ان تكون المفتشة امرأة. وتتابع: نحن مع السلام ومع التعايش ومع تفعيل الأمن لكن في الوقت نفسه نحن لسنا مع التجريح والإيذاء.
ليس من الواجب لبس «النقاب» لكن الحرية مكفولة للجميع وهذا مصدر ثراء في المجتمع البريطاني ان يكون هناك تنوع واختلاف لا شك ان المسلمة المنقبة سوف تراجع نفسها في أهمية لبس النقاب أو عدمه، تبقى القضية اختيارا شخصيا، والإسلام ثاني أكبر الديانات في بريطانيا بعد المسيحية.

المستهدف الإسلام وليس المسلمة

فاطمة محمود العبقري، ناشطة مجتمعية مهتمة بشؤون الجالية المسلمة في لندن وهي عضو في حزب العمال تقول لـ»القدس العربي»: «المستهدف الأول والأخير هو الإسلام وليس المرأة المسلمة. اختاروا المرأة لأن بنيتها أضعف ومن السهولة إيذائها كما يعتقدون وإنها مضطهدة ولا حيلة لها لذلك تلبس الحجاب».
وتضيف: هناك أخوات تعرضن لمضايقات لفظية مسيئة لكن دائما نعمل جاهدين في جمعيتنا «مركز النشاجي» على توعية غير المسلمين وتوضيح تعاليم الدين السمح. نتعامل مع المؤسسات الأخرى ونعرفهم على الإسلام باعتباره دين التسامح، محاولين تغيير نظرة الناس غير الصحيحة تجاه الإسلام والمسلمين بدل ان نتقوقع في بيوتنا ونعيش في عزلة خوفا من المضايقات.
وهي ترى ان الحجاب فرض ويجب على الأسرة المسلمة ان تشجع بناتها على لبسه من دون الخوف من الإساءة اللفظية فلو خافت المحجبة فستعطي الفرصة أكثر للمتطرفين للاستهتار بمبادئها. وتقول يجب ان نتوجه إلى الإعلام في هذه البلاد التي تؤمن بتنوع وحرية التعبير والملبس للدفاع عن معتقدنا الذي يتعرض إلى هجمة كبيرة من قبل اليمين المتطرف، ويجب ان نثقف أنفسنا أولا ونبدأ التوعية من البيت بحرية المعتقد والملبس ليس باعتبارها طريقا لإلحاق الضرر بالغير.

«ملتزمة بنقابي رغم الضغوط»

