من يحمي الآثار السورية ويحفظ التراث التاريخي؟

إعداد إبراهيم درويش

Jun 15, 2014

عندما كتب الشاعر سعيد عقل ما غنته فيروز «شام يا ذا السيف لم يغب، يا كلام المجد في الكتب»، «قبلك التاريخ في ظلمة بعدك استولى على الشهب»، كان يشير لمحورية سوريا في التاريخ، فدمشق هي أقدم مدينة في العالم، وسوريا عاشت على أرضها حضارات سادت ثم بادت، وتركت خلفها معالم ورموزh جعلت هذا البلد بمثابة المتحف المفتوح للعالم، فهي ليست غنية بتراثها الثقافي والأدبي ولا متاحفها التي تقدم بانوراما عن تاريخ سوريا عبر العصور بل وبمواقعها الأثرية التاريخية التي يبلغ عددها أكثر من 7000 موقع ترجع إلى الحقب الرومانية والإسلامية بعهوده المتعددة من أموية وعباسية وعثمانية، وما تركه الغزاة الصليبيون من قلاع مهمة لا تزال قبلة للسياح من كل أنحاء العالم. وتحتوي متاحف سوريا على مقتنيات مهمة مثل أبجدية أوغاريت والتي تعد اكتشافا أثريا عالميا فريدا من نوعه. وإذا ذكرت آثار سوريا فيذكر معها الجامع الأموي، وقلعة حلب، قصر العظم، معلولا، تدمر، قلعة الحصن، أسواق حلب، قلعة صلاح الدين التي وصفها لورانس العرب في شهادة الدكتوراه التي قدمها في جامعة كامبريدج عن القلاع الصليبية من أجملها وأكثرها فرادة وضمن صورتها وتصميمها في الرسالة الأكاديمية هذه، إضافة للرصافة، عمريت، مدن الموتى، الصهاريج والقائمة طويلة. ومنذ بداية الإنتفاضة السورية عام 2011 التي اندلعت كثورة مطلبية سلمية تطالب بالإصلاح والحرية والعدالة وانقلبت إلى مواجهات عسكرية طاحنة بين النظام والمعارضة، شردت الملايين وقتلت مئات الألوف ودمرت الكثير من معالم ماضي سوريا. وحظي موضوع الآثار باهتمام من الكتاب في الصحافة العالمية بعد تسرب أخبار عن زيادة تجارة التهريب بالآثار السورية. ونشرت صحيفة «واشنطن بوست» العام الماضي تقريرا عن قيام بعض فصائل المقاومة السورية بعمليات حفر للآثار وبيع ما تم العثور عليه في أسواق التهريب، حيث يتم نقل المواد عبر الأردن أو تركيا ومنها للأسواق السوداء التي تستقبل القطع الأثرية. وبرر من التقتهم الصحيفة عملية الحفر بأنها محاولة للحصول على مصادر مالية لتمويل العمليات العسكرية.

التراث والإنسان

وفي محاولة كل طرف هزيمة الطرف الآخر لم يعد لا النظام ولا بعض فصائل المعارضة تلتفت إلى أهمية التاريخ الحضاري السوري، فيما اضطر النظام الناس للهروب والعيش في المغاور والمناطق الأثرية هربا من القصف الجوي على المناطق السكنية. وبرزت في الآونة الأخيرة ظاهرة «معارك الأنفاق» التي تجري بين المقاتلين والنظام، حيث قام مقاتلو الجيش الحر، أو ما تسمى «وحدة الأنفاق» بحفر نفق طويل تحت فندق كــــارلتـون التاريخي وفجرته في الشهر الماضي بــعــد أن قالت أنه مركز لقوات الــدفاع الشعبي التابعة للنظام. ولا بد من الإشـــارة هنا أن في قـــلب الــمعركة على مستقبل سوريا هناك معركة دعاية يمارسها النظام ويتهم فيها الجماعات الإسلامية المتطرفة باستهداف الآثار التاريخية. مع أن النظام نفسه لم يتـــورع عن قصف المناطق التاريخـــية بصواريخ «سكود» ولا عـــن حرق واحد من أهم أسواق الـــشـــرق العـــربي وأقدمها «سوق حلب القديم» في شتاء 2012 ولا ضرب المسجد الأموي في حلب وتدمير منارته، ولا الحصون والقلاع التاريخية ولا حتى المقامات والمزارات الدينية مثل مقام القائد العظيم خالد بن الوليد في مدينة حمص.

