حتى آخر مواطن عراقي!

منذ جلاء قوات الاحتلال العسكري الامريكي من العراق، في عام 2011، بعد ان اوهنتها ضربات المقاومة المسلحة، والنظام الحاكم، يتأرجح ما بين الادعاء بالسيادة والاستقلال الوطني الكامل من كل تدخل أجنبي وما بين التوسل بالادارة الامريكية للتدخل من جديد.
تشمل حملة التوسل بالتدخل زيارات قيادة حزب الدعوة الى واشنطن واللقاء والتنسيق مع القيادة العسكرية كلما تعرض النظام لغضب جماهيري او قاربت ايامه على الاحتضار. آخر الزيارات كانت برئاسة نوري المالكي، رئيس الوزراء وأمين عام حزب الدعوة الشيعي، بتاريخ متضرعا تزويده بالسلاح المتطور لمحاربة ‘الارهاب’ وتلا ذلك طلب عدد من الوزراء، الواحد تلو الآخر، بارسال فرق خاصة واعادة تدريب القوات العراقية في بلد عربي مجاور وتمت تسمية الاردن كمكان صالح للتدريب، حسب متحدثين باسم وزارة الدفاع الامريكية.
وقد يوحي تعميم مثل هذه الاخبار بان أمريكا قد تخلت، فعلا، عن العراق، خاصة من الناحية العسكرية. مما يترك انطباعا خادعا باستقلالية النظام. غير ان هذا الانطباع هو ابعد ما يكون عن الواقع. فالادارة الامريكية لم تتخل عن مشروعها الاستراتيجي الامبريالي بالعراق وهي مستمرة به ولكن بشكل جديد يقلل من خسائرها المادية والبشرية ويحافظ على سمعتها وشعبيتها لدى الرأي العام الامريكي. ولم تخاطر بحياة مواطنيها من الشباب اذا ما كان بامكانها تنصيب حكومة تعمل كوكيل محلي، وتنفذ سياستها بالنيابة، حسب المفهوم الاستعماري القديم / الجديد الذي لخصه ببلاغة رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل حين قال بانه سيقاتل، دفاعا عن مصالح بريطانيا العظمى، حتى آخر جندي هندي؟
ما تحاول امريكا تنفيذه، الآن، هو قتالها حتى آخر جندي ومواطن عراقي لتحقيق سياستها في استمرارية جعل العراق حلبة للمبارزة بينها وبين ايران ودول الخليج، مدركة بأن افضل الحروب، ضمن الاوضاع الامنية العالمية بتعقيداتها وديناميتها، هي التي تدار خارج الحدود الوطنية الى حين غربلة الاوضاع ورسم حدود الشرق الاوسط الجديد، مستفيدة، في سيرورة الحرب، من رخص حياة المواطن العراقي في ظل نظام يجيد الدفاع عن نفسه ومصالحه فقط.
ان ‘الاهتمام الامريكي’ بالعراق، وهو التعبير المهذب للتدخل الامبريالي، بطيفه الواسع، بدءا من التدخل الانساني الى الهيمنة، مستمر، بدرجات متفاوتة، من السياسية الى الاقتصادية والثقافية والمجتمعية، بضمنها منظمات المجتمع المدني، والجانب العسكري.
ما يستوجب التركيز عليه هو جانب التسليح حيث غالبا ما يستخدم السلاح، في معظم البلدان العربية، لقمع ومحاربة المواطنين. ليست هناك معلومات دقيقة عن صفقات الاسلحة التي ابرمها النظام العراقي. اذ يحيط الغموض بالصفقات ومصادرها ونوعيتها، وان طفت على السطح رائحة الفساد الكبير الذي احاط بصفقة السلاح الروسية الذي وقعها المالكي عام 2012 بقيمة ما يقارب اربعة ونصف مليار دولار تقريبا وتم ايقافها ومن ثم اعلان تنشيطها بعد ذلك. ولم يقدم ايا من المسؤولين عن تلقي العمولة في الصفقة الروسية او غيرها او توقيع صفقات اسلحة ومعدات وتجهيزات عسكرية غير صالحة للاستخدام الى المحاكمة، مما يوفر مناخا ملائما لفساد اكبر واوسع ويعطي المسؤولين الضوء الاخضر بالتمادي نتيجة انعدام المساءلة والعقاب.
بالنسبة الى الادارة الامريكية، لم تتوقف الادارة يوما عن مد النظام بالسلاح والعتاد بانواعه، وان كانت تعلن غير ذلك، وان كانت الامدادات مرهونة، ايضا، من ناحية الكمية والنوع بمدى حسن سلوك نظام المالكي (سياسة الجزرة والعصا)، خاصة فيما يتعلق بدرجة انصياعه للنظام الايراني وحدة المناورات بين البلدين.
