الاتفاق الايراني الامريكي: لا عزاء للعرب؟!

رأي القدس

استقبل الايرانيون الاتفاق الذي توصل اليه وزير خارجيتهم محمد جواد ظريف مع مجموعة 5+1 بالفرح والاستبشار وهم محقّون في ذلك بغض النظر عن الشروط القاسية التي وضعتها القوى العالمية الكبرى والتي تنهي عملياً اية امكانية لاستخدام المشروع النووي الايراني في صنع قنبلة نووية.
فبعد 34 عاماً على انطلاق الثورة الايرانية والمفاعيل الخطيرة التي اطلقتها في العالمين الاسلامي والعربي، وبعد نزاع طويل لم تنته فصوله بعد مع الغرب، تبدو ايران على الطريق الى تطبيع علاقاتها مع هذا الغرب، واستبدال الحالة الثورية العنيفة التي ميّزت علاقاتها معه بالتطبيع التدريجي، وصولاً، الى حل شامل ودائم، حسب نصّ الاتفاق، والى شرعيّة دولية وتقاسم للنفوذ في المنطقة.
قراءة مدققة في نصوص الاتفاق تظهر تخلّي ايران عن اتجاهها السابق لفرض ارادتها النووية على العالم، فايران ستتخلى عملياً عن مفاعل اراك وستقدم معلومات التصميم ‘الحساسة’ عنه، كما ستتيح للمفتشين زيارات يومية الى المفاعلين الآخرين في فوردو ونطنز، وسيكون كل ذلك مقابل تخفيف محدود للعقوبات ‘يمكن الرجوع عنه’.
يظهر الاتفاق وجود استراتيجية سياسية ايرانية طويلة الأمد، بدأت مع طيّ صفحة الرئيس الايراني السابق محمد احمدي نجاد بمزاجه الهجومي وتصريحاته المثيرة للجدل (مثل ان امريكا تريد منع ظهور المهدي المنتظر ومثل حديثه عن هالة النور التي أحاطت به خلال خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة)، واتفاق اقطاب المؤسسة الايرانية (المرشد خامنئي، الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية – الأمنية) على ترشح وانتخاب رئيس أكثر قابلية لتطبيع صورة ايران مع العالم.
للوصول الى هذا الاتفاق لعبت ايران بالأوراق الكثيرة التي اشتغلت على بنائها على مدى عقود وكذلك بالأوراق التي كسبتها من أخطاء الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين بعد احتلال افغانستان والعراق، ومن تكدّس أخطاء الأنظمة العربية التي لا تملك قطباً وازناً يقدم استراتيجية حقيقية لمواجهة المخاطر الحقيقية التي تحيط بمنطقتها.
ما يثير التساؤل في الاتفاق ليس المكتوب في نصوصه بل غير المكتوب فيها، فهو يعالج القضية التي تهم الغرب (منع ايران من صناعة القنبلة النووية) ويترك القضايا الأساسية الأخرى التي تقضّ مضاجع العرب والمسلمين، وعلى رأسها استفحال النزاع الشيعي السنّي الذي يهدد بتهشيم حدود وكيانات ومجتمعات العراق وسورية ولبنان.
الاتفاق يتجه الى تسوية كبيرة في المنطقة لا نرى للدول العربية الرئيسية أثراً كبيراً في تحديد معالمه، فالسعودية فقدت البوصلة استراتيجياً وصدّعت اولوياتها بتقديم الغطاء السياسي والمالي لاستعادة نظام حسني مبارك عبر المؤسسة العسكرية المصرية، واستعداء احزاب الاسلام السياسي وحلفائها الاقليميين وخصوصاً تركيا وقطر، فيما تتجه مصر نحو فقدان وزن تاريخي وشرعي بعد ازاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي وتراكم الأخطاء السياسية في الداخل (من خلال منع التسويات السياسية واقرار قوانين تمهد لدكتاتورية طويلة الأمد) وفي الخارج (قطع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا، والتضييق على حماس).
يعتقد البعض ان الاتفاق يمهد عملياً لحلف امريكي- ايراني بغطاء روسي على حساب المنطقة العربية نموذجه العراق، وستكون سورية ولبنان ضحيّتيه المرتقبتين، ويقوم أساساً على استخدام أدوات ايران في المنطقة، مثل الفصائل الشيعية في العراق وحزب الله في لبنان للقضاء على التنظيمات القريبة من القاعدة (مثل داعش و’النصرة’)، بعد ان تم استرضاء اسرائيل بالقضاء على المشروع الكيميائي السوري.
ما دامت الدول العربية غير مؤهلة للتخطيط والاتفاق على استراتيجية اقليمية ودولية فإن هذا السيناريو سيكون واقعياً وممكناً.
أحد العوامل الخطيرة المؤثرة الأخرى والتي ستنتج عن الاتفاق هو توقع خسارة 20 دولاراً في سعر برميل النفط، وهو ما يعادل خسارة 72 مليار دولار سنوياً للسعودية وحدها.
رغم علائم الامتعاض والاستنكار التي أبدتها اسرائيل، فالحقيقة الدامغة ان الغرب حصل على ما يريده، واسرائيل، بالاستتباع، ستنال حصتها من الاتفاق، وستكون راضية بالنتيجة النهائية، اما العرب، غير المدعوّين للعرس السعيد، فسيكتفون من الغنيمة بالاياب.

Email this page
Share on Facebook