تسريحة توقف الفضيحة… وربيع العرب تستورده أوروبا!

د. صبري صيدم

ما أن انفرط العقد في العاصمة الأوكرانية كييف وتوارى رئيس البلاد عن الأنظار حتى عاد نجم زعيمة المعارضة السجينة للسطوع بعد أن أخرجت بقرار برلماني من السجن واعتلت منصة المحتجين معلنة استكمال ثورتهم حتى تحقيق مطالبهم.
الرئيسة العائدة يوليا تيموشينكو التي فتنت العالم بتسريحتها الأوكرانية الفلكلورية عادت بقوة إلى دائرة الضوء ساعية لاعتلاء سدة الحكم ومحاولة في الآن ذاته تطهير اسمها من تهم الفساد لدرجة أنها قررت وفي نفس اللحظة التي هاجمتها فيها إحدى الصحافيات أن تدافع عن نفسها وعلى طريقتها دون انتظار المحاكمة أو أية مداولات قضائية.
بطلة هذا المشهد كانت من جديد تسريحتها العجيبة والتي انتقدتها تلك الصحفية بالقول لتيموشينكو بأن التكلفة اليومية لهذه التسريحة تكفي لإطعام عدة عائلات أوكرانية، فما كان من تيموشينكو إلا وحلت شعرها وأعادت تصفيفه بيدها خلال ست دقائق لتثبت للصحافية بأنها كاذبة في ادعائها وأن الرئيسة الخمسينية هي من تصفف شعرها بيدها مطالبة الصحافة بالكف عن الفضائح!
في تلك الأثناء كانت شبكات الإعلام الاجتماعي تتناقل صوراً لقصر الرئيس الهارب فيكتور يانوكوفيتش متهمة إياه بالبذخ والترف والثراء الغير مشروع.
حرب الفساد والفاسدين ومعارك الساحات والبيانات ونار المحاكمات الآنية والصحفية المتلفزة وصخب الاجتماعات والمظاهرات ورسائل الجيش المحايد المراقب ولهيب القرارات المرتجلة المتعاقبة وفرار الرئيس وإطلاق سراح المناهضين والمعارضين وصراع منصات التواصل الاجتماعي، كلها مشاهد سجل ما سمي بالربيع العربي براءات اختراع فيها، فهل انتقلت رياح التغير المستعرب إلى عواصم الحليب والعسل؟
خلاف موسكو وواشنطن وصراع المصالح وحرب الغاز ومعارك السيطرة والتحكم الاستراتيجي ومنصات الدروع الصاروخية باتت كلها بامتياز سيدة الموقف، أما الناس والبؤساء والمجتمعات والاقتصاديات والجغرافية والعناوين ما هي إلا تفاصيل.
حرب الربيع العربي والغربي اليوم هي حرب الامتيازات والمحاصصات وتوزيع الكعكات التي تستحضر وبصورة واضحة إنتاجاً متجدداً لفنون السيطرة، ونسخاً متطورة من سايكس بيكو عالمي جديد يضمن توزيع المغانم والسيطرة بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والتغيير.
حرب الضعفاء العائمين في همومهم ومطالبهم الآدمية البسيطة بالعيش بكرامة وحرية وديمقراطية، تقابلهم نيران المغانم القائمة على تمزيق الممزق وإعادة توزيع الثروات بصورة تضمن تحاصصاً جديداً في كعكة الامتيازات، بينما يعيش أناس لا حول ولا قوة لهم موسوعة ضياعٍ جديدة.
موسوعة متلفزة وممجوجة في حربٍ يساقوا إليها ‘فيتباطحون’ على الفضائيات دون أن يعلموا فيها بأنهم ليسوا الفاعلين بل المفعول في أحلامهم وأمانيهم.
اليوم تختلط الأوراق ويتصارخ الخصوم فتزداد هموم الناس وترتفع وتيرة قلقلهم.
حالٌ مبك لمن يدخل في تلافيفه وحال مضحك لمن ينظر من خارجه، فيجد الناس وقد ‘شربوا’ فيلم الحرية فباتوا بلا حرية وبلا أمان، تقتسم بلادهم وتوزع ثرواتهم وتتحطم أحلامهم بينما تنام ‘تل أبيب’ في هدوءٍ وسكينة وهي تتفرج وتضحك وتتشفى بأمة مزقها البؤس وربيعٍ يجري تصديره من عالمٍ إلى عالم.
فهل تكون أوكرانيا المستورد الأول لربيع العرب؟

‘ كاتب فلسطيني
s.saidam@gmail.com

Email this page
Share on Facebook