انتخابات الجزائر والوحدة المغاربية؟

عبد العلي حامي الدين

مشهد الرئيس الجزائري وهو يدلي بصوته الانتخابي فوق مقعد متحرك ويداه ترتجفان ومساعدوه يقدمون له أوراق المرشحين، مشهد يختزل كل شيء عن الانتخابات الرئاسية في الجزائر، وعن الآثار المترتبة عن االفوزب المؤكد للرئيس المقعد..
المشهد المأزوم يختزل أزمة تخترق عمق النظام الجزائري وعموده الفقري: الجيش. وتنعكس على دول الجوار وخاصة على مستوى بناء الوحدة المغاربية المأمولة. كيف ذلك؟
عبد المالك سلال الوزير الأول الجزائري هو من أعلن قرار ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة، سلال هو نفسه رئيس لجنة تنظيم الانتخابات، الذي يفترض فيه أن يكون محايدا، وفي نظر العديدين فإن الترشح بالوكالة هو مقدمة للحكم بالوكالة، وترشح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة رغم ظروفه الصحية التي لا تسمح له بالتدبير العادي لشؤون الدولة، ليس نابعا من رغبة ذاتية بقدر ما هو تعبير عن رغبة أطراف قوية داخل المؤسسة العسكرية التي تلعب أدوارا حيوية في الحياة السياسية الجزائرية، وهو دور موروث عن حرب التحرير، جعل القيادة العسكرية تمارس سيطرة قويّة على مجمل النظام المؤسّساتي والإداري. الطريقة التي تم بها الإعلان عن الترشح، تعكس عجز النظام السياسي الجزائري وضعف قدرته على التكيف مع الظروف السياسية الإقليمية المحيطة به، ومحدودية روح المبادرة والمغامرة بضخ جرعات ديمقراطية جديدة في شرايين جسم سياسي متصلب.
خطورة هذه الوضعية، بعدما صار من المؤكد أن بوتفليقة سيكون هو الرئيس القادم، أن الشعب الجزائري لن يعرف مستقبلا من يحكمه، وستتسع شبكات الفساد، وسيكون من الصعب فهم كيفية صناعة القرار داخل العلبة السوداء الجزائرية.
علي بن فليس رئيس الوزراء الجزائري الأسبق، يدرك بحنكته السياسية أن البلاد محتاجة لجرعة من الانفتاح السياسي والاقتصادي مسايرة للتحولات الإقليمية الضاغطة على الجزائر، ولذلك لم يتردد في وعود الناخبين بأنه سيسعى لرفع الحدود مع المغرب، وهو ما يعبر عن تفاعل ذكي مع رغبات الشعب الجزائري والمغربي في نفس الوقت. الانتخابات الجزائرية ليست شأنا داخليا يهم الجزائريين فقط، وإنما هي انتخابات جزائرية برهانات وتطلعات مغاربية. والفرضية الأساسية في هذا الطرح، هو أنه كلما عبر النظام السياسي الجزائري عن تحولات ديموقراطية حقيقية ولو كانت بطيئة كلما ارتفعت آمال بناء مغرب عربي موحد.
ولذلك فإن العلاقات المغربية الجزائرية تمثل موضوعا حيويا للحملة الانتخابية الجزائرية، فبينما يصر التيار المحافظ داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية وامتداداته السياسية على الحفاظ على منسوب متحكم فيه من التوتر مع الجار المغربي وصل إلى درجة منع طاقم صحافي مغربي من تغطية الانتخابات الأخيرة، تبدي أطراف سياسية أخرى نوعا من المرونة والبراغماتية السياسية في التعاطي مع هذا الملف، وهو ما يدفعها للاصطدام مع رغبة مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.
توتر العلاقات المغربية الجزائرية مرتبط بشكل كبير بمشكلة الصحراء المغربية.
ومن المعلوم أن المغرب تقدم بمقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية كأرضية للتفاوض مع الصحراويين من دعاة الانفصال والاستقلال، وهو ما يعني الاستعداد المبدئي للتنازل عن صلاحيات واسعة لفائدة الصحراويين لإدارة شؤونهم المحلية، وهي صيغة قريبة من مطلب الاستقلال لكنها بعيدة في نفس الوقت عن مطلب الانفصال .. لأن نظام الحكم الذاتي يتجاوز مطلب الإدماج البسيط الذي كان يرمي إليه المغرب كما يتجاوز مطلب الانفصال والاستقلال النهائي الذي تتمسك به جبهة البوليزاريو مدعومة بالجزائر، وهو ما يحفظ ماء وجه الجميع..
