الكاتبة المصرية (انتصار عبد المنعم): الأدب تاريخنا الشخصي وتاريخ للأمم

استبصار مآل الثوّرة المنحرف

May 06, 2014
حاورها ممدوح فرَّاج النابي: منذ روايتها الأولى ‘لم تذكرهم نشرة الأخبار/ وقائع سنوات التيه’، كان لديها ما تقوله وتجبرك على الانتباه إليها، وفي ‘جامعة المشير/ مائة عام من الفوضى’، كان يجب أن تتوقف وتتأمّل، تلك الرؤية الكابوسية التي تنبأت بها وكأنها استعارت عيني زرقاء اليمامة، لتطلعنا على مآل الثورة الذي انحرف وكذلك مآلنا المتخبط.
صيحة البطلة وهي تنادي على ابنها الذي ابتلعته الجموع الغفيرة في 25 يناير2011، تفاعل معها الجميع، كما كان الابن على قدر المسئولية فالتزم البحر فنجا، أما نحن رغم إننا أصغينا لها، وتأذرنا معها في لهفتها على ابنها، إلا أننا انهمكنا في تحقيق مأربنا السّريعة من الثورة، فضعنا وضاعت منا طريق الثورة، وبقينا نعدُّد خساراتنا ونجتر فجيعتنا، وبقيت ‘جامعة المشير’ بكل قسوتها، ونبوءتها المفجعة (حيث الوطن ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ويرتع العدو الأسرائيلي كصديق) شاهدة ـ على مستوى السَّلب ـ على نكبتنا الكبرى بعد أن تحقّق حُلمنا لأول مرّة في إزاحة الديكتاتور عن عرشه، وأيضًا شاهدة ـ على مستوى الإيجاب ـ على وحدتنا وتغليبنا مصر الوطن على أيّة مصلحة سواه. انتصار عبد المنعم ابنة الإسكندرية، أحد الأسماء النسائية القلائل التي حفرت لنفسها اسمًا وسط كم ركام الإبداع، تكتب القصة القصيرة التي أصدرت فيها مجموعتين الأولى ‘عندما تستيقظ الأنثي’ والثانية ‘نوبة رجوع′ التي فازت عن إحدى قصصها بجائزة إحسان عبد القدوس، ليلة الثوّرة في مفارقة عجيبة لتأتي لتصدر روايتها المثيرة للجدل التي وصفها أحد النقاد بأنها أقرب إلى زرقاء اليمامة العصر الحديث.
* قالت الكثير لذا يأتي معها هذا الحوار (عبر الإيميل) لنعرف لماذا باحت رغم أن الثورة لم تنتهِ بعد، لماذا البوح والتوجس، لماذا القلق والتشاؤم؟!:
*على العكس تماما، لا أجد أي تناقض، بل أعتقد أن الرواية الثانية (جامعة المشير/مائة عام من الفوضى) تكمل بصورة أو أخرى ما أردت لفت الانتباه إليه في رواية (لم تذكرهم نشرة الأخبار/وقائع سنوات التيه) والتي صدرت أولى طبعاتها عام 2010 ، بعد أن استغرقت في كتابتها ثلاث سنوات كاملة، أتحدث فيها عن حال مصر من خلال أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة، هذا الحال الذي كان ينذر بحتمية وقوع زلزال يهز منظومة الفساد التي باتت تعشش في كل أركان الوطن ومؤسساته بل وفي سلوك أفراده الذين أصبح كل همهم الحصول على خبز يومهم كفاف عيشهم، والذي دفع أبطال الرواية إلى اللجوء إلى خيارات يائسة للتغلب على الفقر، والتجاوزات الأمنية، وكلها أمور دفعت الكثير من الشباب إلى رحلة تيه وغربة عن الذات والوطن. وتنتهي الرواية بتسلل ماجد إلى اسرائيل هربا من حالة اليأس التي كان يحياها مثل غيره في وطنه أملا في الحصول على فرصة للحياة بكرامة وعدته بها نتاشا تخلصا من سنوات التيه التي كان يدور فيه مثله مثل غيره في سنوات ما قبل 2011. لتتساوى كل الخيارات في فقد الانسان لنفسه أو لروحه في قوارب الهجرة الغير قانونية في مراكب متهالكة ليفقد حياته. ثم عندما قامت الثورة وراقبت ما حدث بعدها من اختلاط للأمور وتشويه للثورة نفسها، بدأت في كتابة (جامعة المشير/مائة عام من الفوضى) في عام 2011، عندما كنت أكتب، كنت أقرأ التاريخ في نفس الوقت الذي أشاهد فيها مايحدث، ومن خلال حالة الفوضى بدأت بالنظر إلى مصر لو استمرت حالة الفوضى، ليس خيانة للثورة ولا لدماء الشهداء بل كان خوفًا على مصر بعد ضياع الثورة، منذرة من أن حالة الفوضى هذه قد ينتج عنها مستقبلا تقسيم لمصر إلى ثلاث دويلات، بلاد النوبة في الجنوب، وأخرى للمسيحيين ودويلة ثالثة تندمج فيها مصر وإسرائيل، فتحل ‘نجمة داود’ محل النسر في علم مصر الحالي بألوانه الثلاثة.
