فلسطين لا تقبل القسمة على اثنين

د. فايز رشيد

Mar 20, 2014

رفض أهلنا في فلسطين المحتلة وأبناء أمتنا العربية بلا استثناء، مشروع الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين المعبّر عنه في قرارها رقم 181 الذي أصدرته في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، الداعي إلى قيام دولتين:عربية ويهودية. نتذكر ذلك في وقت ترتفع فيه أصوات فلسطينية وعربية كثيرة تتباكى على ذلك الرفض، وتتمنى لو أن الفلسطينيين والعرب قبلوا بذلك التقسيم، من وجهة نظرهم، ما كنا تعرضنا إلى ما نتعرض إليه الآن من مآس ونكبات منذ عام 1948 (قيام إسرائيل) وحتى اللحظة.
هؤلاء للأسف، لا يعرفون حقيقة العدو الصهيوني ولا مشروعه في المنطقة، القاضي بقيام دولة يهودية في كل الأراضي الفلسطينية، باعتبارها ‘الأرض الموعودة لليهود’، كمقدمة لإنشاء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. حتى لو قبل أهلنا آنذاك بالقرار، لرفضته إسرائيل ولحالت بريطانيا وأتباعها والولايات المتحدة دون تنفيذ جزء القرار المتعلق بإنشاء الدولة الفلسطينية، التي سمتها الأمم المتحدة آنذاك (دولة للعرب)، هذا أولاً.
ثانياً: المشروع الصهيوني الذي رُسم أساسه ووُصفت مبادئه في المؤتمر الصهيوني الأول في بال في عام 1897، دعا إلى تجميع كل اليهود في الدولة اليهودية (التي عنت وتعني كل فلسطين من النهر إلى البحر)، لذلك اول ما قامت إسرائيل قبيل إنشائها على أيدي العصابات الصهيونية وبُعيده على يدي جيشها هو، اقتلاع ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من أرضهم، والقيام بتهجيرهم قسرا إلى الخارج، على قاعدة ‘أرض أكثر وعرب أقل’، بالتالي لو جرى إنشاء دولة فلسطينية آنذاك لقامت إسرائيل باحتلالها، ثم أن الموافقة على إقامة دولة لليهود على أي جزء من فلسطين يعني الموافقة والقبول بالشعارات والأضاليل المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، لذلك فإن موقف أهلنا من قرار التقسيم كان مصيباً.
ثالثاً: انطلق المشروعان الصهيوني والإمبريالي من تذويب مصطلح ‘الشعب الفلسطيني’، ولذلك حاولوا طمس الهوية الفلسطينية، وتم تصوير مشكلة الفلسطينيين بأنها مشكلة لجوء إنساني لبضعة آلاف من دولة عاشوا فيها كـ’أقلية’. هم في ‘خروجهم الاختياري’ منه أصبحوا لاجئين، وهم بحاجة إلى مساعدات دولية إنسانية للانتصار على ظروفهم . تم تجاهل قضيتهم الوطنية تماماً، وحتى عام 1967 (قبل الحرب وظهور المقاومة الفلسطينية) انمحت بشكل نسبي الهوية الوطنية الفلسطينية، سوى من أحزاب وطنية قومية ركزّت على الهوية التحررية الوطنية للشعب الفلسطيني. لقد أنشات الأمم المتحدة وكالة الغوث الدولية لمساعدة الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا) ولم يتم إلحاق اللاجئين الفلسطينيين بالوكالة الدولية للاجئين (التابعة للأمم المتحدة) أسوةً باللاجئين من الدول الأخرى، لأن الأمم المتحدة ملزمة والحالة هذه بإعادتهم إلى وطنهم، على الرغم من صدور قرار الأمم المتحدة رقم 194 الداعي إلى حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مدنهم وقراهم وأراضيهم.
