وضع المرأة في العالم العربي ـ لا صلاح لمجتمع نصفه مهمش ومضطهد

د. عبد الحميد صيام

Nov 15, 2013

العنف ضد المرأة ظاهرة عالمية لا ينجو منها مجتمع من المجتمعات، سواء في الدول النامية أو المتقدمة أو الأقل نموا. وقد سجلت الأمم المتحدة أن النسبة تتراوح من 16′ في اليابان إلى 76′ في إثيوبيا، هذا قبل ثورات الربيع العربي التي دفعت النسب في بعض الدول العربية إلى مستويات خيالية. كما أن العنف في معظم دول العالم يتعلق بالأقارب، خاصة الزوج أو العشيق أو الصاحب. في بلد مثل غواتيمالا تقتل امرأتان يوميا، بينما تقتل في الهند نحو 8000 امرأة لأسباب تتعلق بالمهر، و66′ من المقتولات في المكسيك وقعن ضحايا لعلاقات عاطفية، كما أن 50′ من نسبة الاعتداءات الجنسية في العالم تتعلق بفتيات دون سن 16 سنة، وأن 30′ من الفتيات كانت تجاربهن الجنسية الأولى عن طريق العنف أو الفرض أو الاغتصاب. إذن عندما نتحدث عن أوضاع المرأة العربية وما آلت إليه في العقد الأخير لا يقولن أحد إننا نتعمد إظهار عيوب المنطقة العربية. على العكس من ذلك فكل ما نتمناه أن نسلط الأضواء على أمراض اجتماعية تم تسييس بعضها لمصالح فئوية وحزبية وأيديولوجية، كي يتدارك المسؤولون الوضع قبل فوات الأوان إن لم يكن فات فعلا بالنسبة لوضع المرأة العربية في أكثر من بلد. فالمشكلة عندنا أوسع من العنف، إنها تتعلق بالتهميش والاضطهاد والقوانين الجائرة والموروث الثقافي المتحجر والضغط المجتمعي الذي لا يرحم والخطاب الديني المتطرف.