تعمل الدكتورة سحر الفيفي في مجال الطب الوراثي في أحد مستشفيات مدينة كاردف البريطانية، وتقول لـ»القدس العربي»: «وصف المنقبة كصناديق البريد وسارقي البنوك فيه كثير من الاستخفاف والإهانة وطبعا سيزيد من المشاكل التي تتعرض لها المرأة المسلمة هنا، التي هي أصلا تواجه العنصرية والتمييز ومحاولة الإقصاء في العمل والتعليم والسياسة وفي أمور كثيرة.
وأضافت: «ان جرائم الكراهية المتعلقة بالرهاب من الإسلام زادت عن السنة الماضية بنسبة 32 في المئة حسب الشرطة المركزية. الآن نلحظ ازديادا في جرائم الكراهية وعنصرية مؤسساتية ضد المرأة المسلمة ونجد شخصا في مستوى سياسي عال تصدر عنه تعليقات مسيئة، طبعا من شأنها الترهيب والتخويف من أجل تحصيل نقاط سياسية.
وبشأن تجربتها الشخصية تقول: «نعم تعرضت كمنقبة للأذى. بلا شك ان بريطانيا تتقدم الدول الأوروبية الأخرى من ناحية الحريات المدنية والدينية، لكن لا ننسى ان هناك تصاعدا لليمين المتطرف عبر أوروبا كلها، والتعليقات السلبية والكراهية ضد المسلمين وضد أقليات أخرى أصبحت أمرا طبيعيا للأسف وتقوم بها الكثير من الأحزاب السياسية ومنها حزب المحافظين في بريطانيا.
شخصيا تعرضت للكثير من المضايقات التي في أغلبها لفظية لكن محاولتين لنزع النقاب حصلت في مدينتي. انا متخصصة في الطب الوراثي وأعمل في المستشفى، أحيانا أتعرض لانتهاكات لفظية في العمل ليس من الزملاء لكن من المرضى أو من الأشخاص الذين ينتظرون في الممرات يقولون لي كلمات مثل: إرهابية، مفجرة، لست مرحبا بك هنا، ارجعي إلى بلدك، وكلها لها تأثيرات سلبية علي».
وفي سؤال حول التفكير في نزع النقاب واستعاضته بالحجاب قالت د.الفيفي: «لا أخفيك أتعرض لضغوط من أهلي خوفا علي. والدتي وأختي لا يرتدين الحجاب، لكن انا قررت ارتداءه بخيار شخصي، أهلي يخشون علي، في الحقيقة هذه الأمور لن تزيدني إلا إصرارا، وفي اعتقادي ان المناداة بمنع النقاب أمر ديني لكنه مدني أيضا. أعتقد ان منع النقاب قد يفتح بابا إلى تعرض أو حدوث ضغوط على حقوق مدنية أخرى مثلا قد يمنع السيخي في المستقبل من لبس العمامة وقد يمنع اليهودي من لبس قبعته. لا أرى القضية تخص المسلمين فقط بل الحقوق المدنية عموما».
وتعتقد د.سحر الفيفي ان الخوف من المنقبات قد يكون بسبب عدم اختلاطهن وهناك إعلام سلبي يشيطن الأقلية المسلمة كثيرا. وفي الكثير من الأحيان الاقلية المسلمة تتهم بعدم الاندماج وأنها لا تساهم في المجتمع.
وتعتبر الروايات حول كون المسلمة مظلومة في المجتمع الذكوري وان لا حقوق إنسانية لها أمر يصب في تأجيج النظرة السيئة تجاهها. وتقول: تتعرض المنقبات للاضطهاد الذكوري وللظلم وضياع الحقوق لكن تعميم فكرة ان المسلمة في بريطانيا مضطهدة من المجتمع الذكوري ليس صحيحا إلا في بعض الحالات. أعتقد المجتمع في بريطانيا حر ونحن نعيش في مجتمع متنوع ومتعدد الثقافات وعلينا ان نغير هذه الأفكار السلبية عن النقاب ليس بنزعه بل بالتمسك به، لأن القانون في بريطانيا يكفل لنا حرية المعتقد والملبس، وهذا صراع طويل لكن مثابرتنا ونجاحنا واندماجنا والتمسك بالخلق والإنسانية واحترام الغير من شأنه ان يقلل من حدة ما نتعرض له من بعض ضعيفي النفوس الذين ينادون بطرد المسلمين من بريطانيا.

