تحليل: التغلغل الناعم’.. إسترتيجية الصين في تعزيز وجودها في أفريقيا

حجم الخط
0

القاهرة – من د. بدر حسن شافعي: هل يعد الإهتمام الصيني بأفريقيا وليد اللحظة؟، ولماذا كانت أول زيارة لوزير الخارجية الصيني الجديد وانغ وي هذا العام صوب أفريقيا؟، وما هي أهداف”وإستراتيجية بكين بشأن القارة السمراء؟، وهل سيصبح 2014 عاما أفريقيا – صينيا بامتياز؟
أسئلة عديدة طرحتها الجولة الإفريقية التي قام بها وزير الخارجية الصيني لأربع دول أفريقية في وقت سابق من الشهر الحالي، هي إثيوبيا وجيبوتي، في الشرق، وغانا والسنغال، في الغرب.
هذه الدول الأربع (مثل بقية دول القارة)، كانت تخضع تقليديا لنفوذ القوى الكبرى. فجيبوتي كانت خاضعة تقليديا لكل من النفوذ الفرنسي (فيها أكبر قاعدة عسكرية فرنسية في القارة)، وكذلك الأمريكي لا سيما بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 والحرب الأمريكية على الإرهاب في شرق القارة الأفريقية.
أما غانا فكانت خاضعة للتاج البريطاني، في حين أن السنغال من مناطق النفوذ الفرنسي. ورغم خضوع إثيوبيا لفترة قصيرة للإحتلال الإيطالي (1936-1941) إلا أن النفوذ الأمريكي هو المسيطر على أديس أبابا.
لم يكن هدف زيارة الوزير الصيني إلى شرق أفريقيا إقتصاديا فقط، بل كان هناك هدفان آخران، أحدهما أمني، والآخر سياسي، لكنهما يصبان في نهاية المطاف في الجانب الإقتصادي.
الهدف الأمني تمثّل في الحرص الصيني على مكافحة القرصنة في منطقة شرق أفريقيا، والتي قد تعرض للخطر السفن الصينية التجارية المارة في خليج عدن ومضيق باب المندب. فهذه السفن تحتاج إلى محطة ترانزيت من أجل عملية التزود بالوقود، وهنا تنبع أهمية جيبوتي، التى تعد مع كينيا، بمثابة بوابة الصين لشرق أفريقيا.
وتقوم الصين حاليا بإقامة ميناء لتصدير نفط جنوب السودان عبر كينيا، بدلا من ميناء بور سودان في السودان، يضاف إلى ذلك أيضا رغبة بكين في مزاحمة كل من فرنسا، والولايات المتحدة، اللتان تحتفظان بقاعدتين عسكريتين تابعتين لهما في جيبوتي.
أما بالنسبة لإثيوبيا، فبالرغم من كونها دولة حبيسة، لا تطل على أية بحار أو محيطات، إلا أنها دولة ذات ثقل كبير في القارة السمراء، لاسيما وأن فيها مقر الإتحاد الإفريقي، فضلا عن كونها عضوا فاعلا في تجمع ‘إيجاد’ (منظمة شبه إقليمية تأسست في أفريقيا عام 1986) الذي يقوم حاليا بدور الوساطة في أزمة جنوب السودان.
ونظرا للظروف الإقتصادية الصعبة لإثيوبيا، فقد وافقت الصين خلال زيارة وزير خارجيتها الأخيرة على دعم مشروعات تنموية بمقدار16.7 مليار دولار، منها مليار ونصف مليار دولار، في مشروعات توسعة لمطارات إثيوبيا.