تقرير طومسون رويترز حول وضعية المرأة العربية
النتائج التي طرحها تقرير مؤسسة طومسون رويترز لاستطلاعات الرأي مذهلة ومحيرة وخطيرة. فقد أجرت المؤسسة مسحا شاملا لأوضاع المرأة العربية في 22 دولة عربية، شارك فيه 336 خبيرا في المواضيع الجنسانية، من بينهم ناشطون وناشطات ومتخصصون في حقوق الإنسان وإعلاميون وأكاديميون ومشتغلون في ميدان الصحة والرعاية العائلية وخبراء في القانون. وكان الهدف قياس مدى التزام تلك الدول بأحكام الاتفاقية الدولية لمكافحة التمييز ضد المرأة المعروفة باسم (سيداو لعام 1979) التي وقعت عليها الدول العربية مع بعض التحفظات على بند أو بندين بحجة مخالفتهما للشريعة. المؤشرات التي استخدمها الخبراء لقياس وضع المرأة هي: دور المرأة في العائلة واستيعاب المرأة في المجتمع والمشاركة السياسية والاندماج الاقتصادي والحقوق الإنجابية وكافة أشكال العنف التي تتعرض لها النساء.
وقد جاءت النتائج كارثية بكل المقاييس مقارنة مع دول العالم قاطبة. والشيء المهم الذي كشفه هذا الاستطلاع الذي ينجز للمرة الثالثة على التوالي، علاقة دول الربيع العربي بحقوق المرأة، مشيرا إلى أن الثورات العربية التي أطلقها الشباب والشابات فتحت الآمال أمام حقوق أوسع للمرأة، إلا أن الفوضى التي أعقبت الثورات وانتشار الخطاب السلفي عاد وأكد تلك الصورة النمطية للمرأة التي يعممها السلفيون، وهي ‘وقرن في بيوتكن’.
وقد تعمد الاستطلاع القيام بعملية ترتيب للدول من الأفضل إلى الأسوأ. وقد جاءت مصر في المرتبة 22 أي الأدنى في القائمة، يليها مباشرة العراق في المرتبة 21 فالسعودية 20، بينما حلت جزر القمر في المرتبة الأولى تليها عمان فالكويت فالأردن فقطر. وفي الوقت الذي نوجه الشكر للدول التي انخفضت فيها نسب تهميش المرأة والتحرش بها، إلا أننا لا نستطيع السكوت على أوضاع المرأة في الدول التي كانت رائدة في موضوع تحرر المرأة مثل مصر وتونس وفلسطين والعراق، حيث انزلقت هذه الدول إلى مستويات أدنى من تلك الدول التي أدخلت منظومة حقوق للمرأة مؤخرا، مثل الكويت التي سمحت للنساء بالانتخاب والترشح عام 2005.
هل يصدق أحد أن أوضاع المرأة العربية في مصر هي الأسوأ بين كل الدول العربية يليها بلد رائد في حقوق المرأة هو العراق؟ هل هذا يعني أن نضال المرأة المصرية الذي جاوز القرن قد تبخر؟ هل الحقوق التي حصلت عليها المرأة العراقية لأكثر من 60 سنة ووضعتها في مصاف بعض الدول المتقدمة قد دفنت وإلى الأبد، ولم يبق أمامها إلا الإنزواء في أحد أركان البيت مستسلمة لدورها التقليدي في الإنجاب والطبخ والنفخ؟ كيف يمكن لعقل أن يستوعب أن 99.3 ‘ من نساء مصر يتعرضن للتحرش؟ هذا يعني أن كل امرأة سواء كانت يافعة أو كهلة، طفلة أو عجوزا، محجبة أو مبرقعة أو مخمرة أو سافرة لا فرق، جميلة أو غير جميلة ‘ما تفرقش’، تتحول فور خروجها من عتبة بيتها هدفا للمتحرشين الذكور بدون استثناء، وكأن الشارع غابة والمشاة من الوحوش؟ ما الذي حدث لمصر والعراق وسورية وفلسطين وتونس؟ نفهم أوضاع المرأة في المجتمعات المحافظة كالسعودية التي ما فتئنا نشير إلى وضعية المرأة فيها، أما أن تتحول الظاهرة إلى طامة كبرى في مثل هذه الدول الرائدة فهو ما يستحق التأمل والدراسة والخروج بتوصيات حقيقية وفعالة لمحاولة إنقاذ الأوضاع قبل فوات الأوان.
وضع المرأة في مصر خاصة محير ويثير تساؤلات حقيقية حول دور مصر الريادي الذي لعبته في المنطقة العربية، سواء في فترة النهضة الأولى أيام محمد علي باشا أو فترة النهضة الثانية بعد ثورة الضباط الأحرار عام 1952 التي فتحت آفاقا واسعة للتحرر والتعليم والعمل والبحث العلمي والتطور الصناعي والزراعي والتجاري، حيث دخلت المرأة سوق العمل واقتحمت ميادين التعليم والإبداع والفن والأعمال التجارية الحرة والوظائف الحكومية. ظاهرة التحرش بشكلها الفظ وتفاقم ظاهرة الختان وانتشار الاتجار بالنساء أمراض اجتماعية خرجت عن مستوى التحكم لتصبح مثل الداء المعدي الذي يعطب كل ما يصل إليه. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الظاهرة وبسرعة فستؤدي إلى انهيارات مجتمعية، خاصة إذا لم تعد المرأة آمنة على نفسها ومالها ومستقبلها ودراستها وتفضل الاختباء في جحرها مما يعرض الاقتصاد والتعليم ومشاريع التنمية إلى ضربة موجعة.

