من الهويات القاتلة للشرعيات الضالّة

العالم بين الاحتلال والاختلال!

خيري منصور

يجترح امين معلوف في كتابين على الاقل هما الهويات القاتلة واختلال العالم أفقا يصبح معه الروائي رائيا، وبذلك يكون فضّ الاشتباك ممكنا بين السّرد حتى لو كان متخيّلا وبين الاستقراء المنطقي لعالم مشروط بكل ما يطرأ عليه من تحولات، في الهويات القاتلة كان الخلاص لعربي مهاجر ويكتب بالفرنسية هو تأهيل الذات للدخول في بوتقة حضارية، تجعله جامعا وحاشدا لعدة مكونات، بحيث تتداخل فيه وتتكامل عبر جدلية فذّة بدلا من التدابر والتنافر، وكان اختبار اطروحة معلوف بانتظار ما سيقوله عن موقعه من عالم يحاصره من مسقط الرأس في الشرق الى اقصى تجليات الحضارة الغربية، واول ما تشترطه الكتابة عن عالم محاصر بقوسين احدهما من فولاذ والاخر من جنون هو قدرة الكاتب على الإفلات من هذا الحصار وبلوغه مرتفعا شاهقا يتيح له استشراف المشهد كله وعلى نحو بانورامي .
وان كان معلوف قد كرّس كتابه هذا لما سماه اختلال العالم، فإن هناك مقدمة مهدت لهذا الاختلال هي الاحتلال وبمعنى ادق الاستحلال، فالفرق بينها ليس مجرد حيلة لغوية، خصوصا لمثقف قادم من الشرق المشحون بقوة الاسطورة الى الغرب الذي غادرها، وأفرط في الواقعية حدّ التفريط بالواقع ذاته.
الاستحلال هو الإنتهاك، والهدر بكل ابعاده بدءا من هدر الدم حتى اهدار الحقوق والمصائر، وحين يقول معلوف بأن العالم وهو من حمولته البشرية قد دخل الى القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة بدون بوصلة، فذلك هو بمثابة بيان أول، عن رحلة شاقة، في غابة بلا طريق او في صحراء يعزّ فيها الدليل .
لكن اية بوصلة ؟ هل هي اخلاقية بالمعنى الذي تحدّث عنه سارتر في أربعينات القرن العشرين ام سياسية بالمعنى الذي حوّل فيلسوفا مثل برتراند رسل الى متظاهر احتجاجا على الاقامة في كوكب لم يعد صالحا لها !!
الرائي هنا لا يتخلى عن مخزون الروائي الذي يشكل احتياطه على صعيد الذاكرة، لهذا يستعين معلوف بصباه اللبناني، يوم كان والده يدير صحيفة يومية ويتلقى كل صباح عددا من الصحف ويصغي الى عدد من الاذاعات العربية بالتحديد، فيسأله الابن المهجوس بسؤال معرفي قدّر له ان يصبح مساءلة اخلاقية :
أين هي الحقيقة يا ابي في كل هذه الصحف وهذه الاذاعات ؟ فيجيبه الأب انها ليست في أية واحدة منها لكنها مبثوثة في الجميع، لأن كل منبر اعلامي يقول حقيقته هو او الحقيقة كما يراها وليس كما هي بشكل مطلق ومجرد .
ذاكرة الروائي تزود الرائي ايضا بمؤونة من الوقائع التاريخية منها الفترة الناصرية وما كان يعج به الواقع العربي خلالها من تناقضات ومن تزاوج الاحلام والأوهام، وهنا نتساءل ما الذي انتج الآخر حسب الرؤية المعلوفية، التطور التكنولوجي الهائل ام انعطاب البوصلة ؟
هناك مثال يورده وهو مثال مؤهل لدرجة من التعميم عن شبه الانقراض الذي تتعرض له طائفة دينية في العراق هي الصابئة او الماندائية وهناك من يسميها اليحيوية نسبة الى يحيى، فهذه الطائفة هي جذر ومرجعية عدة حركات ظهرت في اوروبا في القرنين العاشر والثالث عشر كطائفة البوعوميل في بلغاريا والبارتان في ايطاليا فمصدر هذه الحركات او المذاهب هو بلاد ما بين النهرين وفي أجمة نخيل على ضفة نهر دجلة، فقد تعرّض الماندائيون الى ترهيب دفعهم الى ان يلوذوا بالنجاة حتى لو كان ذلك اعتناق مذاهب اخرى، واهمية هذا المثال هي في تذكّرنا لما يشبهه من احداث وقعت في الهند ونيجيريا والبوسنة وتركيا وغيرها على اختلاف الأزمنة.
