الثعلب الامريكي نجح حيث فشل الكاوبوي؟

كم هم مغفلون وساذجون أولئك الذين يصفون سياسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تجاه الشرق الأوسط بأنها ‘مرتبكة’ و’باردة’ و’متخبطة’ و’غير مبالية’ و’مترددة’.
ألا يعلمون أن ‘اللامبالاة’ في السياسة سياسة، وأن التردد ليس تردداً، بل هو مقصود بذاته؟ مشكلة الكثيرين أنهم لا يتابعون التصريحات الأمريكية، ولا البرامج الرئاسية التي يطرحها هذا الرئيس أو ذاك عندما يصل إلى البيت الأبيض.
الأمريكيون في الغالب صريحون، بوقاحة، عندما يتعلق الأمر باستراتيجياتهم وسياساتهم الخارجية، فهم لا يراوغون كثيراً، بل يطرحون مشروعهم للإعلام ‘على بلاطة’، لكن المشكلة في العرب الذين لا يقرأون إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس.
لقد قالتها إدارة أوباما مرات ومرات – ليس في الفترة الرئاسية الأخيرة – بل في بداية الفترة الرئاسية الأولى، عندما أعلن أوباما عن خط سياسي مختلف تماماً عن خط سلفه جورج بوش الابن.
لقد جاء أوباما أصلاً ببرنامج يناقض فيه سياسات بوش، الذي كلف أمريكا الكثير الكثير عسكرياً واقتصادياً وسياسياً. أعلنها أوباما صراحة أنه يريد أن يلعب بهدوء بعيداً عن الغوغائية السياسية التي ميزت عهد سلفه.
بعبارة أخرى، لقد ضرب أوباما عرض الحائط بصورة ‘الكاوبوي’ السياسي التي سادت الإدارات الأمريكية السابقة. فلم يعد الرئيس الأمريكي يتحسس مسدسه، كلما لاحت أمامه ذبابة، بل بدأ يفكر بطريقة أكثر خبثاً وهدوءاً في متابعة الأهداف والاستراتيجيات وتحقيقها، خاصة بعد نجاح الدبلوماسية البريطانية في العراق وفشل الاستراتيجية العنفية الامريكية هناك.
قد يقول البعض، وربما يكونون على حق، إن عقلية ‘الكاوبوي’ جلبت للأمريكيين الكثير من المصائب والكره، وخاصة في مغامراتهم الخارجية الاخيرة في العراق وأفغانستان، وباتوا يخشون من سياسة ‘التعنتر’ الكارثية. وهذا صحيح، لكنهم قادرون أيضاً على تحقيق المطلوب بعيداً عن ‘التصرفات’ ‘البوشية’ الهوجاء.
لقد أعلن أوباما على رؤوس الأشهاد منذ الأيام الأولى لولايته بأنه سيعتمد من الآن فصاعداً على ‘الحروب الاستخباراتية’، بدل الحروب العسكرية، فهي أكثر نجاعة وأقل تكلفة بكثير.
وقد لاحظنا ذلك في الأزمة السورية، فقد كان الأمريكيون يعطون الانطباع منذ بداية الثورة بأنهم غير مبالين أو مرتبكون أو متخبطون حيال الوضع السوري، مع العلم أن وكالة الاستخبارات الأمريكية كانت تدير الكثير من العمليات داخل الأراضي السورية من مواقعها على الحدود التركية.
ويعترف بعض النشطاء بأن الاستخبارات الأمريكية كانت تلعب دور ‘رئيس مجلس إدارة بعض العمليات السورية’، فغالباً ما يكون ممثل ‘السي آي أيه’ جالساً على رأس الطاولة يواجه اللاعبين الاستخباراتيين الآخرين المنخرطين في إدارة الوضع على الأرض، بمن فيهم رجال الاستخبارات الأوروبيون والإقليميون والعرب. وفي تلك الأثناء كنا نسمع الكثير الكثير في وسائل الإعلام عن ابتعاد الأمريكيين عن الأزمة السورية.
لقد اعتمد الأمريكيون منذ مجيء أوباما إلى سدة الرئاسة على مبدأ ‘القيادة من الخلف’ تاركين السائقين في المقاعد الأمامية يسوقون حسب التوجيهات والإرشادات والتعليمات الأمريكية، دون ضجة أو جلبة.
لم يعد الأمريكيون مستعدين للتورط مباشرة في اي نزاع، وهذا ما أشاره ثعلب الدبلوماسية الأمريكية الشهير هنري كيسنجر في أكثر من مقال له في الصحف الأمريكية على إدارة أوباما.
لا بل راح كيسنجر في بعض مقالاته يدعو الإدارة الأمريكية إلى احترام معاهدة ‘وستفاليا’ المبرمة عام 1648التي تنص على احترام سيادة الدول. وهو طبعاً حق يراد به باطل، فبحجة احترام سيادة الدول كانت الدبلوماسية الكيسنجرية الجديدة تحقق كل ما تريده بعيداً عن التدخل السافر في شؤون الآخرين، كما كانت تفعل في الماضي. ومن اللافت أنه حتى الغارات الجوية الأمريكية على مناطق تنظيم ‘القاعدة’ في اليمن وباكستان والصومال كانت تتم عن طريق طائرات بدون طيار، تجنباً لإزهاق أرواح الطيارين الأمريكيين. هل خسر الأمريكيون جندياً واحداً في ليبيا؟
مخطئ من يعتقد أن أمريكا كانت ضعيفة عندما فاوضت إيران. لا أبداً، فالقوة الأمريكية يمكن أن تدمر العالم مائة مرة. لكن السياسة الأمريكية الأوبامية جاءت أيضاً لإعادة التوازن للاقتصاد الأمريكي.
وبالتالي، فالإدارة الأمريكية الحالية لا تريد الغوص في مغامرات جديدة مكلفة طالما أنها قادرة على تحقيق المطلوب بـ’القوة الناعمة’، لهذا رأت أن التفاوض مع إيران وعصا العقوبات أجدى لها من الحروب.
إن الذين يصفون سياسة إدارة أوباما الحالية تجاه الشرق الأوسط خاصة ‘بالغباء’ فإنهم – كما يقول محمد الركاض – لا يعرفون من السياسة شيئاً، ولا يعرفون ثعالبها، فالسياسة الأمريكية، التي يصفها البعض بـ’الغبية’ جردت سورية من السلاح الكيماوي الاستراتيجي ما لم تستطع تحقيقه كل حروب المنطقة، وهي ساعية لما بعد الكيماوي.
والأهم من ذلك، أنها كبحت مشروع إيران النووي، دون أن تخسر دولاراً أو جندياً واحداً. قارنوا المبالغ التي أنفقتها أمريكا على مغامراتها في العراق وأفغانستان، وهي عشرات ترليونات الدولارات، مع ما أنفقته على الوضعين السوري والإيراني؟!
لقد حققت لنفسها ولإسرائيل كل ما تريدان فقط من خلال العمل بالمبدأ النابليوني الشهير ‘إذا رأيت عدوك يدمر نفسه، فلا تقاطعه’.
لقد دفعت أمريكا المليارات لإعادة العراق إلى العصر الحجري، كما توعد وزير الدفاع وقتها دونالد رامسفيلد، لكنها حصلت في سورية على كل ما حصلت عليه في العراق ‘ببلاش’، فقط بدماء وأشلاء السوريين وثرواتهم وثروات الآخرين. فإذا كانت سياسة ‘التخبط والغباء واللامبالاة’ الأمريكية هذه قد حققت كل هذه النتائج، فكيف لو كانت سياسة ذكاء ودهاء مثلاً؟
لقد أنجزت إدارة أوباما لأمريكا ما لم تنجزه على مدى عشرين سنة فائتة، في ما يخص ملفات الشرق الأوسط في سورية وإيران، وعلى صعيد ضمان أمن إسرائيل. كيف؟ فقط بتعب اللسان.. وبرود الأعصاب.. والتردد.. واللامبالاة المدروسة؟

