أربع رسائل من مانديلا إلى الحكام العرب

د. عبد الحميد صيام

Dec 13, 2013

في هذه اللحظات التي يتقاطر فيها زعماء العالم على عاصمة بلادي ليشاركوا في مراسم الجنازة التي أطلق عليها جنازة العصر، هناك ملايين من البشر في كل مكان يحسون بي ويتألمون لوفاتي أكثر من العديد من هؤلاء الزعماء الذين وصلوا من أركان المعمورة. وللعلم فإن من بينهم منافقين كانوا يصفونني بالإرهابي ويدعمون نظام الفصل العنصري البغيض، بل وتبنوا مطالبه وحاولوا أن يضغطوا علينا للتكيف والتعايش مع نظام فصل عنصري مخفف أو ممكيج. وعندما أدركوا نتيجة لصمودنا أن نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في طريقه إلى مزبلة التاريخ، قفزوا إلى الأمام وغيروا جلودهم وبدأوا يفرشون لي السجاد الأحمر ويمنحونني الجوائز ويتسابقون على إقامة التماثيل لي وتسمية الشوارع والساحات باسمي. ولو كانوا حقيقة صادقين لولّوا وجوههم شطر نظام فصل عنصري آخر، كان الحليف الأهم لنظام الفصل العنصري في بلدي لكنه أكثر فظاعة وخطورة لأنه يعمل أيضا على إقتلاع الشعب الأصلي من أرضه وبلاده، بالإضافة إلى منظومة القوانين العنصرية البغيضة التي تشمل كافة مناحي الحياة من الطرق إلى العمل إلى الامتيازات إلى حرية الحركة والتجارة والسفر والتعليم والخدمات الصحية والسكن وأماكن العبادة والانتماء والهوية. إنهم يدعمون نظام فصل عنصري قائما الآن، مثلما كانوا في ما مضى يدعمون نظام فصل عنصري دفن تحت أرجل المناضلين. وعندما تتمكنون من هزيمة نظام الفصل العنصري المزروع عنوة في قلب بلادكم ستجدونهم أول من يصفق لكم وسيدبجون القصائد في مديحكم ويلعنون اليوم الذي تحالفوا فيه مع النظام البائد.
إنني حقيقة أحب بلادكم الواسعة والغنية وأتذكر وقوف شعوبكم وبعض قادتها المناضلين مع كفاح شعبنا، وقد قمت بالعديد من الزيارات بعد التحرر ووقفت على معاناة الشعب الفلسطيني خلال زيارتي لغزة عام 1999. بلادكم أيها الرفاق مهبط الرسالات وموئل الحضارات ومخزن الثروات، لكن أنظروا ما يجري فيها الآن من فوضى وفساد واقتتال داخل الحدود أو عبرها وتفتت طائفي وتطرف خطير وهدر للثروات. وأود أن أسجل هنا في رسالتي الوداعية هذه أربع ملاحظات أبعث بها إليكم أيها الزعماء العرب من ملوك ورؤساء وأمراء وسلاطين وأنتم تشاهدون هذه الجنازة المهيبة وتشاهدون شعب جنوب أفريقيا أولا وشعوب القارة الأفريقية ثانيا وشعوب العالم ثالثا يذرفون الدمع عليّ ويعيشون الحزن بصدق وطواعية، تعبيرا عن احترامهم وتقديرهم لما أمثله لهم. فإذا أردتم أن تحتلوا قلوب شعوبكم وأن تسكنوا في حدقات عيونهم وأن يودعوكم بالدمع لا بالسباب أو بتهشيم التماثيل والصور وتغيير أسماء الشوارع والمطارات والمستشفيات والساحات وحتى علم البلاد واسمها، فاسمعوني ناصحا ومرشدا مستندا إلى تجربة فريدة وغنية ولا هدف لي إلا أن أرى بلادكم تلحق بركب الحضارات وتتجه نحو التنمية الرشيدة وتتخلص من الفساد والحكم الظالم وهدر الثروات لتنعم أخيرا بنوع من الاستقرار بدأت تقطف ثماره معظم دول العالم.
الرسالة الأولى: لا تساوموا على الحقوق – من يتنازل عن نصف الحق لا يستحق النصف الآخر
جاء الدكتور برنارد إلى زنزانتي عام 1985 مبعوثا للرئيس العنصري بيك بوثا الملقب بالتمساح ليساومني على التخلي عن الكفاح المسلح مقابل خروجي من السجن وانطلاق المفاوضات بين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وحزب الأقلية البيضاء الحزب الوطني، فقلت له بالحرف: ‘إن الدولة هي المسؤولة عن العنف، بل المسؤول دائما هو المضطهـِد وليس المضطهَـد، إنه هو الذي يفرض أشكال الكفاح المناسبة. فإذا كان الظالم يستخدم العنف فلا يجد المظلوم مناصا من الرد عليه إلا بعنف مماثل. من جانبنا فالعنف هو الرد المناسب للدفاع عن أنفسنا’، ثم أضفت بكل حزم وإصرار ‘إذا كان الحزب الوطني يعلن أنه لن يتفاوض مع من يحملون السلاح، لماذا تأتون لزنزانتي؟’ فقال الدكتور برنارد: ‘إن الحكومة تريد أن تحفظ ماء الوجه وإلا فقد تخسر كل مصداقيتها’. فقلت له: ‘هذه ليست مشكلتي.. الحل لا يكون إلا بالجلوس مع الحزب والتفاوض معه من دون قيد أو شرط. أما حريتي الشخصية فهي ليست موضوع مساومة. لن أقبل الحرية الشخصية والحزب كله محظور والشعب لا يتمتع بكامل حريته’. (صفحة 537 من المذكرات). أيها الرفاق.. لا أحد يتنازل عن حقوقه سلفا مقابل الوعود. لا يوجد احتلال جيد واحتلال سيئ. كل احتلال سيئ ويجب تفكيكه نهائيا وإلى الأبد، بحيث لا يبقى له أثر. إن محاولة تجميل الاحتلال أو تحمل أعباء الاحتلال مقابل نصوص غامضة لا تحدد بصراحة الحقوق ولا تبين التواريخ ولا توزع المسؤوليات ولا ترسم صورة واضحة للمستقبل، ستؤدي في النهاية إلى تنازلات من طرف واحد ومساومة على نصف الحقوق أو ثلثيها مقابل وعد أو أمل بالحصول على ما تبقى من حقوق، وهذا لن يؤدي في النهاية إلا إلى ضياع الحقوق كلها.
الرسالة الثانية: لا تبقوا في الكراسي مدى الحياة
