في البصرة ما يُنذر بعظائم الأمور

صبحي حديدي

Sep 15, 2018

هي، ببساطة، معادلة صائبة ومحقة: يشكل النفط 99٪ من صادرات العراق، والبصرة وحدها تنتج 90٪ من نفوط العراق؛ لكنها، في الطرف الثاني من المعادلة، المحافظة الأقلّ تمتعاً بهذه الثروة النفطية، من حيث الخدمات العامة كالماء والكهرباء، أو الخدمات الصحية والتعليمية، أو الطرق والمنشآت والبنية التحتية، وبين الأعلى في معدلات البطالة والفساد ونهب المال العام. وحين تثور البصرة، أو قطاعات واسعة من أبنائها، فإنها أساساً تثور من باطن هذه المعادلة، وليس لأي اعتبار سياسي أو حزبي، أو حتى مذهبي تظلله العباءة الشيعية العريضة.
ليس دون مغزى هائل الدلالة أنّ القنصلية الإيرانية في البصرة، وليس الأمريكية أو البريطانية على سبيل المثالين الموازيين، هي التي تعرضت لهجوم بعض المعتصمين، حيث تمّ إحراقها. ليست أقلّ قيمة، من حيث المغزى المكمّل، تلك الصورة الفوتوغرافية الرهيبة (التي التقطها نبيل الجوراني، «أسوشيتد برس») لمتظاهر يدوس بقدمه صورة للمرشد الأعلى علي خامنئي؛ الذي يجوز التذكير، هنا، بأنه لا يرشد في إيران وحدها، بل في غالبية الأصقاع ذات الأغلبية الشيعية على امتداد العالم؛ والبصرة، في تذكير آخر مفيد، ذات أغلبية سكانية شيعية.
بهذا المعنى، فإنّ من أبسط واجبات المراقب الموضوعي للمشهد الراهن في جنوب العراق أن يمنح البصريين المعتصمين فضيلة التجرّد من المذهب والولاء الحزبي أو العشائري أو المناطقي، وأنهم إنما خرجوا من أجل إحقاق سلسلة حقوق لا جدال حول مشروعيتها. غير أنّ قسطاً كبيراً من جوهر هذه الخلاصة إنما يستند على حقيقة لا تقلّ بساطة، وصواباً، بدورها؛ وهي أنّ الخذلان الأشدّ الذي تعرّض له سواد أهل البصرة إنما يحمل وزره الساسة أنفسهم الذين زعموا الدفاع عن حقوق البصريين، وتنطحوا لتمثيلهم في البرلمان والوزارات والأحزاب والمؤسسات الأمنية والعسكرية المختلفة، لكنهم لم يمارسوا إلا نقائض ما زعموا. وهذه، استطراداً، حقيقة تفضي موضوعياً إلى مفسدة التمذهب عند هذا أو ذاك من محتكري التمثيل الشيعي.
وذات يوم كان بول بريمر، الذي عيّنه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج يوش الابن رئيساً للإدارة المدنية في عراق ما بعد الاحتلال، يردد أنّ كابوس حياته سوف يكون وقوع مواجهة بين الشيعة والقوّات الأمريكية؛ ولم يكن يومها يميّز، أو حتى يفصل، بين شيعة السيستاني، أو شيعة مقتدى الصدر، أو شيعة «الحشد الشعبي» والجنرال الإيراني قاسم سليماني؛ فما بالك بتنويعات مثل نوري المالكي، وحيدر العبادي، وعمار الحكيم، وعادل عبد المهدي، وطارق نجم، وفالح فياض… فما الذي سيقوله بريمر اليوم، إزاء حال التصارع السياسي الشيعي ــ الشيعي في دهاليز تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، من جهة أولى؛ وإزاء حال الغليان الشعبي التي تشهدها شوارع البصرة، حيث لا شيعة ولا تشيّع ولا سياسة ولا ساسة، ولا أيّ اعتبار آخر يمكن أن يعلو فوق صوت المطالب المعيشية والحقوق الخدمية، من جهة ثانية؟
وما الذي سوف يقوله رجل مثل إدوارد شيرلي (الاسم المستعار الشهير لأحد كبار الاختصاصيين في الشؤون الإيرانية، والموظف السابق في وكالة المخابرات المركزية، وصاحب كتاب «إعرف عدوّك: رحلة إلى الثورة الإيرانية»)؛ حين يبصر بأمّ عينيه أنّ متظاهر البصرة الذي داس على صورة خامنئي يدحر، تماماً، نظرية شيرلي القائلة بأنّ هاجس الولاء للحوزة الشيعية يعلو على لقمة الخبز والماء والدواء؟ وكيف سيفسر نظريته المطلقة، في أنّ التشيّع الشعبي معادٍ بالغريزة للإمبريالية الأمريكية أساساً، أياً كانت مظلوميته الاقتصادية والاجتماعية المحلية؛ إذا كانت القنصلية الأمريكية لم تُمسّ بشرارة، بالمقارنة مع القنصلية الإيرانية؟
الأرجح أنّ أياً منهما، بريمر أو شيرلي، لن يلجأ إلى قوّة المعادلة التي جاءت في صدر هذه السطور، وليس في ذلك أيّ عجب؛ مقابل المفارقة الفاضحة التي يصنعها «تطنيش» الساسة في برلمان بغداد، والقادة في الميليشيات المذهبية، عن بساطة المعادلة إياها، وعن صوابها وأحقيتها. وفي مفاعيل حال كهذه ما ينذر بالويل وعظائم الأمور.