مؤتمر

ومع كل هذا يقدم النظام نفسه كحام للتراث السوري، وأرسل وفدا من مدراء المتاحف والباحثين الأركيولوجيين لحضور مؤتمر عقد على مدار 3 أيام في العاصمة الفرنسية باريس، وبرعاية من منظمة الثقافة والفنون والعلوم «يونسكو»، وتم تخصيص مليوني ونصف المليون دولار لترميم القلاع التاريخية في مشروع على مدار 3 أعوام. وحضر المؤتمر عدد من الباحثين الأركيولوجيين وحاضروا فيه ومنهم باولو ماتثاي من جامعة إسبينوزا في إيطاليا والذي منح أسماء الأسد شهادة الدكتوراه الفخرية في عام 2004. والباحث الشهير ومدير موقع التنقيب في إيبلا الذي يعود للألفية الثالثة قبل العصر الحديث منذ عام 1965. وناقش المؤتمر ملامح التراث الأثري السوري: المتحرك منه – قطع ومقتنيات في المتاحف، المبني (معالم أثرية وتلال)، والتراث غير الملموس مثل الحفاظ على الحرف اليدوية والفنون والموسيقى مثل الشعر المحلي والموشحات. وتخطط «اليونسكو» توزيع مئات الآلاف من الملصقات على اللاجئين في سوريا ولبنان لتوعيتهم حول أهمية الآثار. مع أن معظم القطع الأثرية المهمة تخرج من سوريا على أيدي المهربين الأوروبيين والأتراك واللبنانيين.

تدمير المواقع

انتهى المؤتمر لكن ما يهم هو حجم الدمار الذي أصاب التراث الحضاري السوري وقدم مارتن ماكينسون بانوراما مفصلة عن أثر الحرب وسياسات النظام على تراث سوريا متسائلا إن كان مأمون عبدالكريم وزير الآثار السوري قد تحدث في المؤتمر عن دور النظام السوري في نهب وتخريب أفاميا أو استهداف النظام لقلعة المضيق، وهي المكان الذي واجه فيه دوق أنطاكية بوهمند قوات صلاح الدين في ثمانينات القرن الثاني عشر، وهي حادثة ذكرها سكرتير صلاح الدين، الفارس أسامة بن منقذ أمير قلعة شيزر. مع أن المؤتمر هو عن ترميم قلعة الحصن، وقلعة صلاح الدين أو صهيون نسبة إلى عائلة سيون الفرنسية التي كانت مسؤولة عنها، وقد تعرضت القلعة لقصف في منتصف حزيران/يونيو عندما سيطرت عليها قوات الجيش السوري الحر لفترة قصيرة، وفي السياق نفسه تعرضت قلعة الحصن التي احتلها الفرسان الإسيبتالية وأخذها منهم السلطان ركن الدين بيبرس في عام 1271 لدمار فادح، فقد هدم «برج بيبرس» وكذا حمام أرضي.

من هم أحرى بالتوعية؟

ويناقش ماكينسون فكرة توعية اللاجئين السوريين وإن كانت منظمة «اليونسكو» تخطط لإعادة إسكان من فر وأقام في القبور والصهاريج التي تعود للعصر الروماني الأخير والبيزنطي ما بين القرنين 4-5 ميلادي في البرة والرويحة ومدن الموتى في جبل الزاوية، حيث اضطروا للهروب إليها من مناطقهم في إدلب وسراقب ومعرة النعمان والغاب بسبب استهداف النظام لبيوتهم ومخابزهم والعيادات الطبية والمدارس. فحماية الآثار ما هي إلا جزء من قائمة من المظالم التي يتعرض لها الشعب السوري وأهمها النجاة والبقاء على قيد الحياة في ظل حرب بشعة. ولم تسلم الأديرة من قمع النظام مثل دير الشيروبيم في صديانا المقام على إرتفاع 2000 متر عن سطح البحر والذي استخدمه النظام كموقع للدبابات، وتحول لساحة حرب بين النظام والجبهة الإسلامية أثناء الحملة على جبال القلمون العام الماضي حيث تم إخراج المقاتلين بدعم من حزب الله من بلدات مثل يبرود ودير عطية ورنكوس. ويرى ماكينسون أن الميزانية التي خصصتها «اليونسكو» لترميم القلاع لا تكفي حتى لترميم هذا الدير والذي كان قبل انتفاضة 2011 مقصد السوريين من دمشق. ويعتبر دير الشيروبيم واحدا من الأديرة المقامة على رؤوس الجبال التي تفصل لبنان عن سوريا. وفي السياق نفسه تتعرض قلعة برقش في جبل الشيخ، وهي المكان الذي أصبح غير متاح للسياح بسبب حرب تموز 2006 ويتعرض لمخاطر بسبب وجود معسكرات الجيش. وهناك التلال الأثرية المنتشرة من الجزيرة إلى القامشلي وحوران إلى البوكمال الى قرية تل قرامل شمال مدينة حلب، وتعود هذه القرى إلى العصور السحيقة، وبالتأكيد فمعركة القصير أثرت على تل النبي حيث شهت المنطقة معارك شديدة منذ عام 2012 وحول هذا التل المكون من الطين والطوب حدثت معارك كبيرة بين الإمبراطوريات. وعند هذه التلال وقعت معركة بين قوات رمسيس الثاني والحثيين.

