امتحان من عشرة أسئلة للحكام العرب من أجل عبرة واحدة

د. عبد الحميد صيام

Jan 03, 2014

لا نستطيع نحن معشر الأكاديميين الابتعاد عن التفكير بإعداد الامتحانات وتصليح كراسات الإجابات وإعطاء العلامات، خاصة وقد انتهينا من فصل الخريف الدراسي ونستعد بعد أسبوعين أو ثلاثة للعودة إلى فصل الربيع الدراسي. وقد خطر ببالي أن أقدم امتحانا بسيطا لملوك ورؤساء وأمراء وسلاطين البلاد العربية أثناء فترة أعياد رأس السنة الميلادية مساهمة مني بملء بعض الفراغ الذي قد يشعرون به الآن. والامتحان البسيط مكون من عشرة أسئلة، فمن أجاب عنها صحيحة وتوصل بنفسه إلى الدرس الوحيد والأوحد الذي تدور حوله جميع الأسئلة فيمكنه أن يصنف نفسه واحدا من المثقفين والعالمين بما يجري من حولهم في هذا الكون، وأنه يجلس في مقعد يستحقه عن جدارة بغض النظر عن الطريقة التي وصل بها إليه. وأتمنى على السادة الحكام أن يأخذوا الامتحان في مكاتبهم الخاصة، من دون مساعدة من مستشارين أو أجهزة الكترونية أو هواتف ذكية. وبعد الإجابة عن الأسئلة العشرة أتمنى على كل واحد منهم أن يكتب على ورقة صغيرة العبرة الأساسية التي استخلصها ويعلقها ميدالية على صدره كي يتذكرها دائما
السؤال الأول: كان زعيما لبلده في أوروبا الشرقية لمدة 24 سنة. حكم شعبه بالحديد والنار والتجويع. وكان جهازه الأمني يحصي على الناس أنفاسهم. قرر تسديد جميع ديون بلاده عام 1982 فبدأ يصدر كافة المنتوجات الزراعية، رغم حاجة الشعب لها فشهدت البلاد نقصا حادا في المواد التمويلية والمحروقات والدواء. ومع هذا الضنك كرس الرجل نفسه شخصية تستحق العبادة. ثار الشعب عليه عام 1989 فحاول أن يهرب هو وزوجته في طائرة مروحية لكن قبضت عليهما عناصر من الجيش فحوكما على وجه السرعة وحكم عليهما بالإعدام ونفذ يوم 25 كانون الأول/ديسمبر 1989. فمن هو؟
السؤال الثاني: كان عسكريا برتبة لواء في جيش بلده في أمريكا الجنوبية. وصل الحكم عن طريق انقلاب عسكري دبره بمساعدة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأعدم القائد المحبوب، الذي فاز في أول انتخابات حرة وعادلة وديمقراطية. حكم البلاد بعدها لمدة 17 سنة بالقوة المفرطة وشرد وقتل الآلاف وسجن أكثر من 80.000 وانتشر في عهده التعذيب والخطف والاختفاء، خاصة للكتاب والصحافيين والشعراء والمغنين. الغريب أن القائد المنتخب هو الذي رقاه من رئيس هيئة الأركان إلى القائد الأعلى للقوات المسلحة. سقط من سدة الحكم بعد سحب الولايات المتحدة تأييدها له بعد انتهاء دوره في أعقاب نهاية الحرب الباردة وأصبح مطاردا واعتقل في بريطانيا ورحل إلى بلاده وحوكم على ما ارتكب من جرائم وبسبب عامل السن والصحة بقي تحت الإقامة الجبرية إلى أن مات. فمن هو؟
السؤال الثالث: كان مهووسا بالعظمة في بلده المهم في منطقة الشرق الأوسط. طرده شعبه عام 1953 لكن المخابرات الأمريكية والبريطالنية أعادته إلى البلاد بعد تدبير انقلاب عسكري ليذيق الشعب كل أنواع الاضطهاد في الـ 24 سنة اللاحقة. تربع على احتفالات مرور 2.500 سنة على قيام أول إمبراطورية. ألقى الرئيس الأمريكي خطابا في الاحتفال مؤكدا أنه سعيد أن يكون في بلد ينعم بالاستقرار في بحر مضطرب ومتلاطم الأمواج في الشرق الأوسط. بعد عدة أشهر انطلقت الثورة ضد ملك الملوك فهرب من بلاده في 17 كانون الثاني/يناير 1979 ولم يجد بلدا يأويه حتى حلفاؤه الأمريكيون تخلوا عنه فجرب أن يستقر في جزر البهاما أو المكسيك أو بنما أو المغرب والجميع لفظه فاستقر به المقام في مصر (أيام السادات) ومات ذليلا معزولا هناك. فمن هو؟