لقد وعدت شعبي عند انتخابي عام 1994، وكان عمري آنذاك 76 سنة، بأن أبقى في مقعد الرئاسة دورة واحدة لا غير وبررت بوعدي بالفعل. فلا شيء أهم من أن يبرّ القائد بوعده ويحافظ على كرامته بدل التحايل وتغيير الدستور ليبقى دورة ثانية وثالثة ورابعة، حتى لو لم يكن مؤهلا لا جسميا ولا عقليا للقيام بهذه المهمة. لقد تركت المنصب بإرادتي مع أن الشعب كان يتمنى أن أبقى لدورة ثانية. كرست بعدها حياتي للمساهمة في حل المشاكل التي تعاني منها بلادي والقارة الافريقية. أتمنى عليكم ألا تبقوا في كراسيكم إلى الأبد فتكرهكم شعوبكم ويملون منكم ويتمنون رحيلكم، بل قد يثورون عليكم ويمرغون كرامتكم في التراب. اخدموا شعوبكم دورة أو دورتين وأعطوا فرصة للأجيال الشابة التي تفهم عالم اليوم أكثرمن الكهول. انصرفوا بعدها إلى أعمال الخير كي تبقى ذكراكم عطرة في نفوس الناس جميعا. تصرفوا كأنكم بشر عاديون غير منزهين ولا مقدسين ولا محصنين من كل عيب. فانتشار صوركم في الشوارع والمحلات والمباني العامة لا يعني محبة الناس لكم. دعوا الجماهير تعلق صوركم وتقيم لكم التماثيل بعد الرحيل. فإن حدث هذا فمعنى ذلك أنكم تسكنون في قلوب شعوبكم فعلا لا رياء.
الرسالة الثالثة: دعوا الشعب يوصلكم إلى مقعد الرئاسة طوعا لا كرها
القيادة التي تفرض نفسها بالقوة والعسكر وأجهزة الأمن والبوليس السري والعصا الغليظة ليست قيادة، بل عبئا على قلوب الناس. لا أجمل ولا أروع من الفوز بنسبة معقولة وصحيحة في انتخابات حرة وعادلة ونزيهة وحضارية وسلمية ومنظمة ودورية، يتنافس فيها المرشحون والمرشحات ويعرض كل مرشح برنامجه الانتخابي والأهداف التي ينوي تحقيقها والحلول التي يراها مناسبة للبلاد. لقد فاز حزبنا بـ 252 مقعدا من مجموع 400. لم نحرم أحدا حق المشاركة حتى أولئك الذين كانوا يضطهدوننا. القيادة أيها السادة مؤهلات وقدرات وعلوم وثقافة وخبرة ووعي وبلاغة ورباطة جأش وقدرة على اتخاذ القرار السليم والتعامل مع الأزمات بحنكة ضمن مؤسسات الدولة والاحتكام للدستور والتأييد من المجالس المنتخبة، ولكن الأهم من كل هذا أن يكون شعبك مقتنعا بأن لديك مثل هذه المزايا وليس مجموعة المتزلفين من حولك الذين يوهمونك بأنك تملك كل هذه الصفات ويطبعونها على ملصق ويوزعونها في الشوارع. منصب الرئيس تكليف ومسؤولية عظيمة وليس تشريفا ومزايا واستحواذا للقوة الغاشمة فقط. مهمة الرئيس أو القائد أن يخدم شعبه وأن يصغي لهم ولهمومهم ويعمل على حل مشاكلهم لا أن يتعالى عليهم ويسومهم سوء العذاب إذا ما تذمروا أو شكوا أو تظاهروا. من لا يحتمي بمحبة شعبه لا يستطيع الغرباء حمايته ولا الطائرات ولا الأسلحة المتطورة.
الرسالة الرابعة والأخيرة: الوحدة الداخلية تتحقق بالمواطنة المتساوية المحمية بالقانون
إن أخطر ما تتعرض له البلاد حدوث شرخ في وحدتها الداخلية وتقسيم الناس حسب ألوانهم أو معتقداتهم أو أصولهم أو أعراقهم أو جنسهم. لقد قاومت سيطرة العنصر الأبيض على غالبية الشعب الأسود وبنفس القوة قاومت سيطرة الغالبية السوداء على أبناء شعبنا من الأقلية البيضاء، رغم الذكريات الأليمة التي يختزنها معظم أبناء البلاد السود من نظام الفصل العنصري الذي عاش أكثر من 300 سنة وأصبح قانونا رسميا منذ عام 1948 إلى أن تم دفنه وإلى الأبد عام 1994. حافظوا على وحدتكم الوطنية وتمسكوا بالمواطنة المتساوية فعلا لا قولا وقانونا لا عرفا فقط. فكم هو سهل على أعدائكم التسرب من شقوق الجسد الواحد إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. لقد آمنت منذ سنوات السجن البغيض في جزيرة روبن قرب مدينة كيب تاون بأن الحل الأمثل لبلادي يكمن في إيجاد مجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه كل أبناء البلاد بانسجام وتوافق ومحبة، يتمتعون بتكافؤ الفرص ويتساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. وقلت إن هذه الفكرة تستحق النضال من أجلها أو الهلاك دونها. لقد نجحت في توحيد أمتنا التي تمتاز بالتنوع والتعددية العرقية والقبلية والدينية مثل بلادكم. التحديات التي تواجهها جنوب أفريقيا الآن من النوع العادي، كالبطالة وانتشار الجريمة والفقر ومرض نقص المناعة المكتسب وتأمين الخدمات العامة والبنى التحتية والتخلص من مدن الصفيح والمعازل التي ما زالت قائمة من أيام الأبرثايد. لكن وحدتنا الوطنية راسخة وديمقراطيتنا مستقرة واقتصادنا يعتبر الأقوى في القارة الأفريقية. لديكم أيها الرفاق من الموارد ما يمكن أن يحول بلادكم جميعها إلى مراكز إنتاجية وصناعية وزراعية عظيمة، فاستثمروا تلك الموارد بطريقة سليمة من أجل رفاه شعوبكم ومستقبلها، خاصة أن 70′ منهم دون سن الثلاثين. فإذا ما فعلتم ذلك فستجدون أن شعوبكم تلتف حولكم وتحملكم على أكفها وتضعكم في قصور الرئاسة طوعا لا كرها وشتان بين الطريقتين.
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ـ والوداع

