عالم بشار السري على ‘أورينت’ وجديد معجم الثورة: ‘حالش’

سليم البيك

على كثرهم، لن يكون من السهل فهم عقليات الطغاة، رؤوس الديكتاتوريات التي مرّت على هذا العالم، وإن اشتركوا بسمات أساسية من تضخّم الأنا لديهم إلى حد التأليه، إلى السادية والتلذذ بتعذيب الآخرين. إلا أن هنالك في شخصية كل فرد من هؤلاء ما يميّزه عن الباقين، في حال بشار الأسد، الزناخة، إلى جانب ميزات أخرى.
من بين أمور كثيرة، نعرف عن الزناخة تلك من خلال وثائقي أنتجته قناة ‘أورينت نيوز′ وعرضته في خمسة أجزاء بعنوان ‘عالم بشار السري’، يتناول فيه المراسلات الالكترونية للديكتاتور بعد ‘القرصنة الأخلاقية’ لبريده الالكتروني من خلال متخصصين سوريين. لم يكن البرنامج عن تلك الزناخة، بل عمّا حوته الرسائل وما يمكن أن تنقله عن شخصية هذا الديكتاتور المريضة.
يُظهر البرنامج علاقات ومراسلات بشار الغرامية والملتبسة، التي تخلّلت المجازر المرتكبة بحق السوريين، مع شخصيات معروفة كالمستشارة الإعلامية الضاحكة في مؤتمر جنيف 2، وابنة مندوبه في الأمم المتحدة وأخريات. كما يظهر هوس زوجته المنشغلة (عنه) بـ’الأون- لاين شوبينغ’، صارفة مبالغ هائلة من دم السوريين!
سمع الكثير منّا عن كل ذلك سابقاً، إلا أن الجديد في الوثائقي هو توثيقها ونقل المراسلات حرفياً، وفوق ذلك، إعلام المشاهد بتواريخ المراسلات وعرض ما ارتكبه النظام من مجازر في تلك التواريخ تحديداً. كأن يشاهد بشار أغاني على ‘يوتيوب’ أو يمازح إحدى ‘عشيقاته’ بأقصى ما يمكن من الزناخة المتاحة لديكتاتور، في وقت ترتكب فيه قوّاته ما بتنا نعرفه من همجية وجرائم حرب.
البرنامج ممتاز، توثيقي بأسماء وتواريخ وتفاصيل ضرورية لفهم الحد الأدنى من عقلية هذا الدكتاتور ونظامه، والأهم لتوثيق رواية الثورة وتأريخها لاحقاً.
لكن هنالك ما لا بدّ قوله إعلامياً هنا، أولاً لم تول ‘أورينت نيوز′ البرنامج حقّه الترويجي قبل عرضه لأهمية ما يحتويه، وثانياً عزوف باقي القنوات الإخبارية العربية عن الإشارة للوثائقي وما يحويه من معلومات، ولو في خبر، في حين أن هذه القنوات، لو كانت المنتجة للبرنامج لاحتفت به شهراً قبل عرضه.

بوتين وقضاء الـ’ USB’

نموذج آخر من الديكتاتوريات، المافياوية، هو فلاديمير بوتين، ففي وثائقي بعنوان ‘روسيا خلف القضبان’ عرضته قبل أيام قناة ‘العربية’، يمكننا الاطلاع قليلاً على القضاء في روسيا، وإن فسد القضاء فسد نظام الدولة بالكامل وهو الحال هناك.
يحكي الفيلم عن الفساد المستشري في القضاء والشرطة الروسيين وعن الطبيعة المافياوية المتحكمه بهما. يشير إلى أن 99 بالمئة من المحاكمات تنتهي بالسجن، أي ما يفوق النسبة التي كانت إبان حكم ستالين، وأنها في معظمها محاكمات كيدية، يتم تلفيق التهمة وتدبير أدلّتها (من قِبل الشرطة) وكلّ ذلك طبعاً للوصول إلى ما يرضي بوتين وأتباعه من رجال الأعمال ومجمل نظامه.
تقول رئيسة إحدى الجمعيات الحقوقية في الفيلم بأن المطرقة هي رمز العدالة والقضاء في العالم، أما في روسيا فرمز القضاء هو مفتاح الـ USB، لأنه ببساطة في يوم إقرار الحكم يصل للقاضي مفتاح USB يحوي قرار المحكمة، يطّلع عليه ثم يقرأ حكمه على أساسه.
نظام كهذا، يتحكّم بالقضاء فيه كأنه أحد أجهزته المافياوية، هل نتوقّع منه كعربٍ أن لا يكون الداعم الدولي الأساسي لنظام بشار الأسد أو المؤيد الدولي الأساسي للسيسي في ترشحه للرئاسة؟ الطيور على أشكالها تقع، وتسقط هي وأشكالها إلى مكبّات التاريخ.