السؤال الرابع: حكم بلاده في القارة الآسيوية لمدة 21 سنة تميزت بالفساد والفوضى وتكميم الأفواه. وعندما حاول الانفتاح وتخفيف اليد الثقيلة التي حكم بها البلاد عاد أحد زعماء المعارضة عام 1983 من منفاه في الولايات المتحدة فتم اغتياله في المطار بعد أن خرج من الطائرة. اتهم الرئيس بالوقوف وراء الاغتيال فتشكلت حركة معارضة شديد لحكمه استطاعت إسقاطه من الحكم فهرب إلى جزيرة هاواي. زوجته كانت مولعة باقتناء الملابس الفخمة والأحذية فوجد في خزائنها 7.000 زوج من الأحذية. كما تمت متابعة دقيقة للأموال المسروقة والمهربة إلى البنوك السويسرية والأمريكية والكاريبية، التي قدرت بنحو عشرة مليارات دولار. وقد صنف ثاني أكثر زعيم فاسد في العالم آنذاك. قدر عدد من قتلهم أثناء حكمة بأزيد من 3200 إنسان وسجن أكثر من 120.000 وتعذيب نحو 70.000. وزعت بعض الأموال المسترجعة على عائلات الضحايا التي ثبت أنه كان وراء قتلهم. فمن هو؟
السؤال الخامس: حكم بلده الأفريقي الكبير ثماني سنوات بالحديد والنار والتطهير العرقي والاغتيالات حتى قيل إنه كان يستمتع بأكل لحوم البشر. وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري ورفع رتبته العسكرية إلى مشير. كان صدره يكاد لا يتسع للنياشين والأوسمة والميداليات التي يعلقها عليه. وجهت له إسرائيل صفعة حامية عندما قامت باختراق سيادة بلده وتحرير الرهائن اليهود الذي كانوا على متن طائرة خطفتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقتلت المجموعة الفلسطينية جميعها وقتل قائد العملية الإسرائيلي، وهو أخو رئيس الوزراء الحالي. قدرت منظمات حقوق الإنسان أن عدد من قتلوا في عهده يتراوح بين 100.000 و500.000 ثم أعلن نفسه عام 1977 رئيسا مدى الحياة وأضاف لقب ‘قاهر الإمبراطورية البريطانية’ إلى جملة ألقابه. بدأت حركة تمرد ضده في إقليم كاغيرا الذي حاول ضمه من بلد مجاور فتدخلت تلك الدولة عسكريا فما كان منه إلا أن هرب من البلاد أولا إلى صديقه العقيد ثم إلى السعودية التي أبقته قيد الإقامة الجبرية حتى مات عام 2003. فمن هو؟
السؤال السادس: زعيم أفريقي آخر حكم بلاده 11 سنة، عشرا منها كان يحمل لقب رئيس ثم وجد أن هذا اللقب صغير عليه فنصب نفسه إمبراطورا وسمى بلده الصغير الفقير المغلق إمبراطورية. كلفت مراسم التنصيب عشرين مليون دولار بما في ذلك تاج من الماس تكلفته خمسة ملايين دولار، مما أوصل البلاد إلى حافة الإفلاس. أصبح صديقا للعقيد الذي أقنعه بدخول الإسلام مقابل مبلغ من المال. ‘فلطش’ الفلوس وارتد عن الإسلام بعد شهرين أو ثلاثة. انطلقت مظاهرات الخبز في العاصمة فأطلق يد الأمن لقمعها، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت رفض طلاب المدارس المتوسطة لباس زيّ موحد مصنوع في معمل يملكه هو وقذفوا سيارة الرولز رويس التي يسوقها بالحجارة فقام باعتقال 100 منهم في سجن صغير وأوعز لحراس السجن أن يقتلوهم ضربا وركلا وخنقا وهكذا كان. تمردت البلاد كلها ضده فالتقطه الفرنسيون في طائرة ونقلوه ليعيش في أحد القصور التي اشتراها من مال الشعب المسروق. حكم غيابيا بالإعدام. عاد إلى بلده بعد سبع سنوات في المنفى ليعتقل من باب الطائرة ويحاكم من جديد ويحكم بالإعدام، لكن الحكم خفف في ما بعد إلى السجن المؤبد، وبعد استقرار الديمقراطية في البلاد عام 1993 صدر عفو عام شمل ذلك الطاغية الهرم ليموت بعد ذلك بثلاث سنوات. فمن هو؟