ملاحظات حول التقرير
كما أسلفنا كانت مصرالمفاجأة الكبرى وليس السعودية أو اليمن أو الصومال. إنها الأسوأ في العالم العربي في موضوع التحرش (99.3′) والختان (91′ أي 27.2 مليون امرأة)، تسع نساء فقط نجحن في الانتخابات من مجموع 987 مترشحة في 2012، ونسبة التعليم لا تتجاوز 63′. في العراق لا تستطيع المرأة أن تحصل على جواز سفر بدون إذن من ولي أمر أو قريب، ولا تشكل النساء العاملات أكثر من 17′ من مجموع القوى العاملة. ومن بين كل ألف حالة ولادة هناك 68 حالة فتيات بين سن السادسة عشرة والتاسعة عشرة. وفي أكثر من بلد عربي المرأة لا تورث جنسيتها ولا تستطيع السفر أو الزواج أو استصدار جواز سفر إلا بموافقة ولي الأمر. ومن بين الملاحظات التي يطرحها التقرير العقوبة المخففة لجرائم الشرف وزواج القاصرات وتعدد الزوجات والعنف المفرط ضد النساء. ففي المغرب مثلا تعرضت 17000 إمرأة لأنواع من العنف في الشهور الثلاثة الأولى لعام 2007، 78′ من مرتكبي الجرائم من الأزواج. لأول مرة تصل لبنانية إلى مرتبة الوزارة كان عام 2004، ومن المفروض أن يكون لبنان رائد التحرر والتقدم والمساواة. ومن الغريب أن سن الزواج القانوني في الضفة الغربية 15 للبنات وفي غزة 17 سنة. وتعرضت 51 ‘ من نساء غزة إلى عنف محلي عام 2011. وفي الأردن إذا لم تنجب المرأة ذكرا يقوم الزوج في غالب الأحيان بالزواج من امرأة ثانية. وفي اليمن لا ينص القانون على السن القانوني للزواج وربع المتزوجات تم عقد قرانهن قبل سن الخامسة عشرة. وهناك المزيد من العجائب والغرائب في التقرير وننصح بقراءته كاملا.

مقترحات عامة لمعالجة بعض جوانب الظاهرة
أقترح على كافة الكتاب والصحافيين والخبراء والدارسين أن يهتموا بهذا التقرير، لتكوين رأي عام ضاغط باتجاه تحسين أوضاع المرأة التي تشكل نصف المجتمع. وسأطرح مجموعة من النقاط للنقاش لعل أحدا يقرأ ويهتم ويصحح ويعدل ويغير:
أولا- ضرورة ترشيد الخطاب الديني – لقد احتلت المرأة حيزا كبيرا من المساحات الفضائية المخصصة للدعوة والإرشاد في العقد الأخير، وأصبحت الفتاوى حول النساء تملأ الشاشات ولم يبق جزء منها إلا وتناولته الفتاوى بشكل يثير الاشمئزاز. لقد أصبح جسد المرأة الفاصل الأوحد بين الخير والشر والجنة والنار والنور والظلمات، أما قضايا العدل والمساواة والحريات العامة ومحاربة الفساد وتكافؤ الفرص والاحتجاج على إمام غير عادل فلا مكان لها في ذلك الخطاب المتطرف والسلفي.
ثانيا- يجب الضغط باتجاه تغيير القوانين الحالية، خاصة فيما يتعلق بتأخير سن الزواج وحق التنقل والسفر وقيادة السيارة واعتماد نظام المحاصصة في البرلمانات والجهاز الحكومي، وحق الحضانة وتجنيس الأولاد وردع التحرش وإنزال أقصى العقوبات بمرتكبي جرائم التحرش والاعتداء والاغتصاب. كما يجب أن تشمل القوانين بنود التعويض والتأهيل. كما أن مسألة الختان يجب أن تحسم قانونيا لا أن تبقى ملايين النساء ضحايا لعادات أفريقية وفرعونية ليس لها مبرر خلقي أو صحي أو إنساني في عالم اليوم.
ثالثا- إن حل مشاكل المرأة مرتبط أيضا بمسألة التنمية الرشيدة القائمة على استيعاب كافة أبناء المجتمع أثناء بناء المشروعات الصناعية والزراعية والتجارية. ويؤكد تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة أن هناك علاقة جدلية بين تردي الأوضاع الاقتصادية وزيادة العنف المحلي للمرأة، حيث تضطر أعداد كبيرة من النساء الى أن يغادرن بيوتهن لإعالة أولادهن، مما يعرضهن للتحرش والعنف والابتزاز والاغتصاب. إن زيادرة البطالة وانتشار الفوضى والإضرابات والعنف الداخلي فاقم المسألة الاقتصادية، ومن الطبيعي أن تكون المرأة أولى ضحايا الفقر والبطالة.
رابعا إن البعد الثقافي للمسألة مهم جدا فبعد أن انطلقت المرأة في مصر وسورية والعراق والجزائر وفلسطين في دروب العلم والنضال والأنشطة السياسية والاجتماعية عدن وانكفأن في بيوتهن بعد تحقيق الاستقلال أو دخول البلاد في حالة من الجمود السياسي، كما هو الحال في مصر، أو تراجع مستويات النضال مع العدو الخارجي ليحل محل ذلك أعداء من الداخل، كما حدث في الجزائر وسورية والعراق وفلسطين. إن إعادة الاعتبار لدور المرأة وتشجيعها وحمايتها وفتح الفرض أمامها من الأمور المهمة الآن. يجب أن يعاد النظر في مناهج التعليم والبرامج التلفزيونية والمسلسلات والأفلام السينمائية، وتقديم برامج هادفة ومدروسة تحترم المرأة وتمجد دورها وتقدم نماذج من المناضلات العربيات اللواتي تركن بصمات إيجابية على مجمل النضال العربي أثناء حركات التحرر من الاستعمار والنضال ضد الصهيونية والإمبريالية وما أكثرهن.
الطريق ما زال طويلا وشائكا ومعتما، ولكن كلما تأخرنا في التصدي لهذه التحديات ساءت أوضاع المرأة. ولا يظنن أحد أن هناك نموا وتقدما واستقرارا ونصف المجتمع مهمش هذا على فرض أن النصف الثاني فاعل وحي ومتطور.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