رابعاً: لم تكن إسرائيل بحاجة إلى سبب لاحتلال الجزء المتبقي من فلسطين في عام 1967، لكن هذا الاحتلال جاء أسرع مما كان متوقعاً، مستغلة الأحداث التي جرت في ذلك العام للقيام بخطوتها الاحتلالية، وبذلك قامت إسرائيل بتنفيذ المرحلة الأولى من مشروعها، وهو الخطوة الاحتلالية لفلسطين من النهر إلى البحر، وبذلك تستطيع إسرائيل استقدام الملايين من اليهود من مختلف أنحاء العالم، ولذلك سارعت إلى ضم مدينة القدس ومحاولة تهويدها بشكل تدريجي، وأصيبت بسعار الاستيطان الذي ما زالت ماضية بحلقاته حتى اللحظة. ومع انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية وبدء التساؤلات الدولية حول الهوية التحررية للشعب الفلسطيني، وبفعل المقاومة والتضحيات الفلسطينية، بدأ العالم في فهم الأبعاد الحقيقية لولادة قضية اللاجئين الفلسطينيين، ونتيجة أيضاً لارتفاع التضامن الشعبي الأممي مع الشعب الفلسطيني وتأييد قضيته الوطنية من قبل دول عدم الإنحياز والدول الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، فإن هذا التضامن عبّر عن نفسه في اعتراف دولي بالظلم الذي تعرض له الفلسطينيون بفعل الجرائم الإسرائيلية، وبدء اتضاح المشروع الصهيوني وحقيقة الصهيونية، وبفعل المقاومة الفلسطينية بدأ التضامن والدعوات الدولية لإنصاف هذا الشعب، والدعوة إلى أهمية أن يعيش في وطن مثله مثل كل الشعوب الأخرى.
خامساً: كان من الصعب على إسرائيل مواجهة هذه الحملة الدولية، والانتقادات الكثيرة التي توجه إليها، فبدأت تتعاطى مع التسويات، ولكن على قاعدة ‘نعم ولكن’، أي في دعوة واضحة ومطلقة بدأت تتهرب (بالمعنى الفعلي) من توقيع السلام مع الفلسطينيين، وصل الأمر إلى هذا الحد بشكل تدريجي، ولكن على قاعدة الادعاء بقبوله ومن ثم إفشاله من داخله، ثم ابتدأت المشاريع الدولية تظهر واحداً بعد الآخر، وبدأ مؤتمر مدريد بعد سنوات طويلة ـ بعد حربي عام 1973، وعدوان 1982 على لبنان، وبعد اتفاقية كامب ديفيد المشؤومة ـ ثم جرى توقيع اتفاقيات أوسلو وسط وضوح إسرائيلي كامل بالنسبة لحدود التسوية مع الفلسطينيين، حكم ذاتي على القضايا الإدارية والحياتية للسكان، ضمن لاءات خمسة حددتها إسرائيل وشكلت قاسماً مشتركاً أعظم بين كافة ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي. كل ذلك جاء بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية وظهور عالم القطب الواحد. لقد بدأت التنازلات الرسمية التدريجية الفلسطينية التي وصلت إلى الحد الذي نراه الآن. كل تنازل رسمي فلسطيني قوبل بشرط إسرائيلي جديد، وذلك لتفجير الحل من داخله، فمجرد قيام دولة فلسطينية، حتى لو كانت عبارة عن حكم ذاتي، مسألة لا تريدها إسرائيل، وترى فيها نقيضاً لها، وبداية لنهايتها، بالتالي تعمل إسرائيل على عرقلة قيام مثل هذه الدولة حتى لو قام الفلسطينيون بتنفيذ كل شروطها.
سادساً: بالنسبة لاستكمال المرحلة الثانية من المشروع الصهيوني وهي، إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، فإن المستجدات السياسية والأحداث، وطبيعة التطور حدّت من الاندفاعة باتجاه تحقيق هذا المشروع. هذه هي العوامل الموضوعية، إضافة إلى أنه بدأت الاستعاضة بالاحتلال الاقتصادي والسياسي كبديلين للاحتلال المباشر. أما العوامل المعيقة الذاتية الإسرائيلية لتنفيذ المشروع فأبرزها: عدم وجود القوى (العدو) الديموغرافية الإسرائيلية للقيام بمثل هذا المشروع، لذا فإن الطروحات الإسرائيلية الأمريكية بدأت لإنشاء شرق أوسط جديد تكون إسرائيل هي القوة الفاعلة والرئيسية فيه. عربياً على صعيد الشعوب ابتدأ أدراك حقيقة إسرائيل، وضرورة مقاومتها ووقف تمددها.
سابعاً وأخيراً: ان فلسطين بالمعنيين الواسع الكبير، والعام والخاص هي فلسطينية عربية خالصة، وعلى ضوء طبيعة الصراع وعوامله، وبسبب من حقائق التاريخ والجغرافيا، وقيم العدل والمبادئ والحقوق، وبسبب أيضاً الرفض الإسرائيلي لكافة أشكال الحل، إقامة دولة فلسطينية أودولة ديمقراطية أو دولة واحدة أو دولة ثنائية القومية أو دولة لكل مواطنيها، فإن فلسطين لشعبها الفلسطيني العربي، من النهر إلى البحر، وفي نظر شعبها وأبناء الأمة العربية، فإن .