المسلمات أولى الضحايا

وأعلن مركز «مكافحة الاعتداءات والكراهية» على لسان ايمان أبو عطا مديرته، أنه وخلال أسبوع واحد فقط بعد تعليقات جونسون وصلته أكثر من ستين تقريرا عن جرائم كراهية ضد المسلمين أغلبها ضد المحجبات والمنقبات. ونصف البلاغات وصفت المنقبة كما وصفها جونسون. وتضيف: وجدنا ان غالبية المعتدين تتراوح أعمارهم بين 14 إلى 18 عاما والمسلمات هن أولى الضحايا بسبب اللباس والحجاب». مضيفة: «تنوعت الفئات المعتدية من الشباب والنساء وكبار السن، وتعرضت المنقبات للاعتداء اللفظي في المحلات التجارية والتاكسي، ما اضطر إحداهن لتجنب المواصلات العامة لمدة أسبوع. هذه التصريحات شجعت الكثير من الأشخاص على الاعتداء على المسلمات وفتحت الباب أمام العنف اللفظي والجسدي الموجه لهن».
وعن التخوفات من منع النقاب في بريطانيا قالت ام زيد وهي بريطانية من أصل سوري لـ»القدس العربي»: «لو تم إقرار قانون بمنع النقاب سأغادر البلد» لكنها تعتقد ان هذا الأمر صعب في بلد مثل بريطانيا تكفل حقوق الأقليات. وتقارن بين بريطانيا ودول أوروبية أخرى في طبيعة المعاملة مع المنقبات، فتقول ان بريطانيا تتعامل بأسلوب جيد مقارنة مع غيرها من الدول الأوروبية حيث مرت هي بتجربة سيئة في النمسا عندما سافرت إلى الأردن واضطرت ان تتوقف فيها ساعة، فتم التعامل معها بطريقة تعسفية وقالوا لها ان النقاب ممنوع في النمسا وعليه يجب ان تكشف عن وجهها حتى تغادر إلى الطائرة. تقول ان الموقف كان محرجا جدا. وتضيف، قبل عشرين سنة كان من الصعب ان تجد منقبة في بريطانيا، كان الناس ينظرون لها باستغراب. هي شخصيا لم تتعرض لمضايقات واضحة بل أحيانا بعض النظرات الجارحة، وعندما تسمع ان هناك يوما للكراهية ضد المسلمين أو اعتداءات تتعرض لها المرأة المسلمة تفضل عدم الخروج من بيتها حتى تهدأ العاصفة. وتضيف ان كل ما تتعرض له المسلمة من انتهاكات لفظية مسيئة هي لتشويه صورة الإسلام الذي أصبح اليوم من أكثر الديانات انتشارا. وترى ان قانون الحريات يضمن الحق لأي مواطن في اختيار المعتقد والملبس الذي يراه مناسبا دون ان يؤذي أحدا.
تقول «سكوتلاند يارد» ان ما قام به جونسون لا يعتبر جريمة كراهية، أما «تيل ماما» التي أنشأت خطا ساخنا لأي مسلمة تتعرض لجرائم الكراهية فقد أكدت ارتفاع أعداد الشكاوى التي قدمت من منقبات ومحجبات في الآونة الأخيرة.
وقد دافع الممثل والكوميدي البريطاني روان أتكينسون، الذي اشتهر بشخصية «مستر بين» عن جونسون وكتب رسالة إلى جريدة «تايمز» البريطانية قال فيها: «بصفتي مستفيداً مدى الحياة من حرية إلقاء النكات عن الدين أعتقد أن نكتة بوريس جونسون التي شبّه فيها من يرتدين النقاب بصناديق الخطابات دعابة جيدة للغاية» وأضاف: «إنه تشبيه بصري شبه كامل ونكتة سواء اعتذر عنها أم لم يعتذر ستبقى في الوعي العام بعض الوقت، كل النكات عن الدين تسبب استياء لذلك لا طائل من الاعتذار عنها إنما يجب الاعتذار عن النكات السيئة فحسب على هذا الأساس لا يجب عليه تقديم اعتذار».
بينما يرى البعض الآخر ان هذا لا يصب في إطار حرية الرأي والتعبير وأن هذه التصريحات تؤجج الإسلاموفوبيا التي اكتوى بنارها المسلمون منذ فترة ليست ببعيدة في عدة محاولات اعتداء من بينها الحملة التي أطلقت في نيسان/ابريل الماضي «عاقب مسلما» في بلد يوصف بأنه من الأكثر تنوعا وقدرة على جمع كل الأطياف والأديان على أرضه.
وقالت وكالة أنباء «برس أسوسيشن» البريطانية إن جونسون سوف يمثل أمام لجنة مستقلة، بعد شكاوى من تعليقاته بشأن البرقع وفي حال ثبوت انتهاكه ميثاق السلوك المعمول به في حزب المحافظين فإنه قد يواجه الطرد منه.

11HOR

النقاب في بريطانيا: تخوفات من منعه والمساس بحقوق الأقليات

وجدان الربيعي

- -

1 COMMENT

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left