رؤية كردية هادئة على جبهة عراقية ساخنة

براء صبري

Sep 15, 2018

ما زال العراق غارقا في خياراته السياسية التفاوضية المعقدة التي لا تأتي نتائجه بشيء يذكر حتى اللحظة بقدر ما يرسخ الشقاق السياسي، والهشاشة المجتمعية، واليأس العام لدى العامة عن المستقبل المقبل للبلاد. صعود لجهة، وخفوت لثانية، وتصورات لا تنتهي عن شكل التحالف المقبل بعد كل منشور لسياسي عراقي على وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي، وبعد أي زيارة من مسؤول أمريكي أو إيراني أو خليجي للبلد الذي يعاني الفوضى والدماء منذ سنوات، والذي بدأ يتعافى من سنوات سيطرة أشرس تنظيم إرهابي في المنطقة «داعش» على أرضه منذ شهور ليست بعيدة. ورغم كل الأحاديث والتصورات والمفاوضات التي بدأ يرتسم عنها تصوران لشكل الحكومة المقبلة، وهما ينحصران في بوصلتي طهران وواشنطن، فهناك بالتوازي مع ما سلف خريطة سياسية أخرى من الأحداث على طول الخريطة العراقية الغنية المذاهب، والقوميات، والحساسيات، تبدأ بضجيج التظاهرات التي أخذت طابعا شبه يومي في الجنوب العراقي الثري الموارد والفقير الخدمات، والمرفقة بحرق قنصليات بعض الدول المتهمة بالتدخل في البلاد كإيران، وبحرق المقرات الحزبية والأمنية، والتهجم على الحكومة الحالية، وتمر تلك الخريطة (الموازية) بالوسط العراقي وغربه الذي يبدو مستكينا وغير قادر على التأثير في مستقبل الأحداث حسب نشطائه. تلك الجغرافية التي تمتد من الحدود السورية العراقية وتصل إلى الوسط الشمالي من البلاد، والتي بدأ قاطنوها يشدون الخطى لفهم مصير عشرات الآلاف من النازحين في المخيمات، ومصير ملف إعادة إعمار المناطق المدمرة خلال حرب التنظيم، ومصير علاقة العاصمة معهم لا يشبهون في يومياتهم الحراك الآخر الموازي والموجود في مناطق إقليم كردستان العراق في الشمال الجغرافي حيث يعيش ساسة الإقليم حراكا حثيثا لتثبيت مطالبهم في بغداد، وهناك تباعدات وتجاذبات بين الأطراف السياسية الكردية المنتصرة في الانتخابات البرلمانية العراقية على مصير العلاقة مع بغداد، وعلى شكل الحكومة المقبلة والحصص السياسية التي تستحقها كل جماعة أو حـــزب سياسي مقابل التحالفات التي ينوي القيام بها. ومع مرور الوقت تبدأ القوى الكردية في لملمة أوراقها، وفي تحديد وجهتها أكثر فأكثر من خلال ترسيخ تحالفات غير رسمية، وقد بدأ الحديث عن تحولها إلى علنية يسطع بقوة.
حزب واحد وثلاث كتل