‘ ‘ ‘
مقابل الهويات القاتلة ثمة شرعيات ضالّة، لكن هذا التوازي لا يعني الاقتران والتلازم، رغم ما يقدمه أمين معلوف من أمثلة واقعية من خلال الشرعية او توظيفها بتعسف، تبقى هناك شرعية لم تشملها اطروحته، هي الشرعية المستدركة اي تلك التي يجري تلفيقها بأثر رجعي ومثالها المعاصر هو الحرب على العراق التي انتهت الى احتلاله والى اختلال الامبراطورية التي مارست هذا الاحتلال .
وهناك شرعيات تعبر العصور وتعيش بعد رحيل من اخترعوها منها مثلا شرعية اتاتورك التي حالت دون دفنه تماما، يرى معلوف ان تعريف الشرعية المتداول فضفاض بحيث يشمل حالات واقعية مختلفة فيما بينها، فتاريخ كل المجتمعات البشرية يمكن روايته على ايقاع أزمات الشرعية لأنه في اعقاب كل انقلاب تبرز شرعية اخرى، والمفارقة هنا أن الشرعية كي تستمر يجب ان تحافظ على نجاحها، وهذا ما يحولها الى أمر واقع، ولو شئنا الاستطراد على هامش الشرعيات وارتهانها للنجاح لتذكرنا على الفور ثورات وانقلابات منها ما انتهى القائمون به الى الاعدام ومنها ما استمد شرعيته والاعتراف به من نجاحه فقط .
‘ ‘ ‘
بقدر ما يعبر معلوف عن فزعه من هذا العالم المختل وعديم البوصلة، يحاول ان يجترح الأمل من أقصى هذا الفزع لكن ليس على الطريقة التي يسعى دعاتها الى التبسيط والتسطيح وهي اشتراط الشدّة في الازمات كي تنفرج بدلا من ان تنفجر .
ففي عالم فاقد للتوازن وبالتالي للحدّ الادنى من التماسك لا بد من افراد يعلنون العصيان ويحتكمون لما يتخطى الهوية القاتلة كما وصفها معلوف والخانقة كما وصفها الايراني داريوش، هذا الاحتكام هو اخلاقي بالضرورة حتى لو تجلى في صيغ اخرى، فهل استطاع مثقف صهرت الحضارة الحديثة كل مكوناته في بوتقتها العالمية ان يتصدى بخطاب مضاد ؟ والى أي مدى يكون لخطابه مفاعيل ونفوذ يتخطى مجرد القراءة والاشباع المؤقت للفضول ؟
لقد كان العالم على الدوام عرضة للاختلال وفقدان التوازن، بالقوة والضعف والثراء والفقر واحتكار المعرفة والجهل والعافية والداء، لكنه كان ايضا على الدوام محروسا بمن لم يجازفوا بتلويث اصابعهم في القذارة، اذا استعرنا من سارتر عنوان مسرحية الايدي القذرة ان شيئا من الامل في الخلاص وليس الأمل كله معقود على هؤلاء الحراس ومنهم احياء يشتبكون مع زمنهم ومنهم موتى يسهرون تحت الارض، وقد يكون عصرنا الذي تعددت اسماؤه المترادفة والتي تعني شيئا واحدا هو عصر الرّعب والخلل والتفكيك، بحاجة شديدة الى وعي مفارق، وبحاجة الى قتيل يضطر الى ان ينزف دمه كله كي يطفوعليه ويرى ويشهد .
ووصف حضارتنا بالتهافت له دلالتان على الأقل، الاولى اصطلاحية تذكّرنا بسجال فقهي بين ابن رشد والغزالي طرفاه تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت، والدلالة الثانية وهي ليست منقطعة عن سابقاتها تتلخص في هذه المتتالية من التردي والتساقط والتسارع الذي يستدعي كوامن الفيزياء في التاريخ لرصده وتأويله ومن ثم مجابهته بعدة بوصلات وليس بالبوصلة الاخلاقية فقط !

Email this page
Share on Facebook