11RAI

في البصرة ما يُنذر بعظائم الأمور

صبحي حديدي

- -

11 تعليقات

  1. سبحان الله صدام حسين على الرغم من كونه ديكتاتور الا انه لم يحكم العراق بنفس طائفي وانما كان العراق لجميع العراقيين. والغريب انه استطاع ان يحارب بجيش اغلبيته من الشيعة ايران الشيعية. والان اهل العراق يترحمون على ايامه. ولعل اكثرهم خسارة هو السعودية و دول الخليج. والغريب أن السعودية سمحت لامريكا بمهاجمة صدام من اراضيها. في حين أن تركيا و هي العضو في الحلف الأطلسي رفضت. ولعله اكبر خطأ ارتكبته السعودية هو تخليها عن صدام حسين لانها بذلك اصبحت مكشوفة الظهر لايران. و الله اعلم

  2. أي عاقل في هذه الامة يعرف أن سبب مصائب هذه الامة هما دولتان، السعودية وايران، ومن يظن غير ذلك فهو غافل

  3. دون تعميم قلّ وندر أن تجد بين العرب من يُعطي السُّلطة حقها غير ذلك فإن يغتصب السلطة ويُفاحشها ويعبث بها بها فهو معفي من الُساءلة وما تولى عربي منصبا ليعدل بل ليظلم ويستبد فينهب الظاهر والباطن من الثروات.

  4. هناك أجندة غربية لتشييع منطقة العراق وسوريا واليمن فما هذه التسهيلات الغربية للسماح للأحزاب الشيعية بأخذ المشهد في هذه المناطق ليس له تبرير ولو لاحضنا ما جرى للاسلاميين في تونس وما يجري لهم في ليبيا وما جرى لهم في مصر لتيقنا بأن الغرب يتعمد صعود الاسلام الشيعي لأن ما يخشاه هو الاسلام السني وفقط الاسلا م السني هو الخطر الوحيد على الغرب .