بعيداً عن بغداد التي انقسمت إلى كتلتين واضحتين غير مكتملتي التشكل تميل أحدهما إلى واشنطن والثانية إلى طهران وتتفق الكتلتان على ضرورة التدعيم بالقوى الكردية لإعطاء الشرعية السياسية للمحور الذي ينتميان له، تمر الخريطة الكردية بتقلبات هادئة لا خصام كبيرا فيها. وفي الواقع السياسي الحالي تظهر ملامح واضحة لكتلتين سياسيتين قد تتحول في شكلها إلى ثلاث، وهو احتمال ضئيل ولكنه موجود، وحزب سياسي واحد خارج الخط يعمل لوحده حتى اللحظة لاعتبارات خاصة بالوضع الداخلي للإقليم وهذه الخريطة السابقة الذكر مرسومة الملامح على الشكل التالي:
الكتلة الأولى: تتألف من حزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني من حيث المبدأ إن لم تنضم إليهما جماعات جديدة، وهما صاحبا أكبر تكتلين سياسيين منتصرين في الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث حصل الحزب الديمقراطي على 25 مقعدا، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي كان يتزعمه الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني على 18 مقعدا، وهما يشكلان معاً 43 كرسيا نيابيا، وهو رقم غير قليل إذا عرفنا إن الكتل السنية مجتمعة لديها ما يزيد قليلاً عن الخمسين مقعدا، وإن الكتلة الكبرى، وهو تحالف «سائرون» الذي يقوده رجل الدين الشيعي السيد مقتدى الصدر قد حصل على 54 كرسيا نيابيا، فيما يعادل الرقم تقريباً ضعفي الكراسي التي حصل عليها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة نوري المالكي القريب من طهران والذي يملك 26 مقعدا، ويعادل الرقم أيضاً عدد كراسي تحالف «الفتح» الذي يتزعمه هادي العامري ويضم فصائل الحشد الشعبي والذي حلّ ثانيا على مستوى العراق بـ47 مقعدا، وهو أكثر بكرسي نيابي واحد من عدد المقاعد التي حصل عليها تحالف «النصر» بقيادة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي. وهذا التحالف الذي يغطيه سنوات من التعاون بين الحزبين في الملف السياسي العراقي في بغداد، وأيضاً اتفاقية التحالف الاستراتيجي بينهما والتي تنص على: توحيد المواقف والدخول في العملية السياسية في العراق وفي إقليم كردستان بالشراكة، ومن بينها الدخول في الانتخابات المقبلة وكذلك في إقامة التحالفات مع الأحزاب العراقية أو موقفهم مع دول الجوار العراقي. والتي نتج عنها توزيع المناصب السياسية بين الحزبين في الإقليم وبغداد وكان عبارة عن جزء من رواسب السياسة في الإقليم لسنوات قبل ان تعكره الأحداث الأخيرة التي تبعت الاستفتاء الذي قام به الإقليم للانفصال عن بغداد بعد ان تبادل الطرفان الاتهامات بالمسؤولية عن سبب دخول الجيش العراقي والحشد الشعبي لمدينة كركوك ذات القـدسية لدى معظم الأكراد في الإقليم. وما زال الحديث عن تصور ثابت بين الجهتين المنتصرتين في الانتخابات مستمرا، وهناك شبه اتفاق على إعادة التعاون بينهما رغم أن ملف الرئاسة في بغداد والذي هو من حصة الأكراد عملياً على طاولة المفاوضات بين الطرفين، وإن كانت ملامح الحسم بدأت تظهر.
الكتلة الثانية: تضم مجموعة من الأحزاب الكردية المعارضة التي دخلت الانتخابات بقوة ولكنها لم تحصل على الكثير من الأصوات التي كانت تعتقد أنها ستحصل عليها، وهذه الأحزاب هي، حركة التغيير، والجماعة الإسلامية، والاتحاد الإسلامي الكردستاني، وتحالف الديمقراطية والعدالة، وهي كلها في تحالف راسخ حتى اللحظة وتبحث عن تحالف مع جهة من الجهات في بغداد وتتواصل معها بدون الالتفات للكتلة الأولى السالفة الذكر. ويزداد حظوظ هذه الكتلة عند قدرة الكتل في بغداد تدعيم نفسها بعدد وافر من الأحزاب الشيعية والسنية، ورغبتها في تفادي التصادم مع الكتلة الكردية الأولى الأكثر قوة وتحاشي المطالب العالية لها. هذه الكتلة التي يبلغ عدد مقاعدها إجمالا 12 تستطيع ان تحصل على مكان لها في بغداد في حال استطاعت أحد كتلتي بغداد ترسيم ملامح تحالفها دون وجود حاجة ماسة لكتلة كردية. وبالتالي، يكون وجود الكتلة تطعيميا أكثر منه مصيريا، ولكنه وجود قادر على إسقاط الحكومة المقبلة التي ستكون فيما يبدو حكومة أغلبية ضعيفة، وهو ما يعزز دور الكتلة الرباعية، ويسمح لها بزيادة مطالبها للحد المتوسط. هذه الكتلة ليست متشددة في تعاملها مع الأولى، ولكنها تحاول الوصول إلى مركز معتبر في بغداد دون التحالف مع الكتلة الكردية الأولى لترك مجال للحفاظ على قاعدتها الشعبية داخل الإقليم نفسه.

جهة سياسية وحيدة

يمثل حراك الجيل الجديد، والذي يقوده رجل الأعمال الشاب شاسوار عبد الواحد، والذي حصل على 4 مقاعد نيابية في الانتخابات البرلمانية العراقية مسيرة خارج السرب، وهو يعمل فيما يبدو لتعزيز صورته كمعارض يرفض الامتيازات والتحالفات على أساس المقايضات للاستفادة منها في الانتخابات البرلمانية الخاصة بإقليم كردستان نهاية الشهر الحالي، وللترويج لنفسه على أنه المعارض الحقيقي في الإقليم. الحراك رفض الدخول في تحالف مع كتلة الديمقراطي والاتحاد، وقال كاوة عبد القادر عضو المجلس الأعلى في الحراك، في تصريح صحافي ان «الحراك لن يعقد أي اتفاقات مع الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي، ولن ينضم إلى وفدهما إلى بغداد للمشاركة في مباحثات تشكيل الحكومة الجديدة». ولكنه أضاف ان «حراك الجيل الجديد مستعد للاتفاق مع الأحزاب المعارضة الأربعة في إقليم كردستان». وجود الحراك خارج الكتلتين لا تأثير ملحوظا له، ولكن ما يمكن ان يكون له دور هو دخول الحراك في تحالف مع أحزاب المعارضة، والتي سيزيد من قوتها حينها، ويرفع عدد مقاعدها إلى 15 وسيسمح لها بالدخول بالتفاوض مع كتلتي المركز بقوة أكبر، وهو احتمال لم يحدث حتى اللحظة.