إن استمرار علاقة التوتر بين البلدين سيعرض المنطقة للمزيد من الانكشاف أمام استراتيجيات أخرى، إما في اتجاه:
- تأبيد الصراع والمزيد من إنهاك الأطراف المتنازعة، أي استمرار وضع لا غالب ولا مغلوب، واستمرار قوى أخرى في كسب المزيد من التنازلات أمام إصرار بعض الأطراف على الزعامة الإقليمية في المنطقة.
أو: التدخل لحسم النزاع لصالح الطرف الذي يقدم أكبر قدر من التنازلات ويتناغم مع المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى، وهنا يمكن أن نفهم حجم الاستنزاف الحاصل في الموارد الطبيعية للمنطقة، وإصرار القوى الكبرى على الحفاظ على العلاقات متوازنة مع البلدين. ليس أمام الجارين إلا تغليب مصالح الشعوب على الأنانيات السياسية الضيقة وتغليب خيار التنسيق والاندماج وهو خيار مفتوح على أمل بعث الروح في مؤسسات المغرب العربي والبحث عن صيغ جديدة لإحياء مقومات تكتل إقليمي قوي قادر على الاستجابة لتطلعات وآمال شعوب المنطقة.
هناك عدة أسباب تدعو للإسراع من أجل إنجاز هذا التحول:
السبب الأول: هو أن دينامية الربيع العربي أحدثت تحولات عميقة في المنطقة، من أبرزها سقوط نظام معمر القذافي الذي كان من أبرز داعمي أطروحة الانفصال في الجنوب المغربي، وبروز قوى سياسية جديدة مستعدة للتفاعل مع استحقاقات الاندماج المغاربي بنفس إيجابي، بالإضافة إلى التحولات الجارية في تونس والتي أفرزت نخبة سياسية جديدة متحمسة لخيار الاتحاد المغاربي، رغم أن إكراهات المرحلة الانتقالية لازالت تعوق مسيرة التحول السياسي في تونس، ورغم أن الوضع لم يستقر بشكل نهائي في ليبيا، بينما تبدو الجزائر غير معنية بما يجري حولها من تحولات سياسية وهو ما يتأكد مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، فيما يعيش المغرب تحولات سياسية جزئية وهادئة، لكنها متحمسة لخيار الوحدة المغاربية، أما موريتانيا فلازالت صورة التحول الديموقراطي فيها أكثر ضبابية، لكنها على العموم لم تقف عائقا أمام الاندماج المغاربي. وهكذا يتضح بأن التحولات السياسية الجزائرية هي مفتاح التحول نحو بناء المغرب العربي الكبير. مستوى التبادل التجاري والاندماج الاقتصادي يسجل أرقاما ضعيفة بين بلدان المنطقة، وتحتل دول أوروبية مثل فرنسا وإسبانيا مرتبة الشريك الأول لعدد من دول المغرب العربي.
ولذلك فهناك سبب آخر يستدعي الربط بين ما يجري في الجزائر والحاجة للتكتل، فالتكتلات الكبرى أصبحت من سمات الاندماج في العالم المعاصر الذي تتحكم فيه آليات العولمة، وهي ضرورة حتمية للانخراط الفعال في النظام الاقتصادي العالمي، ذلك أن انخراط دول المغرب العربي في اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية وفي اتفاقيات التبادل الحر مع دول كبرى بشكل منفرد من شأنه أن يزيد في إضعاف اقتصاديات دول المنطقة، وهو ما يفرض عليها التنسيق والاندماج لتحصيل أكبر قدر من المكاسب والنتائج الإيجابية وتعزيز قدرتها التنافسية وموقعها التفاوضي أمام التكتلات الاقتصادية القوية المحيطة بها.
طبعا، هناك أسباب أخرى تدعو دول المنطقة للتنسيق والاندماج، وبلورة سياسات مشتركة لمواجهة العديد من التحديات المرتبطة بالأمن والهجرة والتصحر والإرهاب وفق رؤية مغاربية تراعي بالدرجة الأولى مصالح شعوب المنطقة التواقة إلى مغرب عربي كبير..

Email this page
Share on Facebook