‘ كاتب فلسطيني

- -

4 تعليقات

  1. نتيجه وجود العقم السياسي العربي والاسلامي عامه والفلسطيني خاصه هو الذي ساعد الاستعمار علي تنفيذ سياساته الوحشيه والهمجيه والبربري علي حساب هذا الوطن وهذا الشعب ..بدون ادني شك في ذلك …ولهذا السبب نعيش في انحطاط في جميع مناحي الحياه …كما يعود ذلك الي النزاعات الداخليه بين القوي السياسيه منذ حزب الدفاع الوطني المتمثل بزعامه النشاشيبي …وحزب الحسيني …ولنا جميعاً اخطاً …وبذلك لا ولن نتعلم من التاريخ ..بان التفرقه والنزاعات هي من اسباب هذه الماًساه التي يعيشها ابناًنا في مخيمات المذله والبوًس ….والان هناك نزاعات شخصيه وقياديه وو وو و. وراواتب …وكل ما نتخيله من فساد وانحلال ..اي الكل ضد الكل …والوطن العربي زاد انقسامات ..وهذا جريمه في حقناً ايضاً …النشاشبي ..التاريخ يجب ان يكون عبره لنا ..وبدون الوحده العربيه والاسلاميه في خندق واحد ضد الاستعمار لا ولن نحرر شبر واحد من ارض فلسطين …حقيقه وواقع …وبهذا علينا العمل علي هذا المحور. الوحده .الوحده …والتقدم العسكري ..وسلاح البترول ..والمحاربه الاقتصاديه …..وبدون الوعي ..والعمل الوطني الشريف الخالص بدون النضال التحاري …نحقق المعجزات بالتصميم وفوه الحكمه والاراده ……..
    …..المنكوب ..بسبب هذا العقم السياسي والعسكري والاقتصادي …AL NASHASHIBI 

  2. لماذا تذهب بعيداً إلى الفرضيات يا أخ فايز رشيد، أليس ما قامت به إسرائيل وما تقوم به كاف لإثبات حقيقة أن إسرائيل كانت تكذب وتراوغ في إدعائها بقبول قرار التقسيم لعلمها بأنها لم تكن لتستطيع أن تثبت رجلها على الأرض وتحقق المخطط الصهيوني لو أنها طالبت بكل فلسطين، وأن قبولها لم يكن سوى تكتيكياً، ولكنها وكما أثبتت عملياً رفضت قرار التقسيم على الأرض؟ ألم تقم المنظمات اليهودية الإرهابية عام 1948 بغزو الأراضي التي كانت مخصصة للدولة الفلسطينية حسب قرار التقسيم وإحتلال أكثر من نصفها؟ ألم تقم إسرائيل عام 1967 بإحتلال كامل فلسطين؟ ألم تضم إسرائيل القدس بقسميها الغربية والشرقية إليها، بالإضافة إلى الجولان السوري؟ ألا تستمر إسرائيل في مصادرة الأراضي ويناء المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية؟ ألم تطرد أكثر من 75% من الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه وتصادر أملاكه وبيوته المفروشة لتسكن بها يهود أتت بهم من زوايا الأرض الأربعة؟؟ ألا ترفض الإنسحاب من الأراضي التي تحتلها خارج قرار التقسيم؟؟؟ إن من يعتقد من العرب أنه في مأمن من إسرائيل وبأنه لا يدفع ثمن إحتلالها وعدوانها وعنصريتها فهو جاهل مغفل ما عليه سوى بدء العودة للدراسة والإطلاع والإنتماء لوطنه وشعبه قبل كل شيء لأن أي منتمي لشعبه ووطنه سوف يعلم ما هي إسرائيل ولماذا أنشأت في قلب العالم العربي والثمن الذي يدفعه وسوف تدفعه الأجيال من بعده طالما أن هذا السرطان الإستعماري العنصري موجود في وطننا العربي.

  3. AHSANT DR. FAYEZ. THIS IS A REMARKABLE ARTICLE. YOU STATED MANY FACTS ABOUT IZRAEL , EVERY PALESTENIAN NEED TO READ YOUR ARTICLE TO KNOW AND TO GAIN KNOWLEDGE ABOUT WHAT HAPPENED TO PALESTINE SINCE THE END OF 1800 CENTURY, PALESTINE AS YOU SAID IS ONLY FOR THE PALESTENIANS AND ONLY FOR THE PALESTENIANS, MARRA UKHRA AHSANT WA LAKA ESHUKR YA EBNA FELASTEEN

  4. اتفق مع الاخ فايز رشيد ان فلسطين لاتقبل القسمه على اثنين و آن الاوان ان يكون هدفنا واحدا وهو ازاله الكيان الصهيوني ووضع استراتيجيه مقاومه طويله النفس مبنيه على العلم والانسانيه لتحقيق الهدف وكذلك يجب الاهتمام بالانسان الفلسطيني اثناء مرحله المقاومه وان يعرف الانسان ماهي فلسطين الذي يريد المشاركه في تحريرها وهي مكان العداله المشاركه والتعاون.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left