* ماذا عن استدعاء الشخصيات في روايتك؟!
*افتقاد الشيء أو الشخص يجعلنا نستدعيه بأية طريقة، قد يكون الاستدعاء عن طريق أحلام النوم أو اليقظة، ولكن مشكلة هذه الأحلام أنها تنتهي بمجرد الاستيقاظ أو الإفاقة،.أما استدعاء الراحلين ومشاركتهم حياة أخرى على الورق بالنسبة لي فرصة لتعويض ما فاتني من عمر مرّ ولم أستطع اللحاق بهم، أو لم أتمكن من العيش في زمانهم. فأمي مثلا (زينب زيتون) وخالي (حسن) أبعدتني سنوات الغربة عنهما، ونجيب سرور وأم كلثوم أبعدني المكان والزمان عن أن ألقاهما وكذلك الأمر بالنسبة لهؤلاء الذين خلدوا في أعمالي ليؤنسوا غربة العالم الذي أعيش فيهم بعد أن خلا منهم .وهكذا تحوّل الافتقاد الشخصي إلى افتقاد عام يشمل شخوصًا كانوا رموزًا في تاريخ الوطن، فمَن مِنا يستطيع نسيان مينا داينال، عماد عفت وأم كلثوم؟ نعم الأدب هو تاريخنا الشخصي لأننا نضع فيه روحنا ونبذل فيه وقتنا، وكذلك تاريخ الأمم لأن الأمم هي هؤلاء الذين باتوا أبطالا نحكي عنهم على الورق
* ماهي ضرورة استدعاء قامات علمية في رواية (جامعة المشير)؟!
*هؤلاء العلماء الذين اغتالتهم يد الصهيونية، كانوا يعملون من أجل مصر ومستقبلها، فسميرة موسى أرادت أن تضع مصر في مصاف الدول الكبرى التي تعتمد على الطاقة النووية وتسخر طاقة العقول بها، وكذلك يحي المشد ومصطفى مشرفة وسعيد السيد بدير وجمال حمدان وغيرهم. كذلك شباب ثورة 25 يناير خرجوا من أجل مصر، من أجل أن تستعيد وجهها النظيف الذي لوثته المبيدات المسرطنة والأغذية الفاسدة والقروض الغير مبررة، من أجل أن تبدأ مرحلة بناء مصر الحديثة على أيديهم التي خرجوا بها يرفعون علم مصر. وكما قتلت آلة الشر سميرة موسى وكل علماء مصر، قتلت آلة الشّر أحلام شباب ثورة 25 يناير، وشوّهت صورة من تبقى منهم خارج القبر أو الزنزانة.
* حدثينا عن تجربتك في كتاب ‘حكايتي مع الإخوان’!