الأسلحة المحلَّلة دولياً

عرضت قناة الحدث (العربية الحدث سابقاً) تقريراً عن رصد ناشطين سوريين لقنابل عنقودية وهي المحرّمة دولياً، حيث استخدمها النظام في قصفه قرية في ريف حماه، وقد أشارت القناة لتقارير لمنظمات دولية كـ ‘هيومن رايتش ووتش’ (رايتش، على ذمّة شاشة الحدث!) التي ذكرت أن القنابل هذه تصنّعها روسيا، وأنها حتى الآن استُخدمت في أكثر من تسع محافظات على الأقل.
هو الحديث ذاته في ما يخصّ السلاح الكيماوي، فالنظام مستمر في قتل الناس منذ ثلاث سنين، بشتى أساليب القتل، من السكين إلى التجويع مروراً بالبراميل، أما الكيماوي والعنقودي فهي للتنويع والإبداع في العملية الإجرامية، أي أن النظام مستمر في كل ذلك، أكان لديه كيماوي أم لم يكن، أكان لديه عنقودي واستخدمه مع الكيماوي أم لم يكن، ووتيرة القتل تزداد مع الأيام بكل الأحوال.
بدل أن تكون المنظمات الدولية والمجتمع الدولي إجمالاً ‘قلقين’ إزاء استخدام أسلحة محرّمة دولياً، ويغضون الطرف عن الأسلحة غير المحرمة دولياً وهي الأكثر فتكاً بالشعب كما تبيّن حتى الآن، لمَ لا يكونون فعلاً ‘قلقين’ من الجهة المستخدمة لهذه الأسلحة ويتصرّفون حيال ذلك؟
فالسلاح إن حُفظ ‘جيداً’ في مخزنه لن يقتل أحداً، ليس هو المشكلة في الحقيقة، بل الديكتاتور الذي يذهب إليه وينتشله ويبدأ عمليات القتل الجماعية فيه، وهذا الديكتاتور إن لم يجد طريقه إلى هذا المخزن سيجد ألف طريقة لقتل الناس، أقلّها اعتقالهم والتلذذ بعمليات القتل السادية والبطيئة في الأقبية.
لم تكن المشكلة يوماً طبيعة السلاح، بل باستخدامه، مهما كان السلاح، وهل قتلت القنابل العنقودية في سوريا بقدر ما قتلت البراميل الهمجية؟ وهل قتل الكيماوي بقدر ما قتلت صواريخ السكود (باعتبار أنه مُحلّل دولياً ولا يثير استخدامه على رؤوس السوريين قلقَ المجتمع الدولي)؟ وهل قتلت هذه وتلك بقدر ما قتلت رصاصات جميع التنظيمات المسلحة التابعة للنظام والحرس الثوري الإيراني، وهو السلاح الأكثر تقليدية في الحروب على ما أعتقد؟

جديد معجم الثورة: ‘حالش’

كما اخترع الناشطون السوريون مفردة ‘داعش’ هازئين من الدولة الإسلامية في العراق والشام، ها هم يخترعون اسم ‘حالش’ هازئين من حزب الله، وهما التنظيمان المشاركان عسكرياً في حرب النظام السوري على الشعب، الأول بشكل غير مباشر وبالتقاء مصالح (هنالك من يطرح الأمر كشكل مباشر واتفاق مسبق) والأخير بتعاون استراتيجي بينه وبين النظام، في تحالف جيو- طائفي شاركته فيه منظمات عسكرية طائفية أخرى قادمة من العراق واليمن وإيران، وكلّها من منطلقات وتحريضات طائفية.
إن كان الواقع طائفياً فلا حرج في أن نطرحه كما هو دون أن ننجر لشروطه ومنطقه، كان الحال كذلك أيام ‘المارونية السياسية’ في الحرب الأهلية اللبنانية، وهو الحال كذلك طوال حكم آل الأسد في ما يمكن أن يُسمّى بـ ‘العلوية السياسية’، وهو تماماً كذلك الآن في ما يمكن أن يجمع كل الوافدين إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام، وهي حصراً جماعات من طائفة واحدة تقاتل تحت نداءات وعناوين وحجج طائفية، وعلناً، وتتبع، كذلك علناً، ولاية الفقيه في إيران وحرسه الثوري. ما يجمعها كلّها يمكن أن يُطلق عليه ‘الشيعية السياسية’ المتخطية للوطنيات والقوميات لتقديم الخدمات العسكرية لممثلي ‘الشيعية السياسية’ وحلفائهم (كالعلوية السياسية) في المنطقة.
لما فيه من إشارة لطائفة الحزب، لم أكن لأستسيغ تسمية ‘حالش’ كونها اختصارا لـ ‘حزب الله اللبناني الشيعي’، لولا حصرها ضمن النهج السياسي المسمّى بـ ‘الشيعية السياسية’، دون الدخول في أخطاء التعميم الطائفي (وهو تصرّف طائفي بحد ذاته) الذي يجرّ جميع أبناء طائفة معينة بجريرة حزب و تنظيمات ارتكبوا من جرائم الحرب ما ارتكبوه، بحق السوريين.
‘حالش’ تسمية مناسبة لهذا الحزب لما يوحي به من تشابه استراتيجي مع ‘داعش’، تحت شعار ‘الأسد أو نحرق البلد’، ‘حالش’ تقاتل لأجل الأسد، و ‘داعش’ لأجل إحراق البلد، النتيجة واحدة. أما السوريون ودولتهم الحرة الديمقراطية المدنية التي يضحّون لأجلها فيقاتلون على جبهتين: ‘حالش’ و’داعش’.
أخيراً، كما هي الحال مع ‘داعش’، لمَ لا تبدأ نشرات الأخبار بالإشارة للحزب كالتالي: حزب الله المعروف بـ ‘حالش’.

*كاتب فلسطيني
twitter: @saleemalbeik

Email this page
Share on Facebook