بيروت ‘القدس العربي’ – من زهرة مرعي: عودنا الكاتب والممثل والمخرج اللبناني جو قديح منذ بداياته الفنية على تقديم عروض مسرحية ناجحة وفق أسلوب ‘وان مان شو’. هو على الدوام يستل سبابته ناكشاً ‘مبحبشاً’ في زوايا مسكوت عنها في أعماق الذات البشرية، ومن ثم تظهيرها في نص منساب كساقية رقراقة.
هذه المرة تنحى جو قديح الممثل جانباً، كتب وأخرج، وأسند تجسيد ما أراده إلى القديرة روزي اليازجي، التي نتذكرها قديماً في مسرح زياد الرحباني. ففي مسرح الجميرة، حيث قرر قديح أن تكون مساحته الخاصة في التعبير والابداع ظهرت روزي يازجي لتجسد شخصية ‘ريما’ في عرض تحول هذه المرة إلى ‘وان ويمين شو’.
على مدى ساعة ويزيد قليلاً ضغطت اليازجي في شخصيتها المسرحية المسماة ‘ريما’ كافة العواصف، التي تجتاح المرأة حين تتزوج وتنجب، تعمل وتربي أطفالها، وفي المقابل زوجها ‘نسونجي نفسو قطيعة، مشغول بعمله، ومشاهدة مباراة كرة القدم’.
في سياق العرض تبدأ الحكاية من خضوع الممثلة لكاستينغ. تقف على المسرح بمواجهة المخرج غير الموجود أصلاً، بين مشهد الجد والهزل، لتجيب على سؤال بأنها مثلت آخر مرة سنة 1997، والسبب ‘إني تزوجت’. دور المعلمة النمطي في حياة المرأة هو الذي يطلب منها تجسيده في الكاستينغ. فتستطرد دون أن يغيب عن بالها تفصيل. تضع العنوان: شو يعني تكون الواحدة معلمة؟ ويبدأ سيل سلبيات المهنة. كان ولوج إلى المهنة من ألفها إلى يائها. ومن ضمنها كان المجتمع اللبناني حاضراً ناضراً بكل ما له وما عليه من شغف بالمظاهرات.
روزي اليازجي بارعة في اشغال حيز المسرح الواسع بحركة جسدها وصوتها المعبر. وكذلك في غنائها أكثر من مرة بصوت يستطيع الوصول بصدق، مضيفاً إلى اللحظة المسرحية بعداً اضافياً من الدراما. وصلتنا قدرات الممثلة مكتملة وكبيرة خاصة مع خشبة لم يشغلها كديكور سوى كرسي شبيه بكراسي أطباء الاسنان في منتصف القرن الماضي. وهو كرسي مثّل دور كرسي الاعتراف الذي جلست عليه ريما وباحت عن مكنونات المرأة بشكل عام. والمضاف إلى هذا الكرسي طاولة جامدة ليس فيها أي معنى جمالي. فأمام هذه الخشبة شبه العارية لم تسمح الممثلة روزي اليازجي للملل بأن يتسلل إلى المتفرجين. بل هم كانوا معها بما يشبه الانجذاب والترقب للتالي.
وكما ظهرت مجيدة في تجسيدها للحظة الدرامية، كانت مجيدة كذلك في تجسيدها للحظة الكوميدية التي يحسن الكاتب جو قديح على الدوام التعبير عنها. ولشدة صدقها في التعبير عن الواقع استحقت التصفيق أكثر من مرة، كما استحقت التصفيق الحاد في نهاية العرض.
روزي يازجي، التي اعاد جو قديح اكتشافها كانت خير من يجسد دوراً في عرض مونودرامي. أجادت في توظيف جسدها، صوتها وإحساسها لصالح العرض، ولم تترك حيزاً من وجودها على الخشبة يذهب عبثاً. وفي حضورها هذا كانت لسان حال المرأة بما تقوله لذاتها في أحيان كثيرة، وبما هو معروف عنها بشكل عام. وحتى مع مرور لقطات كوميدية داخل العرض فهو لم يتعد وجود النجوم في سماء داكنة، لكن في احيان راح النص صوب الكليشيه.
في هذا النص غلبت على حياة المرأة ازمات متعددة لا تقل احداها قسوة عن الآخرى. في الزواج، في الإنجاب، قبول الجسد بعد تبدلات الولادة، شبه القطيعة مع الزوج، الامومة وما تسببه من توترات داخلية. كل هذا تجسد في ‘ريما’. ولا شك بأن في كل امرأة بعض من ‘ريما’ أو هي بكليتها تسكن فينا نحن النساء. لقد شكلت ‘ريما’ مرآة لحياة النساء. وهكذا نجح جو قديح في ما صوب عليه. ونجح في تقديم نص سلس، مرن وواقعي. نص هو بخلاف حياة النساء ‘المشربكة’ في ظل المسؤوليات الملقاة على عاتقهن. في هذا النص انحاز جو قديح إلى المرأة وكان نصيرها بامتياز.
ربما تكون خاتمة النص المسرحي صادمة، فقد دأب جو قديح على حشد العناصر الدرامية في نصه وبشكل تصاعدي وتدريجي، حتى وصل في اللحظات الاخيرة إلى التراجيديا. الطفل الذي كان ‘بقعة الضوء’ الوحيدة في حياة ‘ريما’ ارتفع إلى السماء، عندما ‘فلتو فرامات’ السيارة.
صعب أن نصدق بأن هذه هي حقيقة شريحة كبيرة من النساء العاملات، والامهات على هذا المنوال الدرامي. لكنها قد تكون كذلك.