بيروت- الأناضول: فاقم تواجد أكثر من مليون و 200 ألف لاجىء سوري على الأراضي اللبنانية من ظاهرة التسول التي تجتاح البلاد أصلا منذ سنوات في ظل التردي المستمر للوضع الاقتصادي.
وقد تحولت شوارع العاصمة بيروت، بوجه خاص، إلى ملتقى لمئات المتسولين من جنسيات مختلفة بعد انضمام لاجئين سوريين إليهم بمسعى لتأمين لقمة عيشهم.
وتنشط المافيات التي تدير “شبكات التسول”، عبر دفع عدد كبير من الأولاد إلى الشارع لبيع الأزهار أو مسح الزجاج والأحذية وغيرها من الأعمال الرمزية، بما يعرف بـ”التسول المقنع”، لجمع الأموال مقابل تأمين قليل من الطعام ومكانا يبيتون فيه.
ولعل شارع الحمرا، أبرز شوارع العاصمة، خير دليل على تفاقم ظاهرة التسول.
فقد احتل كل متسول موقعا محددا فيه، فجلست احداهن وابنها الرضيع بحضنها تنادي لتأمين الحليب وبعض الدفء له، فيما تمركز عدد من الاولاد، لم يتخط عمر كبيرهم الـ14 عاما، عند أحد المنعطفات يبيعون الورود أو يمسحون الأحذية.
ويبقى مسح زجاج السيارات الأحب الى قلوب المتسولين في بيروت، فهو لا يحتاج لجهد كبير ولا لمواد اساسية مرتفعة الثمن.
محمد ابن السنوات الـ8، اختار مهنة مسح الأحذية بعدما نزح مع عائلته من سوريا بسبب الحرب الدائرة هناك. هو يجمع حوالي 5 آلاف ليرة يوميا (3.5 دولار)، ويعطيهم لوالدته “لتضعهم في العلبة المخصصة لجمع الأموال”.
ولدى سؤاله عن سبب لجوئه إلى هذا العمل، قال لوكالة “الأناضول”: “أعمل بالبويا (مسح الأحذية) لأعيش، ما الذي يمكنني فعله غير ذلك؟”
محمد، الذي يتسول برفقة أولاد عمه في الشارع، لا يحلم بأن يصبح طبيبا أو قائد طائرة كمعظم أطفال سنّه، هو يريد أن يصبح حدادا.
حال محمد كحال عشرات الاطفال المتسولين الذين يصعب التحدث مع أغلبهم بشكل ظاهر أمام الكاميرا؛ فالبعض منهم يخشى أن تكون الكاميرا سبب لاعتقالهم والبعض الآخر يخاف من المافيات التي تديرهم.
أما من يتحدث فيبدأ باختراع قصص لا تمت للحقيقة بصلة، وهو ما يظهر جليا بالتناقض الذي يطبع رواياتهم وبالتردد الذي يرتسم في عيونهم.
نساء ورجال، أطفال وعجزة يفترشون الشوارع، خاصة أن معظمهم لا يملك أصلا غرفة تأويهم.
آمنة السورية وعائلتها المكونة من 5 أفراد، يفترقون يوميا ليتوزعوا على عدد من شوارع بيروت للتسول وتأمين لقمة عيشهم.
هي تجمع يوميا حوالي 10 آلاف ليرة أي ما يعادل (6.5 دولار) فيما يعمل زوجها كماسح أحذية.
مساء يجمعون ما كسبوه لشراء الطعام، أما مسكنهم فتحت أحد الجسور في بيروت.
وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، فمنذ عام ونصف تم توقيف أكثر من 1500 متسول، ينقسمون بين متسول عادي ومتسول مقنع، وهو التعبير الذي يُستخدم للتعريف عن البائعين المتسولين.
وأشار مدير العلاقات العامة في قوى الامن الداخلي، المقدم جوزيف مسلم، في تصريح لوكالة الأناضول إلى أن ظاهرة التسول ارتفعت بشكل كبير مؤخرا بسبب النزوح السوري إلى لبنان، وتردي الأوضاع الاقتصادية لمعظم اللاجئين.
ولفت إلى أن دورهم كقوى أمن قمع هذه الظاهرة ومنعها، إلا أن ذلك ليس كافيا، بسبب عدد المؤسسات الاجتماعية التي ترعى المتسولين والتي لا يتخطى الاثنتين.
وأشار إلى أن الأشخاص الـ 1500 الذين تم توقيفهم، وهم من جنسيات مختلفة، متهمون بـ”تجارة التجول والتسول”.
وأوضح مسلم أن عددا من المشاكل تواجه القوى الأمنية بعد توقيف المتسولين، خاصة في ظل نقص الأماكن ومنظمات الرعاية الاجتماعية الحكومية وغير الحكومية القادرة على إعادة تأهيلهم.
وشدد على أن حل هذه الظاهرة ليس عبر توقيف هؤلاء وإنما عبر “معالجة أسباب لجوئهم إلى الشارع وذلك من خلال تأمين فرص عمل لهم وتسجيل الأطفال في مدارس؛ لأن وجودهم على الطرقات يعتبر انتهاكا واضحا لحقوقهم”، لافتا الى انّه “وفي حال نفذت هذه الخطة يصبح عددهم على الطرقات قليل ومن هنا نصبح قادرين على استيعاب اعدادهم ومعالجة هذه الظاهرة”.
