(عم احمد).. فلاح مصر الفصيح.. والملك الصعلوك.. يغادر محبوبته بلا وداع

حجم الخط
5

لندن ـ’القدس العربي’ـ من خالد الشامي: ‘الاسم: صابر. التهمة: مصري. المهنة: وارث عن جدودي والزمان صنع الحضارة والنضارة والامان). هكذا عرف نفسه في قصيدة بعنوان (تذكرة مسجون). اما الوصف الاحب الى نفسه فهو ‘حفيد الفلاح المصري الفصيح، ومواطن عربي منتهك الارض والعرض ومكبل ومطارد’.
انه ‘عم احمد’ او احمد فؤاد نجم الذي استيقظ المصريون امس ليكتشفوا انه غادرهم بهدوء وبلا وداع، بعد ان ملأ حياتهم شعرا وشغبا، ابداعا ودهشة وسخرية لعقود، هز خلالها عروشا واطاح ملوكا ، وكسر محرمات وقيودا، وايقظ ضمائر واشعل غضبا، وكان الثمن ان قضى سنوات طويلة من عمره وراء القضبان، الا انه حول السجن نفسه الى مصدر الهام، وكتب بعض احلى قصائده فيه، ليسجن سجانيه، ويثبت حقا انه لا يوجد من يستطيع ان يسجن مصر، كما قال في قصيدته من سجن القلعة الرهيب.
انه الفاجومي، الشاعرالملك الصعلوك، المتمرد على الزمن والنظام، وعلى نفسه، الذي يؤشر رحيله الى نهاية عصرالعمالقة، وطي صفحة ومرحلة وظاهرة فريدة، في تاريخ الشعر والنضال والسياسة والتاريخ في مصر والعالم العربي.
وكانت أولى قصائده المزعجة تسخر من عبد الناصر والنظام والجيش بعد حرب 1967 ويقول فيها: ‘يا أهل مصر المحمية بالحرامية.. الفول كتير والطعمية والبر عمار/ وان شا الله يخربها مداين عبد الجبار’، في إشارة إلى عبد الناصر الذي امر باعتقاله فورا، وان يبقى في المعتقل ‘طول ما هو عايش’.
و بعد نحو عام رحل عبد الناصر، ليفاجأ الجميع به يرثي الزعيم الراحل كاشفا عن حبه الشديد له، ثم يشن بصحبة رفيق روحه الشيخ امام عيسى، حملة ضد السادات اشعلت ثورة طلابية، وكانت وراء التعجيل بقرار الحرب ضد اسرائيل في العام 1973، ومن ابرز قصائده في تلك المرحلة (هما مين واحنا مين) وقال فيها (احنا الحرب حطبها ونارها. احنا الجيش اللي يحررها. واحنا الشهدا ف كل مدارها. منتصرين او منكسرين)، وعندما ا ندلعت الانتفاضة الشعبية في يناير 1977، اقتبس المصريون من قصيدته ابياتا وهتفوا ضد السادات (هو بيلبس اخر موضة، واحنا نسكن سبعة في اوضة)، فكان مصيره المعتقل مجددا.
وعندما جاء الرئيس الاسبق حسني مبارك، اطلق كافة المعتقلين السياسيين الا الفاجومي خوفا من لسانه، الا ان هذا لم يمنعه من مواصلة نضاله، حتى انتقد مشروع التوريث في قصيدة مشهورة بعنوان (عريس الدولة) .
رحل الفاجومي تاركا محبوبته التي هام بعشقها طيلة حياته، وكثيرا ما مرت علاقته بفترات من التوتر والاحباط وحتى الغضب الا انه لم يفقد ايمانه بها، وبدوره التاريخي كما كان يصفه: (مصر؟ انها شمعة غمرها النهر. كلما ساد الظلام تطفو على السطح لتضيء العالم).
قبل عدة سنوات، زارت ‘القدس العربي’ الفاجومي في بيته، وهو عبارة عن شقة متواضعة في الدور السادس (بلا مصعد) من مساكن معروفة باسم (الزلزال) في هضبة المقطم المطلة على العاصمة، وقد عرفت بهذا الاسم منذ بنتها الدولة لايواء منكوبي الزلزال الذي ضرب القاهرة في العام 1992، الا ان بيته لم يكن يطل الا على سوق شعبية للخضراوات بجانبها تلة كبيرة من القمامة تنبعث منها رائحة كريهة.
وبالرغم من وجود موعد مسبق، فقد وجدنا الفاجومي نائما، فهو كان يفاخر بعدم احترامه ليس فقط للمواعيد بل للزمن نفسه. ثم عرفنا انه كان مريضا بالانفلونزا، الا انه اصدر تعليمات مشددة الى ابنته زينب بأن تدخلنا فور وصولنا.
وبعد ان تناولنا كوب الشاي المقدس لمحت كتابا تحت وسادته، فإذا به (الاعمال الكاملة لصلاح جاهين) احد اقطاب الشعر العامي، وعندما سألته ان كان يقاوم المرض بأشعار (منافسه)؟ نظر الي، وكانت الاجابة محاضرة في فضل صلاح جاهين على الشعر العربي وعليه شخصيا كشاعر، اما خلاصتها الحقيقية فهي ان الشعراء العظام وليس انصاف الموهوبين او المدعين هم من يقدرون العظماء امثالهم.
اما المفاجأة التي ربما لايعرفها كثيرون عن هذا الرجل النحيف الذي اختار ان يكون الجلباب الريفي البسيط زيه المفضل، انه قارئ نهم من العيار الثقيل، فالى جانب الاثاث البسيط في الغرفة، وقفت شاهقة مكتبة ثرية تضم عددا من الكتب النادرة في الفلسفة والتاريخ والسياسة والدين.
وعندما سألته مازحا ان كان يمكن ان استعير احد تلك الكتب او (اسلكه) بالعامية، بمعنى ان اسطو عليه، اذا به يستنفر مستفسرا عن اسم ذلك الكتاب، ثم قال (ربما ممكن تقديرا لدور ‘القدس العربي’ اثناء حكم مبارك)، مضيفا (انني احترم صحيفتكم كثيرا لدرجة انني افكر ان اكتب عندكم).
كان (عم احمد) محبا للحياة والحرية بشكل مذهل رغم انه قضى زهرة شبابه في المعتقلات، ولم يمنعه ذلك من الزواج خمس مرات، ومن بين زوجاته المطربة عزة بلبع والكاتبة صافيناز كاظم، والممثلة الجزائرية سونيا مكويو. ورغم الفقر الذي لازمه منذ ولد في اسرة تضم ستة عشر اخا واختا، ثم التحاقه بملجأ الايتام في الزقازيق بالدلتا (الملجأ نفسه الذي نشأ فيه المطرب الراحل عبد الحليم حافظ)، حتى ان احدى الهيئات التابعة للامم المتحدة اختارته سفيرا للفقراء في العام 2007. كان شجاعا قاسيا امام الاباطرة، لكن دمعته قريبة كطفل امام المعاناة الانسانية، قويا رغم ضعفه بل وهزاله، يمضي نهاره مشيا على الاقدام، ينسى ان يتناول الطعام ليومين احيانا طالما ان كوب الشاي مع السيكارة متاح، ثم يعود الى طبق الفول الذي هو طعامه المفضل حتى انه ذكره في العديد من قصائده فضلا عن قصيدته المعروفة (موال الفول والطعمية). كان شخصا كالزئبق لايمكن العثور عليه بسهولة حيث كان يرفض ان يحمل الهاتف الموبايل، ومثالا اسطوريا لـ (ابن النكتة) الذي لا يكف عن السخرية من كل شيء واي شيء رغم حزنه. رأيته مرة يبكي ويضحك في آن عندما ذكرته بما قاله عندم طلبت منه ذات مرة ان يوجه كلمة في احد البرامج الى مبارك بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، وكان النظام في عز قوته، فإذا به ينطلق على الهواء: اقول لمبارك اتقي الله، انت تقترب من الرحيل الى العالم الاخر، والا هينجدوك (سيوسعونك ضربا) لما تروح هناك’ لينفجر الجميع في الضحك غير مصدقين ما قاله. كان ذلك قبل اندلاع الثورة، وقبل ان تمطر السماء في مصر (ابطالا وزعماء وثوارا) من كل نوع.
رحل عم احمد لكنه سيبقى للابد كما قال في مطلع قصيدته الاشهر (بهية): (عصفور محندق يزقزق كلام موزون وله معنى). نعم رحل بلا وداع وبلا رثاء رسمي، لكن محمولا في قلوب الشعب، ومحفوفا بروح التوق الى الحرية. وترك روحه وزقزقاته تحوم حول روح محبوبته، وهذه لن تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول فاروق قنديل ـ النمسا:

