اليرموك: هل تخلّت فلسطين عن فلسطين؟

حجم الخط
5

لن استرسل في وصف المأساة، فالمخيم الشهيد الذي يقع في ضواحي دمشق يتعرض لأبشع عملية اجرامية يمكن ان تخطر في البال. لم يكتف القتلة بقصفه ودكّ بيوته وتهجير الأغلبية الساحقة من سكانه، بل شرعوا في تجويعه عبر حصار لا يرحم. شيوخ وأطفال يموتون جوعا، أجساد صارت هياكل عظمية، ونداءات استغاثة لا تجد أي صدى. حوالي عشرين ألف إنسان، هم من تبقى داخل المخيم، يواجهون اليوم موتهم قصفاً وقتلاً وجوعاً.
لا أدري بماذا تشعر البيروقراطية الفلسطينية التي تعيش في فيلّات رام الله، ولا كيف يسوّغ السيد أحمد جبريل لعناصر تنظيمه الفلسطيني المشاركة في الحصار، ولا موقف حزب الله وكتائب أبو الفضل العباس الذين ينتشرون في حي السيدة زينب، القريب من المخيم. هل قرار أن ‘لا تُسبى زينب مرتين’، وهو أحد الشعارات التي يرفعها مناصرو حزب الله في شوارع بيروت، يحمل في طياته المشاركة أو السكوت عن إبادة الفلسطينيين في مخيم اليرموك؟
عجبي! كما كان يقول صلاح جاهين، عجبي! من هذا الزمن الأرعن، الذي يباد فيه الفلسطينيون من أجل أن تنتصر الممانعة والمقاومة، والى آخر ما لا آخر له من قاموس الدم والقمع.
حكاية مخيم اليرموك يجب أن توضع في سياقها داخل الحرب المشتعلة في سوريا. فالمخيم يتعرض، كغيره من مناطق الغوطتين لحملة إبادة وحصار وقتل وتجويع. فلسطينيو سوريا يدفعون اليوم الثمن الباهظ الذي يدفعه السوريون من أجل حريتهم. وفي هذا فإن المصير المشترك للشعبين الذي تعمّد بدماء عشرات ألوف الضحايا، يؤكد من جديد أن تحرير فلسطين جزء من معركة حرية سوريا، وأن التزاوج بين الحرية والتحرير صار علامة المرحلة الجديدة التي تدخلها بلاد الشام على إيقاع الدم.
إذا كانت مأساة المخيم جزءا من المأساة العامة التي يعيشها السوريون هذه الأيام، واذا كانت فوضى السلاح فيه جزءا من عجز المعارضة السورية على بناء نصاب داخلي ثوري وديمقراطي، فإن هذا يجب أن لا يحجب حقيقة المسؤولية الفلسطينية المباشرة عن المآل الذي وصل إليه الفلسطينيون في تغريبتهم اللبنانية والسورية.
تعالوا نضع الأمور في نصابها، فخلال الحرب الأهلية اللبنانية، رفض الفلسطينيون مغادرة مخيماتهم رغم كل شيء. والمخيمان اللذان أخليا: تل الزعتر وجسر الباشا، لم يتعرض سكانهما للمذابح فقط، بل طردوا بالقوة منهما. أما مخيم شاتيلا الذي تعرض لمذبحتين وحشيتن، الأولى على يدي الإسرائيليين وزبائنتهم عام 82، والثانية على يدي النظام السوري وزبائنته اللبنانيين في حرب المخيمات، فإنه بقي صامداً فوق خرائبه الى اليوم. صحيح أن الكثير من سكانه خرجوا منه، لكن لم نشهد فيه سوى التمسك بالبقاء رغم كل شيء.
لكن حين اشتعلت النار في مخيم نهر البارد عام 2007، بعد اجتياحه من قبل مجموعة أصولية غامضة الملامح تدعى ‘فتح الإسلام’، وخلال المعارك التي دارت بين التنظيم الأصولي والجيش اللبناني، شهد الوضع الفلسطيني حدثاً لا سابق له، تمثّل في نزوح جميع سكان المخيم، الذين وجدوا أنفسهم بين نارين غير صديقتين.
كشفت مأساة نهر البارد الإهتراء الذي أصاب البنى السياسية الفلسطينية، والغياب شبه الكامل لمنظمة التحرير في القيام بدورها كممثل للشعب الفلسطيني ومسؤول عن أمنه وسلامة أبنائه.