- -

3 تعليقات

  1. احييك استاذي الكبير على مقالك الذي اوضحت فيه وضع المرأة في المجتع العربي. عندي هنا ملاحظة أود أن أشير اليها الآ وهي في ظل غياب مؤسسات الدولة والانشغال والتركيز في النواحي السياسية ينعدم الأمن وتعم الفوضى وهذا فعلا ما حصل ويحصل وسيحصل في مصر وسوريا وتونس الى أن تستقر الأمور السياسية والبدء بانشاء المؤسسات الاجتماعية والصحية والأمنية …. التي تكفل وتحمي حقوق المواطن . لذلك لا غرابة في أن تنتشر وتكثر في المجتمع الجرائم والتحرشات والرذيلة والمخالفات والتعدي على الممتلكات الخاصة ….

  2. فعلا …..المراة العربية تعاني الامرين وتتسم حياتها بحياة كفاح وليست حياة عادية في الاواسط العربية …..ظانتا بان الامور تسير هكذا وطبيعتها وخلقتها ونشاتها هكذا ……فالتضحية عنوان المراة العربية و الغبن والمعاناة …….والسبب هو الرجل العربي او رجل مابعد الموحدين في المغرب العربي بما انني انا شخصيا من الجزائر ……ارى ان مشاكل المراة العربية ليس الشريعة فالشريعة تضمن اريحية للمراة وهي ليست مطبقة في كافة البلدان العربية ……..لذا انا ارى كرجل شاب اتمنى ان يرفع الغبن على المراة العربية وان تعيش الحياة بشكل جيد ان السبب الرئيسي هو نفسية المجتمع ونفسية مجموعة الرجال العرب الذين يعانون من عدة عقد تشكلت منذايام الاستعمار ولازالت الا يومنا هذا …..هذا المجتمع ليس مثاليا الى درجة ان توكل اليه مهام الدفا..وفي الاخير اريد ان اقول لهذا الكاتب فعلا المراة العربية مظلومة وتعاني …لكن نحن رجال العرب هم من ينصفوا المراة …ليس الكفاع عن حقوق المراة العربية…..من يريد هذا وكانما يريد ان يكون بين كل زوجين عربيين وسيط من الغرب يرعى شؤون الزوجة المسكينة ويردع الرجل ……وهذا بالضبط ما يريدونه………تحياتي

  3. لن تستطيع تحرير شعب راض بعبوديته يا أستاذي الكريم…ومع الأسف نرى جل نساء العرب راضيات بأوضاعهن..

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left