    رحمه الله وجعل الجنة مثواه ، وغفر الله له ولنا وللناس أجمعين ـ عدا الظالمين ـ اللهم آمين .اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده

  2. يقول عمر:

    شكرا للكاتب…
    رغم أني متعصب للفصحى لدرجة لا توصف، وبنفس الدرجة تماما أمقت العامية، والمصرية منها بالذات! لجرأتها و”جناياتها” على الفصحى، فأنا -مع ذلك- أتباهى بحيازة، بل بحفظ، بل بترديد معظم قصائد هذا الشاعرالعظيم الفريد الصادق الوطني الأبي المخلص المضحي… ولا أشبع أبدا من سماع أغانيه التي لا تفارقني!! (بصوت الشيخ إمام طبعا)، وذلك منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي…ربما لأنني لم أجد في كل “فصحائنا” ما يحمل من عظيم إرادة وصدق شعور وجرأة طرح وقوة صراخ،وعظيم تضحية وطول صبر، ووو… في وجه الظلم والاستبداد والطغيان والنفاق وكل المساوئ،،، مما يملأ عالمنا العربي وليس فقط المصري…
    تحية إجلال وتقدير لهذا العملاق…
    رحمه الله، وأسكنه فسيح جنانه…

  3. يقول ماهر عابد:

    رحم الله الاف الشهداء من ابناء مصر ممن قضوا بسلاح العسكر المجرم ،،،،، الحرية لمصر. والخزي والعار لكل من ساند القتل ودعم الانقلاب الاسود.

  4. يقول bouchibti houssin:

    رحمك الله عم احمد واسكنك فسيح جناته ,عشت بسيطا ومت بسيطا,عشت شامخا ومت شامخا كنت رجل قلما يجود الزمان بمثلك و الرجال قليل فلا نامت اعين الطغاة

  5. يقول Bethlehem Girl/ USA:

    على الرغم من وجود شعراء عامية عظماء كالابنودي وهشام الجخ لكن خسرت الانسانية احد اعظم رموزها هو صوت الحق وصوت الحق باق لا يموت

اشترك في قائمتنا البريدية