لا يمكننا تفسير هذا الإهتراء والغياب بصعود التيارات الإسلامية فقط، بل يمكن الإفتراض بأن هذا الصعود هو نتيجة اهتراء سياسي فلسطيني بدأت ملامحه ترتسم منذ اتفاق أوسلو، واتخذ شكله الفجّ بعد هزيمة الإنتفاضة الثانية.
لقد أعفت القيادة الفلسطينية في رام الله نفسها من المسؤولية عن شعبها، حتى بدا وكأن قيادة المنظمة باتت تتصرف وكأن الشعب الفلسطيني هو أهل الضفة الغربية وغزة، أما الشتات فقد أُسقط من الحساب، نتيجة الوهم بأن التسوية آتية بدولة فلسطينية، وهو وهم قاد الى وهن شامل، حوّل المناضلين القدماء الى بيروقراطيين ينتظرون الدول المانحة كي يقبضوا مرتباتهم في آخر كل شهر.
هذا التخلي قاد الى مأساة نهر البارد، والى هذا البُكم السياسي الفلسطيني في لبنان. اما في سوريا فإنه يقود الى الكارثة. وانا لا أتكلم هنا عن مخيم اليرموك فقط، بل عن اغلبية المخيمات في سوريا التي تتعرض للدمار، بحيث امتلأت مخيمات لبنان بألوف الفلسطينيين اللاجئين من الجحيم السوري.
من الواضح ان القوتين المهيمنتين على الساحة السياسية الفلسطينية اي المنظمة وحماس، لا تملكان اية استراتيجية حول موقع الفلسطينيين في الشتات ودورهم ، وهم يشكلون اكثرية الشعب الفلسطيني، هذا كي لا نتحدث عن غياب اي رؤية حول فلسطينيي 1948، الذين يعاملون بوصفهم عرب اسرائيل!
إن هذا الغياب قاد الى سياسات ملتبسة تجاه وحشية النظام السوري في تعامله مع المخيمات، وكان يعني شيئاً واحداً هو ترك اللاجئين لمصيرهم، وإشعارهم باليتم.
إن التخلي عن فلسطينيي الشتات وعن المخيمات هو الخطوة الأولى للتخلى عن فلسطين كلها. والذين يعتقدون انهم يستطيعون بالتذاكي والمفاوضات حماية ديمومة سلطتهم تحت الاحتلال واهمون، كي لا نقول انهم متواطئون.
العلاقة شبه المقطوعة بين القيادة الفلسطينية والشتات، تعني تنازلا عملياً عن حق العودة، اما التنازل عن العلاقة بفلسطينيي 1948 فتحمل في طياتها اعترافا ضمنيا بيهودية الدولة. فعلى ماذا يتفاوض المفاوضون، أعلى الأرض التي نخرتها المستوطنات؟ ام على القدس التي يجري تهويدها؟
هل يتفاوضون؟ أم يسعون فقط للحفاظ على بقائهم في سلطة لا سلطة لها؟ أم أنهم مجرد وجه آخر لهزيمة معلنة تتذاكى على العجز بمزيد من العجز؟
أما أن تكون فلسطين بشعبها كله أو لن تكون.
يعلن اليرموك انه صار اسماً آخر لفلسطين. فلماذا يجد اليرموك نفسه وحيداً؟ هل تخلت فلسطين عن فلسطين؟
***
كانوا حوالي ستين شخصا اجتمعوا أمام مقر الاسكوا في بيروت، مساء الأربعاء 15 كانون الثاني- يناير تضامنا مع مخيم اليرموك
وكان طفل في الخامسة من العمر يقف ملوحاً بالعلم الفلسطيني. اقتربت منه كي أسأله عن اسمه، فلمحت في وجهه الذي يتلألأ وجوه كل اطفال لبنان وفلسطين وسوريا. قلت له، لا لم أقل، فالطفل كان يلعب بالعلم، ويتراقص على وقع الأغنية، وينظر الى البعيد حيث تختزن عيناه عالما متخيلا لا مكان فيه لوحشية القتلة.
خجلت من عينيه الجميلتين، خجلت من هذا العار الذي أورثناه له ولأبناء جيله، خجلت من صورته وهي تتشكّل اليوم في مخيم اليرموك على شكل أطفال يموتون جوعا وسط صمتنا وعجزنا وكلماتنا الخرساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول حي يقظان:

    أقولها بكلِّ مرارةٍ، أخي إلياس:

    طُوبى لكِ أيتها البلادُ العربية!!!