ولفت مسلم إلى أن “كل متسول هو خارج عن القانون”، ويجب توقيفه، فاذا كان الشخص قاصرا، يتم توقيف ولي أمره، أما إذا كان المتسول راشدا فعندها يعود القرار النهائي للنائب العام سواء بسجنه أو يجعله يتعهد خطيا بعدم التسول من جديد.
وأضاف: “نحن نعيش في دائرة مفرغة، فعندما نوقف مثلا الشخص المسؤول عن توظيف المتسولين، نسلم القاصر (الذي يستخدمه للتسول) لدار رعاية، لكن غالبا ما تكون الدار مكتظة، لا بل فيها فائضا (من المتسولين)”، مما يعيد القاصر الى الشارع مجددا.
ودعا مسلم المواطنين لعدم اعطاء الاموال للمتسولين بل التبرع بها للجمعيات التي ترعى هؤلاء المشردين.
ورأى أن ظاهرة التسول بحاجة لدعم خاص من المؤسسات التي تعنى بشؤون الاطفال لحمايتهم ورعايتهم، “فلا يجب أن ننسى أطفال الشارع؛ لأنهم سيتحولون في المستقبل إلى أشخاص، ربما مجرمين وغاضبين من المجتمع بسبب الانتهاكات التي تعرضوا لها في صغرهم”.
ويُعد “بيت الرجاء” الواقع في منطقة الكحالة في جبل لبنان، الامل الوحيد لأطفال الشوارع في لبنان والمتخصص برعاية المشردين منهم والمعرضين لخطر الانحراف.
ويقول ماهر طبراني، مدير مركز “بيت الرجاء”، إن هدفهم هو “خدمة الأطفال بغض النظر عن دينهم وجنسيتهم وطائفتهم”، مشيرا إلى أنّهم “المؤسسة الوحيدة في لبنان التي تستقبل أطفال مشردين”.
وتبقى القدرة الاستيعابية لـ”بيت الرجاء” محدودة فلا تسمح تجهيزاتهم ولا الكم المحدود من المساعدات التي يتلقونها باستقبال أكثر من 70 طفلا ترسلهم اليه القوى الامنية بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية، “اذ لا يحق لنا كمؤسسة سحب اي طفل من الشارع والا يمكن اتهامنا بالخطف”، بحسب طبراني.
رامي ابن الـ 14 سنة يقطن في “بيت الرجاء” منذ 5 سنوات، وعلى الرغم من انه يحظى بالحد الأدنى من مقومات الحياة على خلاف اصدقائه الذين يعيشون على الطرقات، فقد طبع اليأس شخصيته.
ويختصر رامي وضعه قائلا: “كنت أعيش في الشارع بسبب مشاكل امي وابي في البيت، لم اكن اتسول كنت فقط اعيش بالشارع”.
وتابع “كنت في احدى المرات اتناول الطعام في مطعم الا أن صاحبه ظن انني متسول فقام بالاتصال بالدرك وهم من حولوني الى هنا”.
ولفت رامي الى انه يستمتع بوقته داخل المركز، “فهناك العاب واصدقاء فيما اهلي لا يسألون عني”.
اما عن مستقبله فيكتفي رامي بالقول: “لا اريد ان افعل شيئا”.
وعن فترة الاقامة في “بيت الرجاء”، أشار طبراني الى ان هناك من يبقى بين 10 و 15 يوما فقط وهناك من يعيش في المركز لسنوات عدة.
وأوضح أن المسؤولين عن المركز يحاولون رعاية واقناع الأطفال الذين يقضون مدة قصيرة في “بيت الرجاء” بعدم العودة الى الشارع من جديد وتعليمهم المبادىء الاساسية ليتمكنوا من الانخراط داخل المجتمع، أما القسم الذي يبقى لوقت اطول فيتم اخضاعه لبرامج تأهيلية، فيشارك في صفوف محو امية وصفوف مهارات اجتماعية.
وتابع: “هذه السنة وبدعم من اشخاص معينين تم تسجيل عدد من الاطفال في معاهد ليتعلموا مهنا”.
اما عن متابعتهم للاشخاص بعد خروجهم من المركز، قال: “هناك حالات نتابعها وحالات تختفي فور خروجها.. هناك فتاة خرجت من عندنا وارغمتها والدتها على الزواج من رجل بعمر جدها، الا اننا استطعنا وبمساعدة المحكمة من أن نؤمن لها مؤسسة اخرى ترعاها.”
ويعاني القيمون على “بيت الرجاء” من تكرار عمليات فرار بعض الأولاد “الذين يدمنون حياة الشارع”.
ويقدم المركز لقاطنيه الـ70 العديد من النشاطات، فهناك غرفة خاصة لمشاهدة التلفاز واخرى خاصة للتعليم تماما كالمدرسة واخرى للموسيقى، ولكن وبالرغم من كل الجهود التي تُبذل يبدو أن هؤلاء الأطفال يفتقدون دفء العائلة بعد تشردهم في الشوارع وتواجدهم في مؤسسات لا يحبون التقيد بقوانينها.