تثبت ذلك الجداول التفصيلية، الطويلة، الخاصة بتسليح العراق من عام 2007 الى 2012، المذكورة في كتاب ‘التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي ـ 2013’ ، المختص بقضايا التسلُّح والإنفاق العسكري، الصادر سنويا عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (يصدر عربيا عن مركز دراسات الوحدة العربية) . وتغطي الجداول قيمة الصفقات وانواع الاسلحة وتاريخ التجهيز بها. وكان تقرير لصحيفة ‘نيويورك تايمز’ الامريكية قد ذكر بتاريخ 28 كانون الاول/ ديسمبر 2011، بأن ‘إدارة أوباما تمضي قدما في بيع ما قيمته نحو 11 مليار دولار من الأسلحة والتدريب للجيش العراقي… بما في ذلك طائرات مقاتلة متطورة ودبابات، لمساعدة الحكومة العراقية على حماية حدودها’.
وفي كانون الاول / ديسمبر 2013، جاء في الصحيفة ‘ نقلا عن مسؤولين في إدارة أوباما، ان الولايات المتحدة تقدم المساعدات الفتاكة، بما في ذلك صواريخ هيلفاير 75 و 10 طائرات استطلاع (سكان ايجل) بدون طيار. كما تقوم أجهزة الاستخبارات الأمريكية، أيضا، بتوفير معلومات عن موقع شبكات القاعدة ومعسكرات المتشددين’. وقام المالكي، بتقديم قائمة تمنياته (كما يفعل الاطفال حين يقدمون قائمة بما يتمنون الحصول عليه الى بابا نويل) باسلحة اضافية وتدريب فرق خاصة لمكافحة ‘الارهاب’ خلال مهاتفته جو بايدن، نائب الرئيس الامريكي، يوم 16 من الشهر الحالي.
والمعروف ان الادارة الامريكية اعلنت، في الشهر الأخير، عن تسريع تسليم نظام المالكي الطائرات بلا طيار وصواريخ هيلفاير، بعد ان اعلن المالكي بان اعتصام المتظاهرين في محافظة الانبار، غرب العراق، يجب ان يتوقف لأن لديه ‘معلومات دقيقة ومؤكدة بوجود أكثر من 30 قياديا بارزا’ من تنظيم القاعدة فيها. وقام مستشاره علي الموسوي بتكبير حلقة الادعاء قائلا بان ‘لدى القاعدة من الاسلحة الحديثة المتطورة ما يمكنها من الاستيلاء على بغداد’. ولعل مريم الريس، مستشارة المالكي للاعلام، شعرت بالغبن وعدم تسليط الضوء عليها بما فيه الكفاية في الآونة الاخيرة فدخلت على الخط، لتزايد على المالكي ومستشاريه وكل الخبراء العسكريين قائلة بان عدد افراد القاعدة في العراق هو ‘خمسمائة الف ارهابي’. واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار بان سكان قضاء الفلوجة المحاصر والمتعرض للقصف والتهجير هو حوالي 600 ألف فهل هذا يعني، حسب تصريح السيدة المستشارة، ان جميع السكان تقريبا ارهابيون بمن فيهم الاطفال والنساء وكبار السن والمقعدون؟ ام انها تعني ان جميع رجال الفلوجة والرمادي وعموم الانبار هم من الارهابيين؟
عودة الى التسليح العسكري الامريكي للنظام بذريعة محاربة الارهاب، يخبرنا معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ضمن جداوله ان الولايات المتحدة ارسلت ما يقرب من 1.3 مليار دولار من المساعدات الخارجية إلى العراق في السنة المالية 2012. والسؤال : ما الذي حل بهذه المبالغ؟ ما الذي حصلت عليه امريكا مقابل هذه المساعدة؟ واذا ما اضفنا هذا المبلغ الى صادرات النفط الهائلة بمعدل 100 مليون دولار سنويا، هل نستغرب اذا ماكان المالكي غير مصدق بانه صار بالحكم ولن يعطيه لغيره ابدا؟ والسؤال الاهم من ذلك كله : هل يظن ساسة النظام ان بامكانهم، مهما كانت الاسلحة التي يتزودون بها والاموال التي يختلسونها، البقاء في مناصبهم على الرغم من ارادة الشعب؟ واقول الشعب لأن الظلم المهيمن على العراقيين، اليوم، لايستثني الكثيرين.