    توغَّلي في الشتاتِ والثباتِ والتفتُّت والتفكُّكِ واغتيال الذاتِ إلى أبعدَ مما تُطيق دماؤكِ “الزكية”!!!

    دعيني أصرِّحْ أمام العالَم بأسره عن سرِّ، أو أسرار، عظمتكِ التاريخية!!!

    الشعب العربي هو الشعبُ الأكثرُغيريةً وإيثاريةً ولاأنانيةً ولاقوميةً ولاعنصريةً على وجه الأرض!!!

    شعبٌ ينفي بعضَهُ بعضًا بشتى الوسائل الوحشية التي تستخدمها سائرُ حكوماتهِ “الباسلة” منذ بدء التاريخ!!!

    الفلسطينيُّ يقتلُ الفلسطينيّ
    والسوريُّ يقتلُ السوريّ
    واللبنانيُّ يقتلُ اللبنانيّ

    السوريُّ يقتلُ الفلسطينيّ
    والسوريُّ يقتلُ اللبناني
    والسوريُّ يقتلُ السوريّ

    اللبنانيُّ يقتلُ الفلسطينيّ
    واللبنانيُّ يقتلُ السوريّ
    واللبنانيُّ يقتلُ اللبنانيّ

    الفلسطينيُّ يقتلُ السوريّ
    والفلسطينيُّ يقتلُ اللبنانيّ
    والفلسطينيُّ يقتلُ الفلسطينيّ

    المصريُّ يقتلُ المصريّ
    والعراقيُّ يقتلُ العراقيَ
    والليبيُّ يقتلُ الليبيّ

    والسوداني يقتلُ…
    والــ…

    ألم أقلْ لكم إن الشعبَ العربيَّ هو الشعبُ الأكثرُغيريةً وإيثاريةً ولاأنانيةً ولاقوميةً ولاعنصرية على وجه الأرض!!!

    طُوبى لكِ أيتها البلادُ العربية!!!

    1. يقول آسال أبسال:

      أخي حي يقظان.. أحييك من صميم القلب على هذا الكلام الاسترسالي المؤثر.. كلام يصف بعمق أسر واقع شعوبنا العربية المؤلم..

      بارك الله فيك

  2. يقول سامح // الامارات:

    حصار ( مخيم اليرموك ) …وصمة عار ع جبين النظام السوري المجرم العفن
    وجميع أزلامه …وأذنابه بالمنطقة …؟؟؟
    شكرا …والشكر موصول للأخ الكاتب .

  3. يقول رامي الاردن:

    المخيم الفلسطيني هو رمز صمود الشعب في وجه الاحتلال والذوبان يراد له ان يكون رمزا للدمار وانهاء قضيه العوده الجميع ينسى معركه الكرامه 1968 مع البطولات للفدائيين والجيش الاردني بعد المعركه لم يتبقى احد من سكانه بالرغم من الالاف الذين كانوا يعيشون به وكان المخزون الاساسي للثوره وبدأت كافه القوى لتفريغ المخيمات بكافه السبل والوسائل الهدف منع التجمع الانساني والاجتماعي الذي يضمهم في وجه الذوبان وتجربه المخيمات الفلسطينيه في العراق اكبر مثال لم يجدوا بلدا عربيا يضمهم فتوجهوا للبرازيل ان شعبنا الفلسطيني هو جزء من الشعب العربي ومايجري على السوريين من دمار وقتل لايفرق بين الاثنيين اذن القضيه اكبر من مخيم اليرموك مع وقوفنا مع اهله المأساه بالقيادات عربيه كانت ام فلسطينيه التي تتاجر بهذه الجريمه وهي تعيش في رغد العيش المخيم سيبقى الرمز لفلسطيني الشتات ومن سمع تصريحات الوزير الكندي في الكنيست ستكون الصوره واضحه امامه بدلا عن العوده هجره وتهجير جديد وشكرا .

  4. يقول آسال أبسال:

    أخي حي يقظان.. أحييك من صميم القلب على هذا الكلام الاسترسالي المؤثر.. كلام يصف بعمق أسر واقع شعوبنا العربية المؤلم..

    بارك الله فيك

اشترك في قائمتنا البريدية