كتلة ثالثة لا حديث عنها

ما زال الكثير من الساسة المحايدين في الإقليم يمنون النفس بقدرة الأكراد على تجاوز خلافاتهم والعمل على تشكيل تحالف فضفاض يضم كل القوى. التحالف الفضفاض الذي يتم الحديث عنه لدى البعض رغم خلافاته العميقة سيشكل كتلة من 61 برلمانيا، وهو عدد كبير جداً، وأكبر من أي منتصر من تيارات وأحزاب بغداد حتى اللحظة. الخلافات القديمة، وملف التفاوض على الحصص، وخوف المعارضة من خسارة قواعدها مستقبلاً، هي التي تصعب عملية الاندماج بين تلك الكتلة رغم الترحاب المستمر من الديمقراطي الكردستاني لدخول جميع التيارات الكردية في تحالف واحد عند الذهاب إلى بغداد. الكتلة الثالثة التي تضم الجميع فيما يبدو أقرب إلى الحلم الوردي حسب العديد من المتابعين لوضع الإقليم، ولكنه خيار مطروح حتى اللحظة الأخيرة لظهور تكتلات رسمية نهائية من الجهات السياسية في الإقليم.

خط مشترك

مع ان الوقائع تشير إلى ان التباعد السياسي بين الأحزاب والتيارات السياسية في الإقليم ليست قليلة، إلا أن الأكيد هو ان هناك توافقا عاما بين كل الأحزاب على توحيد المطالب عند الدخول للمفاوضات مع كتل بغداد. الوضع الحساس للإقليم، وسنوات التعب الماضية نتيجة الخلافات على النفط مع بغداد، وظهور «داعش» والتململ الشعبي من الوضع يضيق الحركة لدى تلك الأطراف عند الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة في بغداد. وتتركز المطالب الموحدة على التمسك بالثوابت الكردية، وأبرزها حل أزمة كركوك والمناطق المتنازع عليها وفقا للمادة 140 من الدستور، ومنح الإقليم حصته المناسبة من الموازنة، والالتزام بتسليح قوات البيشمركه، بالإضافة إلى ضرورة العمل بمبدأ التوازن في الوزارات والمؤسسات الحكومية العراقية.
تدرك القوى السياسية في بغداد أنه في حال اكتمال المسيرة السياسية والدخول في التفاوض مع أحزاب الإقليم ستبدأ الحوارات على المطالب الكردية أكثر صعوبة مما يظن البعض. وتعلم الأحزاب الكردية في الإقليم أن خيار تقديمها لتنازلات كبيرة لبغداد سيدر عليها بالويلات كون الانتخابات البرلمانية في أربيل على الأبواب لذلك ستتمسك بمطالبها حتى اللحظات الأخيرة، وإن كان من الممكن العمل على التسويات في ملف الحصص الوزارية والتساهل فيه حصراً.
مع الوقت تمر بغداد بمخاضات صعبة لولادة الحكومة المقبلة في حين يبدو من المسيرة السياسية في الإقليم ان الجهات السياسية الكردية أكثر رسوخاً وهدوءاً في عملها. يظهر ذلك الرسوخ مع وضوح المطالب التي تنادي بها تلك الجهات، ومع تخبط الجهات السياسية في المركز نتيجة أحداث عامة في الشارع العراقي، والذي لا تمتد تداعياته حتى اللحظة إلى الإقليم الكردي الذي يتابع معظم سكانه بدء الحملة الانتخابية فيه أكثر ما يتابعون المفاوضات مع بغداد على شكل الحكومة المقبلة.

11HAD

رؤية كردية هادئة على جبهة عراقية ساخنة

براء صبري

- -

1 COMMENT

  1. القادة الاكراد همهم وغمهم مصالحهم الشخصية فوق مصلحة الاكراد او العراق. وضعوا مطالبهم على ورق ويريدون من اي كتلة سياسية كبرى توافق على مطالبهم التحالف معها. مطالب الاكراد هي اطماع منها استرجاع كركوك الغنية بالنفط إليهم. الكتل السياسية العراقية هي الاخرى لها اطماع ولن تتنازل عن مورد مادي نقدي وهي كركوك للاكراد بعد أن استرجاعها العام الماضي. المؤسف هو الاكراد في العراق يتنصلون من عراقيتهم ولكن الكثير منهم من ذهب للغرب للحصول على لجوء ادعى عراقيته وليس قوميته الكردية.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left