بالنسبة لغانا فإن أهميتها للصين تنبع من كونها إحدى الدول المنتجة للنفط، فضلا عن أنها ثاني أكبر منتج للذهب في القارة بعد جنوب أفريقيا، وبالتالي يزداد الإقبال الإستثماري الدولي عليها، بل أن بعض الشركات تقوم بأعمال التنقيب عن البترول والذهب بصورة غير رسمية، منها شركات صينية محدودة، وهو ما أعلنت بكين خلال الزيارة أنها ستقوم بالمساعدة في مكافحته من ناحية، ومناشدة الشركات الكبيرة، التي تحترم البيئة على الإستثمار في ثروات غانا من ناحية آخرى.
وتعد الصين أكبر مستثمر أجنبي في غانا. وقد إرتفع حجم التبادل التجاري بينهما بصورة كبيرة، حيث بلغت صادرات الصين إلى غانا 4.79 مليار دولار عام 2012، في حين أن وارداتها من هذه الدولة الأفريقية لم تتجاوز 6.6 مليون دولار فقط.
أما بالنسبة للسنغال، التي تعد أحد الدول الفرانكفونية، فقد نجحت بكين في أن تكون الشريك التجاري الأول لها، فضلا عن كونها رابع أكبر دولة مانحة للمساعدات، من خلال مجموعة من المشاريع مثل مطار العاصمة داكار، فضلا عن تمويل مستشفى للأطفال في مدينة ديامنياديو، والتخطيط لبناء ساحة رياضية في العاصمة داكار.
الواضح أن بكين تعمل على تطبيق إستراتيجية ‘التغلغل الناعم’ في أفريقيا منذ”عقود، وهي تسحب البساط تدريجيا من تحت أرجل الدول الكبرى المنافسة لها، عبر تبنيها سياسة تقوم بالأساس على الجمع بين إرضاء الحكام الأفارقة، عن طريق عدم التدخل في شؤون السياسة والحكم من ناحية، وأيضا إرضاء الشعوب عبر تقديم مساعدات عينية ملموسة وليست مادية تذهب إلى جيوب الحكام . وربما يكون هذا هو سر التمايز والتفوق الصيني على باقي المنافسين حتى الآن.
الإهتمام الصيني بأفريقيا، ليس وليد السنوات الأخيرة، فهو يرجع لحقبة الخمسينات من القرن الماضي، وتحديدا مع بداية تدشين كتلة عدم الإنحياز منذ مؤتمر باندونغ عام 1956، عندما كان الإهتمام الصيني بأفريقيا في حينها يرجع لإعتبار أساسي ‘سياسي’، يتعلق بتأمين حصول بكين على تأييد الدول الأفريقية للإعتراف بها في مواجهة حكومة فرموزا ‘تايوان’ وإعتبار حكومة بكين الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصيني.
الإعتبارات الإقتصادية لم تكن غائبة عن هذه العلاقة بالطبع، فهناك رغبة صينية في الحصول على البترول والموارد الطبيعية الآخرى، من أفريقيا، خاصة الخشب”والأقطان، لاسيما وأن الثورة الصناعية الكبيرة التي شهدتها الصين جعلتها – رغم إنتاجها للبترول – دولة مستوردة له منذ عام 1993، وبحلول عام 2004 أصبحت الصين ثاني أكبر مستهلك للبترول بعد الولايات المتحدة.
وشكل كبر حجم السوق الأفريقية (بعدد سكان تجاوز المليار نسمة الآن) أيضا عامل إغراء كبير لبكين، التي قفزت من كونها الشريك التجاري الثالث لأفريقيا بعد الولايات المتحدة وفرنسا، إلى تبوأها مركز الصدارة منذ عام 2009 وحتى الآن.

المدخل الصيني للقارة

عملت الصين في صياغة إستراتيجية تغلغلها في القارة السمراء على الإستفادة من التجربة المريرة التي مرت بها الدول الأفريقية مع الدول الاستعمارية سابقا، ومع الولايات المتحدة بعد الإستقلال. وصاغت مجموعة من المبادئ المحددة لعلاقاتها مع أفريقيا، قد تجعلها أكثر قبولا ليس لدى النخب الأفريقية الحاكمة فحسب، وإنما لدى الشعوب الأفريقية أيضا.