  5. ان المتظاهر الذي داس علي صورة المرجع الديني الشيعي الكبير على خامنئي ليس شيعيا وانما هو من عصابات داعش اندس مع اهل الفلوجة الغيارى الذين جاءوا بالماء لأخوتهم في البصرة واعلم ان اهل البصرة من شيعة وسنة واقليات اخرى ينتشر بينهم الصفاء والوئام والكل منهم يحترم خصوصيات الاخر ويجل مشاعره لذا ليس من اهل البصرة من يقوم باعمال خسية يستفز بها مشاعر ابناء بلدته وحيزه الجغرافي الاخرين ، والمراقب لمجريات اللاوضاع العامة في العراق لم يشهد اي صدام او اية حالات من حالات النزاع والصراع او اعمل اهرابية قام بها اهل البصرة ضد بعضهم منذ اندلاع اعمل العنف في العراق في العام (2006م) الى يوم الناس هذا 0 ثم ان المظاهرات في البصرة ليست مظاهرات طائفية يشنها اهل البصرة فيما بينهم على اسس عرقية او طائفية او مذهبية او مناطقية كما تحاول ان توحي للناس انت في مقالتك 0 انما هي انها مظاهرات ضد الحكومة التي قصرت تقصيرا كبيرا بحق الشعب واهملت وهي عامدة انجاز ولو جزء من مقتضياته وحاجاته 0 واما قولك ان نظرية ادوارد شيلي القائلة :- (( بأنّ هاجس الولاء للحوزة الشيعية يعلو على لقمة الخبز والماء والدواء )) ان الرجل اصاب كبد الحقيقة في هذه المقالة فان الشيعة الصادقين في كل مكان عندهم الولاء للحوزة في العراق وايران فوق لقمة الخبز والماء والهواء لأن الغذاء الفكري والعقائدي الذي تحمله الحوزة وتنشره بين الشيعة انما هو غذاء روحي متأت من الرسول محمد (ص) ومن اهل بيته (ع) فالغذاء الروحي المتأتي من النبي واهل بيته عند الشيعة على مستوى الخبز والماء والهواء هو اهم من الغذاء المادي الدنيوي الم تسمع بقول الزاحفين الى قبر الحسين (ع) :- لو قطعوا ارجلنا واليدين ناتيك زحفا ياحسين )الم تسمع قول الشيعة :( عهد والله يازهراء ما ننسى حسيناه ) الم تسمع او تر بام عينيك ان الشيعة ينفقون اموالا تصل الى الترليونات من الدنانير العراقية في سبيل الحسين (ع) ايام عاشوراء وينفقونها عن طيب خاطر فكيف الاعتقاد بان الشيعة يفضلون الماديات على القيم الروحية التي تحملها الحوزة لهم 0 لذلك عليكم ان تعلموا ان علاقة الشيعة بحوزتهم في العراق وايران وفي اي مكان آخر انما هي علاقة من القوة لا يستطيع مغرض ان يفتتها بعداوته

    • العجيب أنه لا يزال هناك من يؤمن أن وراء انتفاضة البصرة داعش (التي هي صنيعة إيران والمالكي تحديداً) وفي أحسن الأحوال يتهمون البريطانيين أو الأمريكان وراء الأحداث، لهؤلاء نقول تالله أنكم لفي ضلالكم القديم (باستعمال التعبير القرآني البليغ).

    • ومن هو خامنئي يا أخي جبارعبدالزهرة العبودي. وهل الأمر يستحق هذا الخطاب الطويل, الكل يعرف أننا جميعنا بشر!.