*من الطبيعي أن يتم عرض الكتاب في سياقات عديدة تعود لخلفية وهدف الذي يقدِّم الكتاب لغيره..وهذا سبّب لي بعض المشاكل عندما كان بعض الصحافيين يقتطفون أجزاء من الكتاب ثم يتم لَي عُنق الكلمات ليضعوا على لساني ما لم أقل، وهناك صحافيين هواة ادّعوا أنهم تمكنوا من اجراء حوار معي كذبا. وذلك لأن عندما صدر كتاب (حكايتي مع الاخوان) انهالت علي العروض لاجراء حوارات صحافية وتليفزيونة محلية وعربية وأجنبية، بل وعرضت إحدى وكالات الأنباء العالمية تحويل الكتاب إلى حلقات مصورة. ولكني رفضت كل هذه العروض من أجل شيء واحد، هو أني أدركت أن (انتصار عبد المنعم) قالت كل ما لديها في الكتاب، وإن قبلت بكل هذه العروض، فستتحول من صاحبة فكرة وموقف وضعته في كتابها، إلى تاجرة تتاجر بكلمتها. لست تاجرة ولكني أديبة، قلمي هو رأسمالي، في الوقت الذي يستطيع هذا الكتاب وحده أن ينقلني إلى مصاف أصحاب المال والشهرة..ولذلك نشرت اعتذارا في نهاية 2011 قبل سقوط دولة الاخوان: (إنتصار عبد المنعم أديبة أولا وليست متخصصة في شأن الاخوان، ولا ترغب في التكسب من وراء شهرة زائفة تأتي بالحديث عن جماعة ما ستأخذ دورها في التاريخ وتمضي مثل غيرها..أما الأدب فهو تاريخ الأمة الباقي)
أعتقد أني قلّلتُ هذا الشّعور إلى أضيق الحدود بامتناعي عن الحديث بشأن هذا الكتاب، وفرضت شروطي في الظهور في الندوات والمؤتمرات بعدم التطرق إلى أي سؤال خاص بشأن الكتاب. وهذا ما أشار إليه دكتور عمار علي حسن الذي أدرك كيف أنهم يريدون حصري في كتاب الإخوان مثلما فعلوا مع يحيى حقي و(قنديل أم هاشم).
* هل لديك فسلفة معينة لتناول اغتراب شخوص روايتك؟!
*كلنا هذا المغترب أو الحالم أو المحبط. أنا أكتب ما يجري داخل الإنسان لا واقعه المعاش الذي يعرفه الجميع، أكتب حالة التيه التي يصارعها الانسان متمنيًا ألا تصرعه في النهاية.هذا ما أنا منشغلة به.أما سرد قصة زواج أو قصة صعوده وهبوطه إلى عمارة يتمنى الحصول فيها على شقة فهذا هي الحدوتة الظاهرة، أما الباطنة وهي آماله ومخاوفه وأحلامه هي موضع اهتمامي. وللأسف الانسان أصبح مجبرا على اختيار أحلامه لأن الواقع لا يساعد على تحقيق الأحلام والتي أصبح لها شروط أخرى لا تتوافر لمن افتقد أبسط مقومات العيش بكرامة.
ليس مصادرةً للحلم، والهروب عبر حُلم ثم الإفاقة منه ومواصلة الحياة شيء طبيعي، أما مواصلة الحلم في اليقظة، والانصراف عن الواقع وإدمان حالة الهروب فهو حالة من العجز. وفي المقابل لا نستطيع التخلَّي عن حالة الهروب حُلْما فهي تعوضنا عن تعاطي مغيبّات العقل والمهدئات.
* كيف تفصلين بين فنون الكتابة المختلفة التي تمارسينها؟!
*كي أكون صادقةً معكَ، أنا في ذاتي أشعر بأني مصابةٌ بنوع نادر من الفصام. أستطيع الانقسام والتقمص لأدوار متعدِّدة وأداء دوري بأكثر قدر من الاتقان، حتى إذا انتهيت منه عدت إلى (انتصار) التي لا تملك سوى حفنة النباتات في شرفة منزل لا تملكه وستغادره آجلا أم عاجلا. وفي هذه الأدوار التي ذكرتها أنت سابقًا، أديتها بكل طاقتي، وأورثتني طقوسا لم اخترها، بل هي تخيرتني، حيث أصاب بنزيف في اللثة ويرتفع الضغط لدي عند الكتابة..ولذلك بعد ان أنتهي من كتابة شيء أشعر بالانهاك الشديد وكأن روحي سلبت مني، يتبعها حالة من الجوع الشديد
* وماذا عن تصنيف الكتابة إلى نسوية ذكورية؟!