‘ كاتب واعلامي سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فاروق قنديل . النمسا:

    فعلا …… من أذكى وادق التحليلات ، احسنت با دكتوووووووووووور !

  2. يقول تونس..منصري ابو روميساء:

    نعم….نعم الرائ هذا هو الصواب…..اما العرب فهم لا ينظرون الا بعد الهزيمة والنكسة طبعوا بطابع الذل و الهوان…لانهم ليسوا با صحا ب القرار بل هم كااالرعاع…شكراااااااااا يا دكتور

  3. يقول بشير عبيد:

    ديمقراطية
    هذي لعبة ذكية
    اخترعتها الامبريالية
    موش قالوا حرية وشفافية
    الحقيقة اتكذب ما قالوا
    مانا الا سوق استهلاكية
    الارض بتتكلم وحشية
    اذا غاب الضمير وجات الديمقراطية
    لا تقلي شفافية ولا اغلبية
    السلطة للبرجوازية الانبريالية
    اذا غاب الاعلام النزيه
    وصدرلك مايؤمن بيه
    وقصاك والغاك من كل نواديه
    وحذفلك وحرفلك ما يخطط فيه
    وزورلك ارادتك ماذا تسميه؟
    ديمقراطية ؟ سلملي عالديمقراطية
    القضية ماهي ديمقراطية
    وضحت الامور بامانة علمية
    الصراع فكري وحرية
    حق يقاوم شر البرية
    قيمنا الاسلامية ترعبهم
    تزلزلهم تكشفهم اصحاب النظرية
    واذا واحد قال بالديمقراطية
    وما امن بالاسلامية راهو
    اما جاهل او وكيل الامبريلية
    حقيقة سلم بيها تامن شر الديمقراطية
    عبيد

  4. يقول الأوراس:

    انتظروا انتقام الله، في جميع وكل من سفك دم بغير حق ونهب أموال وترواث المسلمين. الله العزيز المنتقم.

  5. يقول alhemry/Libya:

    السلام عليكم
    أولا اهنئكم علي المقال..
    وقرائتك للأحداث الراهنة في عالمنا العربي
    وكنت من متابعي برنامجك الاتجاه المعاكس..واذكر جيدا حلقة قبل حوالي سنتين ونصف وكان ضيفاك الدكتور الرحال(سوري)..والذي الثاني من موريتانيا لا يستحضرني ذكر اسمه الان ..ومن ضمن ما دار من حوار خلال الحلقة حديث عن ليبيا والبنية التحتية الرديئة لا أكبر دولة عربية وهي تتربع علي أكبر مخزون نفطي (وكيف عبرت والكلام هنا لك أستاذي الكريم” كيف لدولة عربية تعوم علي بحيرة من النفط ان تعاني من سؤ بنيتها التحتية وتفوح منها رائحة المجاري)….
    وما لبث ان مرت عشرة أيام أو أقل حتي تفاقمت الأحداث وأعلنت شرارتها من مدينة بنغازي
    ….ايقنت هنا ان للوسائل الاعلامية دور كبير في تأجيج الحرب وتضخيم الأمور ..
    وكيف انه اعلام مسيس يخدم اجندات خارجية غربية علي وجه الخصوص..
    دورنا كعرب بالاجماع سلبي باتم معني الكلمة تجاه قضايانا .
    فمتي يحين الوقت الذي تتوحد أمتنا العربية وتكون يدا واحدة ضد الغرب .

1 3 4 5

اشترك في قائمتنا البريدية