‘ كاتبة من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول بروفسور حمودي:

    ارجوا النشر

    ان قضية العراق البلد المفجوع لا تحل من دون ان تكون هنالك إصلاحات سياسية وتحقيق الشراكة القائمة على المصالحة الوطنية وتنفيذ مطالب الناس المشروعة
    ولن يكون ذلك الا من خلال حكومة وطنية تأتي من خارج رحم الاحتلال. حينئذ يكون العراق
    قادرا على حل المسببات الحقيقية للمشاكل التي تواجهها البلاد بمشاركة الجميع في الحكم وخلق تماسك سياسي واجتماعي من اجل عودة
    السلام الى ربوع الوطن.
    وتعتبر ألازمة في العراق
    من اكبر الكوارث إلا نسانية في عصرنا الحاضر.
    وكان احتلال العراق وتدميره سبب المشاكل كلها في البلدان العربية الاخرى.
    ولعبت أمريكا وإيران في تسليط بطانة حزبية عنصرية فاسدة. وهو ما يؤدي إلى وجود قدر من عدم اليقين بشأن دعم وتعاون الناس لهذه الزمرة الظالمة. والنتيجة النهائية هي أنه
    الكارثة مستمرة من دون توقف في كل يوم .واصبحت تصرفات الحكومة الفاشلة بالية من دون الاتعاظ واخذ الدرس والعبرة من الماضي.
    فهل يمضي الشعب قدما من أخذ حقه من هذه
    الزمرة الظالمة؟ ولا ينتظر اكثر من ذلك!

    و بينما كان يعاني العراق عقودا من الفوضى والحرب فان التحدي لدولة مثل العراق بهذا العدد من المشاكل الذي تتزايد بصورة كبيرة هو أن عجزالدولة في توفر الخدمات العامة ، وتلقى الناس معاملة غير عادلة من قوات الزمرة الفاشلة. كما ان الغرب متورط في
    تثبيت الحكومة في بغداد
    التي وصلت الى السلطة بارادة خارجية .
    ولا تحظي هذه الزمرة بشعبية إطلاقا .، لكن الأجواء التي تسود البلاد منذ الإطاحة بالنظام السابق تجعل معارضة الفكر والمواقف السائدة مكروهة ومستنكرة، ويعاقب عليها في كثير من الأحيان بالاعتقال والسجن وبدون محاكمة لفترة لا حدود لها
    والتعذيب والقتل كما حدثت لكثيرين. وينصب البعض من أنفسهم وصاة على النظام دون طلب مباشر منه.ويشعر الناس انه لا حماية لهم من هذه
    الفاشية الدينية الجديدة.
    وبالرغم من تعود الناس على حالة الفوضى والقتل التي تدخل سنتها الحادية عشر ولسان حالهم يقول كيف الهروب من الموت والعنف اليومي الذي
    لا مفر منهما.فمن الذي يستطيع إنقاذ العراق من المستنقع الذي وقع فيه؟لكن المسألة تبقى بدون حل وهي وضع نهاية للإرهاب وأعمال العنف سواء من قبل الحكومة او من قبل معارضيها .
    ماذا جلب الاحتلال وأعوانه للعراقيين سوى الدمار والقتل والعنف والسرقة والفساد والتبعية والتشرذم وظهور المليشيات .