*تساءلت يوما: طالما هناك كتابة نسائية فهل هناك كتابة ذكورية؟ وهل تم التصنيف وفقا لجنس الكاتب ذكرا أو أنثى، أم لأن العمل يتحدث عن الأنثى؟ الحقيقة أنا غير مقتعنة بهذه التسمية الغير عادلة، فهل (ثلاثية غرناطة) كتابة نسائية؟ إنها كتابة نورانية لا تخضع للتصنيف.أما هؤلاء اللواتي يكتبن عن آلامهن ومعاناتهن مع (ذكرانهن) فهؤلاء يكتبن فكرهن الضيق الذي يحصر الحياة في رجل وفراش.. بالنسبة لي لا أعتبر الرجل خصما، بل هو مثلي ضحية المجتمع المتخلف الذي نشأنا فيه معا وأورثنا جهل منظومته القيمية، ولذلك لا أعتبره قضيتي، ولا أعتبر أن علاقتي مع الرجل شيئا فارقا في تاريخ البشرية يستحق أن أتوقف عنده كثيرا سلبًا وإيجابًا. نعم لي وقفات بالسلب معه، ولكن لي وقفات أكثر أجمل معه، فلماذا أعتبره خصمًا أو أجعل منه طوطما أطوف حوله فيما اكتب؟ ولا أريد أن يفهم حديثي بالخطأ بأني أتنكر لكوني (أنثى)، على العكس تماما لو كان لي خيار في ذلك ما تمنيت سوى أن أكونها..ولكن هل يتوجب علي أن أكتب (جسدي) على الورق في كل عمل أكتبه؟ كتابة الجسد إن كانت بصورة متعمدة أصبحت شيئا اصطناعيا لا روح له، أما لو تم توظيفها في مشهد سيكون في سياقه دون إبتذال..ولا يتوجب علي أن أكتب أعراض الأنوثة في كل عمل كي أثبت أني (أنثى). ولا يتوجب علي أن أثبت ذلك لأحد على الإطلاق.
* حدثينا عن تقنياتك في الكتابة!
*اللغة هي الوعاء الذي يقدّم الكاتب عمله من خلاله.لو كانت الفكرة جيدة واللغة ركيكة هذا يقتل العمل كله. وهذا ما أحاول الانتباه إليه. ففي القصص لا أحب التكرار أو الكلمات التي يكون تواجدها مثل عدمه . في الرواية حيث الفرصة الأكبر لبسط الفكرة، أحاول تعويض طول الرواية باستخدام لغة شيقة لا ترهق القارئ ولا تصيبه بالملل وفي نفس الوقت تحمل المعنى بغير ترهل
* هل أثّر بعدك عن مركز الثقافة القاهرة على إنتاجك؟!
*أولا، شبكة الانترنت ومواقع التواصل عوضتني هذا البعد الجغرافي عن العاصمة. وثانيا، رغم ما ذكرته إلا أني وأنا بين جدران بيتي، حققت في سنوات قليلة مالم يحققه كثيرون في عشرات السنوات. حصلت على المركز الأول في مسابقة إحسان عبد القدوس للقصة القصيرة، وحصلت على أعلى أصوات لأعضاء أمانة مؤتمر أدباء مصر 2011 ليتم تكريمي عن أديبات مصر، وحصلت على جائزة دكتور عبد الغفار مكاوي عن مجموعتي الأولى (عندما تستيقظ الأنثى) وفي أدب الطفل حصلت على جائزة مكتب التربية لدول الخليج العربي، وشاركت في مؤتمرات ببحوث وأوراق عمل.وتمت ترجمة روايتي (لم تذكرهم نشرة الأخبار) إلى الأسبانية، كل هذا ولا يستطيع احد أن يحدّد أي شلة أنتمي إليها. علاقتي طيبة بالجميع فلم أنازع أحدا مكانا ولم أدع فضلا ولا مجدا. قد يكون هناك فساد ولكن في النهاية العمل الجيد يفرض نفسه.

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left