  6. هناك سبب جوهري في دعم الاسلام الشيعي من قبل الغرب وذلك لأنه اسلام يحترم حقوق جميع اهل الارض على مختلف مشاربه الانتمائية الدينية والقومية والعرقية وغيرها وهو يقف منها موقف الاعتدال او الوسطية ان صح التعبير الذي يصل بالانسان الى اقامة علاقات طيبة مع جميع الناس مبنية على اسس الاحترام المتبادل لحقوق الاخر اي آخر منزاوية انه انسان وقد اطلق الامام علي (ع) الذي يدين له الشيعة بالولاء ستراتيجية تاريخية مفتوحة الى امام كمرجع يرجع اليها الشيعة في تعاملاتهم مع جميع اهل الارض وهي قوله (ع) :- الناس اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق ) و من هنا فقد ادخل الامام علي (ع) جميع الناس في حيز اهتمام اي منهم ولم يسمح له بالخروج من دائرة اهتمامه بهم قيد انملة فالمسلم له حقوق على اخيه المسلم ( اخ لك في الدين ) واليهودي له حقوق على اليهودي والمسيحي له حقوق على المسيحي وفق منطق الاخوة في الدين وغير المسلم له حقوق على المسلم وعلى الاخرين اليهودي والمسيحي وغيرهم من اهل الارض من زاوية انهم بشر خالقهم واحد ويتصفون بصفات مشتركة واخصة العضوية فهم نظارء بعضهم 0 اي يشبه بعضه البعض في تلك المكونات الخلقية (بتسكين القاف)0
    اليوم اهل الارض اصبحوا اقرب الى بعضهم البعض بسبب التطور والنهوض العلمي العام واخذوا يطلعون على تاريخ وحضارة ودين ومذهب كل مكون بشري من قريب ، من هنا اخذ اهل الارض على مستوى العقائد والاديان يلتموسون الاقتراب من اهل الدين والمذهب الذي يتبنى الاعتدال في التعامل مع الاخرين ويحترم الآخر ورايه وخصوصياته على كل المستويات وكان المذهب الشيعي هو الوحيد بين المذاهب التي تدعي انها تدين بالاسلام

  7. *أينما تجد نقص(بالخدمات) في أي
    مدينة (عربية) السبب(الفساد والفاسدين)؟؟؟
    *بدون القضاء ع الفساد سنبقى دولا
    متخلفة وفي ذيل الشعوب والدول المتقدمة.
    سلام

  8. البصرة معاناة قديمة جديدة فمنذ بداية الحرب العراقية الايرانية كانت البصرة اول المدن التي اثرت عليها تلك الحرب فكانت حرب المدن سبب تهجير ابناءها داخليا في البصرة نفسها او الى المحافظات الاخرى البعيدة عن الحرب فهجرها ابناءها من الصناعيين والتجار لركوداقتصادها وخسرت مكانتها المتقدمة ان لم تكن الاولى في الفن والادب والرياضة وخسرت كل بساتين النخيل التي كانت تحاذي شط العرب ووتوقفت كل البنى التحتية فيها,ولكن مشكلة ماء الشرب التي استفحلت مع نهاية الحرب العراقية الايرانية كاانت تمثل ماساة حقيقية للمواطن فلم يعرف ابناء البصرة شراء الماء سابقا وبدلا من حل المشكلة قامت الحكومة بالسماح لبييع الماء الصالح للشرب من محطات بيع الماء الشبيهة بمحطاات الوقود واستمر الحال ولكن بشكل اسوء بعد حرب الخليج الثانية بسبب الانتفاضة التي بدات شرارتها من البصرة ضد صدام حسين ونظامه وبعد 2003 لم يتحسن الامر بل ازداد سوءا بحيث اصبح الماء لا يصلح حتى لغسل الملابس وليس الايدي ولكن اوضاع العراق لم تسمح للمواطن البصري ان ينتفض ولكن بعد ما قدمه البصريون من شهداء في الحرب ضد داعش وبقاء الحال كما هو عليه لم يكن لديهم ما يخسرونه اكثر فانتفضوا على الحكومة والاحزاب وحتى على المرجعية الشيعية في بعض الاحيان من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

  9. الامر الاخر المهم في ابناء البصرة فهم غالبية شيعية والان تاثير العشائرية عليهم كبير جدا وشيوخ العشائر قادرين على تغيير كثير من الامور اما الانتماء المذهبي فكذلك مؤثر جدا ولكن الامر عند الشيعة هو التقليد للمرجع وبذلك ينقسمون حسب مراجعهم العليا وهناك ابناء الحراك المدني وهم مجموعة المثقفين وبعض المنتمين لالاحزاب غير الدينية ويشكلون نسبة كبيرة بين المتظاهرين

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left