نقطة في بحر

ورغم القائمة التفصيلية التي يتحدث عنها الكاتب إلا أن الوسائل التي استخدمها النظام لمحو وتدمير أحياء كاملة من دون احترام للحياة الإنسانية وتسوية بيوت بنتها وعاشت فيها أجيال متلاحقة، وحرق وقصف المساجد والكنائس والقصور التاريخية تجعل من أي مؤسسة دولية تتأنى قبل دعوتها لمسؤولي النظام لمناقشة مستقبل الآثار والتراث الحضاري في سوريا. ويتهم الكاتب مسؤولي المتاحف والآثار في الحكومة السورية بالإنتقائية في الشجب ولم يقولوا إلا القليل الذي يدين أفعال قوات الحكومة ومنحوا في مواقفهم مصداقية لرواية النظام حول مسؤولية الجماعات المعارضة عن الضرر الذي أصاب معالم سوريا الحضارية. وهم ليسوا قادرين على الحديث في الموضوع، ومن يقوم اليوم بتوثيق المجازر ضد التراث الإنساني هم مجموعة من الجنود المجهولين الذين قاموا بتعرية بربرية النظام وتصرفاته الإجرامية، وقاموا بتوثيق مواد ومعلومات يشترك بها كل السوريون وتشكل عناصر مهمة للمستقبل الذي يسوده السلام والإنسجام. وقامت هذه الحفنة من المهتمين بتعريض حيواتهم للخطر وسجلوا وصوروا بل وجمعوا مواد من الأماكن التي تعرضت للتدمير والتخريب.
ويضم هؤلاء طلابا متطوعين يدرسون علم الآثار من حلب والجزيرة وحوران ووادي النصارى حيث يقومون بتوثيق وجمع معلومات عن المعالم الأثرية وما حصل عليها. فيما قام طلاب قسم الآثار في جامعة حلب بأنقاذ منبر صلاح الدين وجمعوا حجارة الصوان التي استخدمت في معمار منارة الجامع الأموي التي قصفها النظام. وتعتبر المعلومات ثمينة ومهمة في بناء الصورة الأعم حول ما أصاب سوريا بعد رحيل النظام وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يغيبان في العدم والنسيان. وما يدفع هؤلاء الشبان هو الرغبة في العمل والحب وحسن النية بدون دعم سوى من مؤسسات غير حكومية مثل «جمعية حماية التراث السوري»، ومع ذلك يواجهون ضغوطا من النظام السوري وممثليه حيث منعوا من فضح ممارسات النظام في «اليونسكو»، ولهذا السبب لم تحضر الجمعية المؤتمر ولا المركز الآخر «إلى سوريا» الذي يعمل في المجال نفسه. ولا ينسى الكاتب هنا الحديث عن ممارسات داعش التي استهدفت الآثار القديمة، فقد دمرت تماثيل تعود لحقب مختلفة، ولا يعرف مصير متحف دير الزور، ودمرت تماثيل عامة في الرقة ومقامات للصوفية ومزارات للشيعة وغيرها. قد يجادل الكثيرون وهم محقون أن البشر أهم من الحجر ولكن الحجر هو تاريخ البشر وملك الأجيال المقبلة ومن يقتل بشرا ويكسر حجرا يحرم أمة من مقومات نجاتها ووجودها أي تاريخها.

إعداد إبراهيم درويش

- -

2 تعليقات

  1. الأثار أجمل تراث تركه الأقدمون لنا. لعن الله من يسرقها أو يهدمها.

    رأى شاعر رجلا يهدم الأثار فقال له:

    أتتلفها ! شلت يمينك, خلها …………لعابر أو زائر أو مسائل
    منازل قوم حدثتنا حديثهم………….ولم أرى أحلى من حديث المنازل

  2. السلام عليكم،
    نحن مجموعة تعنى بتوثيق الإرث الحضاري السوري من خلال مشروع قائم بالتعاون بين المتحف الإسلامي ومعهد الآثار الألماني. كذلك نهتم بجمع التقارير عن الأضرار.

    الرجاء التواصل معنا في سبيل تبادل المعلومات والآراء

    ع.ب

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left