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

- -

7 تعليقات

  1. حياك الله يادكتور
    أجمل وأروع مقال

  2. هيهات ان تلقى هذه النصائح من صديقنا الراحل آذانا صاغيه لدى هؤلاء المعاتيه والمرتزقه الذين وظفوا اصلا من أجل اذلال واستعبد شعوبهم والحريه كما تعلم يا صديقي لا تأتي بالتمني ولكن بنفس الثوره والكفاح المسلح الذي تمرست عليه ايها العملاق الكبير

  3. حياك الله يا د عبد الحميد, هذه الرسائل وصايا عظيمة, لمن يقرأ, ولو كنت زعيما عربيا من من يعينهم الأمر لامتثلت لها الليلة, قبل صباح الغد, ولكن الحمد لله كوني لست رئيسا ولا ملكا ولا اميرا عربيا, لا لتفادي الحرج, ولكن حتى أكون انسانا عاديا, يقرأ ويفهم مثل هذه الرسائل ويقبل بفحواها.

  4. يا لها من لحظات حين اسطففنا ننتظر وصول المناضل العملاق نيلسون مناديلا القادم من زنزانته إلى وندهوك للمشاركة في احتفالات استقلال ناميبيا عن التمييز العنصري عام ١٩٩٠. كانت لحظات فخر واعتزاز خاصة وإنني كنت على وشك مصافحته لولا دخول حرسه الشخصي بيننا.
    ان عيني لم تدمع عند سماع نبأ انتقاله إلى رحمته تعالى نظراً إلى أنني أؤمن بان العظماء لا يموتون بل هم محفورون في الذاكرة والوجدان.
    ليتني اجد في هذه الأمة من يستحق مني هذا القدر من لاحترام والتقدير والمحبة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left