السؤال السابع: ورث الحكم عن أبيه وعمره 28 سنة، وأبوه ورث الحكم عن أبيه أيضا في أغرب دولة في العالم. يحمل ألقاب كافة مناصب الدولة العليا وقد منح نفسه رتبة مشير في الجيش. ولا يتعامل مع أي مظهر من مظاهر التذمر إلا عن طريق المقصلة التي وصلت إلى عنق عمه فقتله وذهب ليعزي زوجته بعد ذلك. وبينما تتعرض بلاده للمجاعة يعيش الرئيس الصغير حياة البذخ والدلال، فقد وثقت منظمات حقوق الإنسان موت عشرة آلاف شخص من الجوع خلال 2013، بينما يحرص القائد على أكل نوع من السمك النادر باهظ التكلفة ويعيش في قصر يستهلك من الكهرباء أكثر من بقية المدينة. وفي الوقت الذي يطور فيه أسلحة دمار شامل لا يستطيع تأمين الغذاء لنحو 70′ من شعب بلاده، ومع هذا يعتبر نفسه قائدا عظيما وملهما. فمن هو؟
السؤال الثامن: حكم دولة في أمريكا الوسطى مدة 12 سنة. حول البلاد ملكا حصريا له ولعائلته. على إثر الزلزال الذي ضرب عاصمة بلاده عام 1972 وصلت تبرعات بالدم للمصابين فكان يبيع بلازمات الدم للموردين خارج البلاد. قامت عليه ثورة شعبية أطاحت به وبأفراد عائلته فهرب أولا إلى ميامي، لكن الرئيس كارتر رفض أن تكون بلاده مكبا لنفايات الشعوب فاتخذ بلدا بعيدا في جنوب القارة الأمريكية ليختبئ فيه. أرسلت له قيادة الثورة المنتصرة مجموعة مكونة من أربعة رجال وثلاث نساء وتربصوا به لمدة ستة أشهر حتى تصيدوه بقذائف الآر بي جي. فمن هو؟
السؤال التاسع: حكم أكبر بلد أفريقي مدة 16 سنة. وصل الحكم عن طريق انقلاب عسكري. تحول من الاشتراكية إلى الإسلام ومن التحالف مع السوفييت إلى التحالف مع الأمريكان في ما بعد. وعندما تراجعت أوراقه تماما أعلن نفسه أمير المؤمنين وبدأ يطبق أحكام الشريعة بقطع الأيدي وجلد المخالفين، وفي نفس الوقت يقبض ثمن كل شخص من يهود الفلاشا يؤمن وصوله إلى إسرائيل. سياساته الهوجاء أججت حربا أهلية في جنوب البلاد. أثناء زيارة للولايات المتحدة لطلب قروض قامت الجماهير بانتفاضة عارمة وقرر الجيش أن يمسك دفة الأمور وعدم السماح له بالعودة. وعد الجيش بأن يسلم الحكم لحكومة منتخبة وبر بوعده بالفعل. عاد الرئيس المخلوع بعد نحو 15 سنة في المنفى ورشح نفسه في انتخابات الرئاسة لعام 1999 وحصل على 9.6 ‘ فقط فاعتزل السياسة بعدها وتوفي عام 2009. فمن هو؟
السؤال العاشر والأخير: حكم بلاده في شمال أفريقيا لمدة 21 سنة رئيسا وقبلها 3 سنوات رئيسا للوزراء. عزز التمييز بين مكونات البلد الواحد ونشر الفساد وكمم الأفواه وزوّر الانتخابات، وقيل إنه وافق على أن تكون بلاده مكبا للنفايات النووية مقابل عمولات زهيدة، بل قرر عام 1999 الاعتراف بإسرائيل مقابل مساعدة لا تصل إلى 50 مليون دولار. في عام 2005 غادر البلاد ليشارك في جنازة أحد ملوك الخليج العربي فقال له الجيش إبق في منفاك. وعد قائد الانقلاب بتسليم السلطة لقيادة منتخبة وبالفعل برّ بوعده. فمن هو ؟
وأخيرا أود أن أذكر بحكمة مهمة للعرب تقول: الكيّس من يعتبر من أخطائه هو، والأكثر كياسة من يعتبر من أخطاء الآخرين والمصيبة فيمن لا يعــــتبر لا من أخطائه هو ولا من أخطاء الآخرين.

‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

- -

7 تعليقات

  1. Dr. Siam
    As usual, this is another great article of yours. Hope your message gets to Arab rulers. I am confident that they all know the answer, but none of them cares. No one elected them, so why should they care. One lesson, sooner or later, people will speak, and dictators will pay for their crimes and oppression.

  2. عزيزي الدكتور عبد الحميد منذ زمن لم أقراء مقالا أعجبني كهذا. ولكن للأسف الذين توجه لهم الكلام لا يعرفون اللغة العربية قراءة ولاكتابة ! بالرغم من عربيتهم

  3. احسنت يا دكتور الاسئلة، ولو ان فيها بعض الايحاءات التي يلتقطها الاذكياء، ولو سمحت لي فاني تعاطفا مني مع الحكام ، فاني ساساعدهم ببعض الاجابات:-
    السؤال الاول : رئيس رومانيا نيكولاي شاشيسكوا وزجته
    السؤال الثاني الرئيس الارجنتيني بنوشيه
    الثالث شاه ايران محمد رضا بهلوي
    الرابع الرئيس الفليبيني ماركوس
    الخامس الرئيس الاوغندي عيدي امين دادا
    السادس موبوتو سيسسكو رئيس زائير سابقا الكونجو حاليا
    السابع الشاب كيم يونغ اون رئيس كوريا الشمالية
    الثامن لا اعرف
    التاسع جعفر النميري الرئيس الصوداني الاسبق
    العاشر معاوية ولد سيدي احمد الطايع الرئيس الموريتاني الاسبق
    مع هذا اشك بان يعرف الموجه لهم هذه الاسئلة اجابة خمسة منها فقط.

  4. الكيّس من يعتبر من أخطائه هو، والأكثر كياسة من يعتبر من أخطاء الآخرين والمصيبة فيمن لا يعــــتبر لا من أخطائه هو ولا من أخطاء الآخرين.

  5. الى الأخ حنظلة من عمان

    جواب السؤال الثامن هو : الجنرال أنستازيو سوموزا ديكتاتور نيكاراغوا

  6. تحياتي اخ عبد الحميد اردت ان يعتبر من يريد ان يعتبر ومن يريد ان يعتبر هو من يصنف انه انسان وحكام بلادنا لايدخلون ضمن هذه الدائرة فهم باعوا انفسهم ليس للشيطان فقط بل لابالسة الارض اليهود ونفذوا لهم رغباتهم مقابل اشياء زهيدة لاتقدر بثمن لانها زائلة وهو لايعتبرون لان حاسة الضمير مفقودة وهم ادوات تنفيذ فقط ودمت بخير والى لقاء اخر مع عام حديد وكل عام وانت بخير

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left