    ان فكرة إقامة الحكومات بالمفهوم القانوني والعرفي هو قيامها بتوفير الخدمات وتوطيد الأمن وإقامة العدل بين الرعية. ولما كانت حكومة المالكي
    فشلت في مفهوم إقامة الحكومة الرشيدة
    فلا معنى من بقاء هذه الحكومة الباغية حتى
    ولو لليلة واحدة.فلا يبدو من وجود حل قريب بالرغم من الذعر
    الشديد والخسائر الكثيرة بين الناس . ولا سيما لا يوجد احراز تقدم وهذا يزيد المأساة قسوة وألما.
    ان العراق لا يعيش كحالة دولة كما هو متعارف
    عليه بين الدول فلا سلام ولن يتغير الوضع المأساوي على الارض في المستقبل القريب.
    وما من يوم يمر الا وتزداد مأساة العراقيين ، حيث تضاف مآسي جديدة الى مآسيهم المتكررة وذلك بسبب طغمة
    مرتبطة خارجيا ،حولت معيشة
    الناس الى وضع كارثي مروع . وانشغال العصابات الحاكمة بقضاياالنهب وشعورها بالعجز.

    ان الجيوش الغازية التي فرت وهربت وأبقت على جيوش من الأجهزة الاستخبارية وبعد ان خربت
    البلد وقتلت وشردت الملايين لا يهمها
    امر الزمرة الحاكمة في بغداد بعد ان
    سرقت وهربت المليارات من الدولارات الى البنوك
    الأجنبية ظنا منها ان ذلك سينفعها حينما تحين
    ساعة الحساب .
    ويرى الناس تراكم الثروة في أيدي العصابات الحاكمة والذين أصبحوا على حين غرة من الأثرياء، بينما يزداد الفقراء فقرا في بلد يبحر في

    بحار من النفط .

    أن اكتناز هذه المجموعة الفاسدة من الثروة الضخمة المنهوبة من الأموال العامة وهذا السبب لوحده يتسبب في اندلاع أحداث واضطرابات اجتماعية خطيرة فما بالك بأمور اخرى اكثر
    خطرا كالقتل والسجون السرية والتعذيب
    والتعاون مع الأجنبي لقهر الشعب .فلا يوجد
    رصيد أخلاقي او معنوي لهذه الحكومة بينما
    المخابرات الأجنبية في يدها القول الفصل في شؤون البلاد.

    ومع تنامي الشعور المتزايد بين الناس بان الزمرة
    الحاكمة وبطانتها لا ينبغي ان تستمر طويلا ،
    وبقاء الحال من المحال.
    لكن العجيب الغريب السكوت على الجرائم وخصوصا من الذين
    يسمون انفسهم كذبا وزورا
    بأسماء وألقاب من التكبير والتبجيل والتطبيل.العراق وقع فريسة سهلة
    للغربان .

  2. يقول عبد الله الشيخ:

    قليل من الكتاب من يضع النقاط على الحروف مثل الأستاذة الجليلة هيفاء زنكنة، بوركت، وبوركت يمينك، وبورك فكرك

  3. يقول فاروق قنديل . النمسا:

    أحسنت يا سيدتي ‘ تحليل رائع ودسم كما عودتينا دائما ، في مقالاتك .

  4. يقول talal.holland:

    الجيش العراقي البطل, يسحق داعش. وايتام القاعدة تعوي.

  5. يقول أ.د. خالد فهمي - تورونتو - كندا:

    شكراً سيدتي على هذا المقال الرائع…

    يقال أن أمريكا بأحتلالها للعراق عبر الفترة 2003-2011 ضحّت ب 4400 عسكري من شتى الصنوف وما يزيد على ترليون دولار… فمن البديهي أنها لما كانت لاتستطيع أعادة هؤلاء الى “الحياة ثانية”…فهي تريد أسترجاع ما أنفقته على تدمير العراق وقتل أبنائه عبر 9 سنوات من الاحتلال وبما أن العراق دولة غنية بمواردها فأن الاتفاقية الامنية كفيلة بهذا الموضوع وبالتالي كل ما تم صرفه سيتم أسترجاعه لخزية ” العم سام ” عن طريق صفقات سلاح…الواحدة تلو الاخرى !!!

اشترك في قائمتنا البريدية