الصين قدمت نفسها كدولة نامية، تسعى إلى تحقيق المنافع المشتركة، مع الدول الأفريقية، وليس إستغلالها وتحقيق الاستفادة من جانب واحد على غرار ما تفعله الدول الاستعمارية. كما أن الصين أعلنت رفضها لفكرة المنح المشروطة بإحداث تغييرات سياسية، فضلا عن كونها لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الأفريقية.
الصين أيضا لم تجد غضاضة في أن يكون لها تعاون كبير مع الأنظمة صاحبة السجل الأسود في مجال حقوق الإنسان، أو الدول المارقة من وجهة نظر الولايات المتحدة والغرب، كالسودان أو زيمبابوي.
وتميزت الإستراتيجية الصينية في أفريقيا بأمرين هامين فيما يتعلق بالمساعدات”ومجالات التعاون. فبالنسبة للمساعدات كانت حريصة على عدم تقديمها في صورة نقدية للحكام، بل تقديمها في صورة مشاريع معظمها يتعلق بالبنية التحتية، وإنشاء المساكن، والملاعب، بما يعود بالنفع على المواطن مباشرة.
وبحسب ‘الكتاب الأبيض الصادر’ عن مكتب الإعلام التابع لمجلس الدولة الصيني عام 2013”بشأن التعاون الإقتصادي والتجاري بين الصين وإفريقيا، فإنه حتى نهاية عام 2012”وقعّت الصين إتفاقيات للإستثمارات الثنائية مع 32 دولة افريقية، كما قامت بإنشاء لجان إقتصادية مشتركة مع 45 دولة، كما أن هناك أكثر 2000 شركة صينية لديها إستثمارات في 50 دولة ومنطقة أفريقية، تشمل مجالات، الزراعة التقليدية، والتعدين، والبناء، ومعالجة منتجات الموارد، والصناعة التحويلية، والمالية والعقارات.
في عام 2009 أصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأفريقيا. وبعد عامين، إرتفع حجم التجارة الثنائية بينهما بصورة كبيرة. وفي 2012 وصل حجم التجارة الإجمالي 198.49 مليار دولار أمريكي، بزيادة 19.3′ عن العام الذي سبقه، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 300 مليار دولار خلال 2014.
وفي مجال التنمية البشرية، قدمت بكين 18743 منحة دراسية حكومية لطلاب من البلدان الأفريقية بين عامي 2010 و2012، في حين عقدت دورات تدريبية لـ54 دولة ومنطقة في أفريقيا في مواضيع مختلفة كالإقتصاد، والشؤون الخارجية، والطاقة، والصناعة، والزراعة، والرعاية الصحية، وتغير المناخ.
ففي مجال الإهتمام بالرعاية الصحية للأفارقة، باعتبارها مدخلا مباشرا لعقول وقلوب المواطنين الأفارقة، أسهمت بكين خلال العقود الخمس الماضية في معالجة 250 مليون مواطن. ومن بين 113 مركزا طبيا صينيا حول العالم، هناك 42 مركزا في أفريقيا وحدها (أي بنسبة 37′)، حسب تصريحات الرئيس الصيني.
حرصت بكين على إقامة ‘منتدى التعاون بين الصين وأفريقيا’ عام 2000، وهو منتدى غير رسمي يعقد مرة كل عامين على المستوى الوزاري، وكل 3 أعوام على المستوى الرئاسي. ويشارك في أعماله عدد ضخم من الساسة، ورجال الأعمال لبحث القضايا محل الاهتمام المشترك.
ومنذ عام 1991 حرصت وزارة الخارجية الصينية على القيام بزيارة سنوية للقارة السمراء. الجديد هذه المرة أن أفريقيا تصدرت جدول زيارات عام 2014، وهو ما إعتبره مراقبون مؤشرا إلى أن 2014”سيكون عام أفريقيا بالنسبة لبكين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية