خطاب العاهل المغربي في عيد العرش… نقد ذاتي وجرأة وكشف للسلبيات

حجم الخط
9

الرباط – القدس العربي»: لاول مرة، ومنذ استقلال المغرب، يخرج الملك محمد السادس، عن الخطاب التقليدي لعيد العرش، الذي يلقيه ملك المغرب ليعدد انجازات سنة من عهده. هذا ما سار عليه جده محمد الخامس ووالده الحسن الثاني وسار عليه هو أيضا منذ توليه الحكم 1999.
العاهل المغربي أراد خطاب العرش، يوم الاربعاء الماضي، نقدا ذاتيا لتجربة التنمية البشرية، التي كانت تحت اشرافه مباشرة أو من خلال مستشاريه، وأعتبرت خلال السنوات الماضية، تجربة رائدة ومتميزة.
وحدد الملك المغربي خطابه بالذكرى الـ15 لتوليه العرش بانه «وقفة تأمل وتساؤل مع الذات، بكل صراحة وصدق وموضوعية، حول ما طبع مسيرتنا من إيجابيات وسلبيات، للتوجه نحو المستقبل، بكل ثقة وعزم وتفاؤل».وأضاف «أنا لا تهمني الحصيلة والأرقام فقط، وإنما يهمني قبل كل شيء، التأثير المباشر والنوعي، لما تم تحقيقه من منجزات، في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين».
ويحرص ملوك المغرب على ان لا يعلنوا، بخطاب رسمي، خاصة بعيد العرش، سلبيات طبعت حكمهم، لانه خطاب عيد، والعيد فرح وإحتفال، لكن محمد السادس أراده نقدا ذاتيا قاسيا، أثار الاستغراب، أولا لخروجه عن المألوف ثانيا لقسوة النقد ودقه لناقوس الخطر من عدم عدالة توزيع الثروة المغربية وعدم تمتع المواطن العادي بنعيم هذه الثروة.
النقد الذاتي الملكي جاء على شكل تساؤلات طرحها الملك «هل إختياراتنا صائبة؟ وما هي الأمور التي يجب الإسراع بها، وتلك التي يجب تصحيحها؟ وما هي الأوراش والإصلاحات التي ينبغي إطلاقها؟» وأيضا «أما إذا كان الإنسان يعتقد أنه دائما على صواب، أو أنه لا يخطئ، فإن هذا الطريق سيؤدي به إلى الإنزلاق والسقوط في الغرور.»
وأضاف لتساؤلاته «هل ما نراه من منجزات، ومن مظاهر التقدم، قد أثر بالشكل المطلوب والمباشر على ظروف عيش المغاربة؟ وهل المواطن المغربي، كيفما كان مستواه المادي والاجتماعي، وأينما كان، في القرية أو في المدينة، يشعر بتحسن ملموس في حياته اليومية، بفضل هذه الأوراش والإصلاحات؟».
وقال انه «بطرح هذه التساؤلات، إنما نبحث دائما عن الفعالية والنجاعة، وعن أفضل السبل، ليستفيد جميع المغاربة من مختلف المنجزات، على حد سواء». لان «التساؤل وإجراء هذه الوقفة مع الذات، لا يعني الشك أو التردد، أو عدم وضوح الرؤية. بل على العكس من ذلك، فطريقنا واضح، واختياراتنا مضبوطة. فنحن نعرف أنفسنا، ونعرف ماذا نريد، وإلى أين نسير».

مصادر مغربية مطلعة قالت لـ«القدس العربي» ان مضمون ولغة الخطاب الملكي الناقدة جاءت بعد ان وضعت الأمم المتحدة المغرب بالمرتبة 129 بالتنمية البشرية لسنة 2013 وهو أثار غضبه لانه أولى ومنذ 2004 اهتماما خاصا لهذا البرنامج ولانه يدرك ايضا ان ما جاء في التقرير يؤشر على مخاطر قد تعرفها بلاده ولان «الوقوف على أحوال الأمة، يتيح لنا الفرصة لتحديد مدى التقدم الذي حققناه، وذلك باستعمال جميع الآليات المعروفة، لقياس هذه التطورات».
وفي تعداد للثروة المجتمعية قال ان الأمن والاستقرار، هما أساس الإنتاج والثروة والثقة والمصداقية هما عماد تحفيز الاستثمار. إلا أن هذه المؤهلات لا يظهر لها أثر في القيمة الإجمالية للدول. واشار الى دراستين للبنك الدولي أنجزهما في 2005 و2010 لقياس الثروة الشاملة لحوالي 120 دولة، من بينها المغرب الذي تم تصنيفه في المراتب الأولى على الصعيد الإفريقي، وبفارق كبير عن بعض دول المنطقة.
هذه المعطيات الايجابية والأرقام والإحصائيات، التي تضمنها هاتين الدراستين، والتي تبرز تطور ثروة المغرب لم تمنع العاهل المغربي عن التساؤل»باستغراب مع المغاربة : أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همت بعض الفئات فقط؟».
وكان جوابه على هذه الأسئلة «إذا كان المغرب قد عرف تطورا ملموسا، فإن الواقع يؤكد أن هذه الثروة لا يستفيد منها جميع المواطنين. ذلك أنني ألاحظ، خلال جولاتي التفقدية، بعض مظاهر الفقر والهشاشة، وحدة الفوارق الاجتماعية بين المغاربة».
ويعتقد الملك محمد السادس أن النموذج التنموي المغربي، «بلغ درجة من النضج، تؤهلنا لاعتماد معايير متقدمة وأكثر دقة، لتحديد جدوى السياسات العمومية، والوقوف على درجة تأثيرها الملموس على حياة المواطنين». وهو ما أكده البنك الدولي، الذي أبرز أن القيمة الإجمالية للمغرب، شهدت خلال السنوات الأخيرة، ارتفاعا ملموسا، وخاصة بفضل النمو الكبير لرأسماله غير المادي. بعد ان بات الرأسمال البشري غير المادي من أحدث المعايير المعتمدة دوليا، لقياس القيمة الإجمالية للدول حيث شهدت المعايير التي يعتمدها المختصون في المجالين الاقتصادي والمالي لقياس الثروة، عدة تطورات، بعد ان كانت القيمة الإجمالية للدول تقاس، حسب مواردها الطبيعية، ثم على أساس المعطيات المتعلقة بالناتج الداخلي الخام، الذي يعكس بدوره مستوى عيش المواطن. وبعد ذلك، تم اعتماد مؤشرات التنمية البشرية، لمعرفة مستوى الرخاء لدى الشعوب، ومدى استفادتها من ثروات بلدانها. وخلال تسعينيات القرن الماضي، بدأ العمل باحتساب الرأسمال غير المادي كمكون أساسي، منذ سنة 2005، من طرف البنك الدولي. وبعد القائه خطاب العرش، استقبل الملك كلا من نزار بركة رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وعبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب وطلب مهما إعداد دراسة حول تطور القيمة الإجمالية للمغرب خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة وتحديد القيمة الحقيقية للمغرب، بما في ذلك إبراز الرأسمال غير المادي، الذي سبق للبنك الدولي أن اعتمده كمعيار لقياس ثروة الدول، إضافة إلى باقي مكونات الثروة الوطنية.
مهمة ليست سهلة، وتقرير سيكشف مسببات خلل كاد، اذا ما استمر، ان يودي الى أزمة اجتماعية حادة لان الفوارق الطبقية، في ظل التطور التكنولوجي لعالم الاتصالات يجعل الأزمات تتوالد ويصعب السيطرة عليها، وجرأة خطاب العرش الـ15 انه كشف عن الخلل وأمتلك الشجاعة للإعلان عنه.

محمود معروف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول خليل ابورزق/ الاردن:

    لعله خير. هذا ما نحتاجه النقد الذاتي و المقارنة بالعالم من حولنا

  2. يقول محمد:

    ادا كان العاهل المغربي وملوك المغرب عانوا كثيراوداقوا ويلات مجرد التفكير في النقد الداتي الدي احتاج ملوك المغرب مئات السنين ليقدموا نقدا داتيا لانفسهم ونقد مجرد كلام ادا كانوا وجدوا كل هده الصعوبة في مجرد الكلام فعلى فقراء المغرب الدين يعدوا بالملايين انتظار الاف السنين وربما ملايين السنين ليتمكن ملوك المغرب من ترجمة اقوالهم الى افعال فالاكيدان الشعب المغربي الفقير المغلوب على امره الدي يعيش ماساة اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة الاكيد انه يحتاج افعال لا اقوال

  3. يقول نبيل العلي:

    عرش ….؟؟ لماذا لا تسمونه كرسي. أليس العرش لله وحده ؟؟

    1. يقول محمد حسن:

      ومن قال لك أن العرش مختص بالله تعالى ؟ ألم يذكره عزوجل في وصف عرش بلقيس في القرآن الكريم .

  4. يقول rachid:

    أول مايحتاجه المواطن المغربي معاقبة الفاسدين ناهبي المال العام وإبعادهم عن أي سلطة بعد عام فقط ستظهر حقيقة مشاريع التنمية بالصورة الصحيحة أما النقد الذاتي ووصوله إلى أين هل اسفاد منه الشعب كاملا فهذا الحلم هو نفسه الذي يعيشه المغاربة المقهورين.حينما ستكون العدالة مستقيمة على الفاسدين بعدم التستر عليهم فانتظر من البذور المزروعة سنابل مملوءة………

  5. يقول S.S.Abdullah:

    قطار التغيير في العالم قد بدأت مسيرته ولا أظن أحد سيستطيع إيقافه طالما الشعب كسر حاجز الخوف وبدأ إمداد القطار بالوقود بدمه، والذكي هو من يواكب الحدث ويعمل على الإصلاح بيده، وإلا سيتم تغييره
    لقد تبين لي أن هناك فرق ما بين النخب الحاكمة في الدولة الحديثة وما بين الدولة العميقة السّامريّ (الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية).
    فلذلك على مثقفينا أستيعاب الفرق ما بين شعب الله المُختار وما بين شعب الرّب المُختار من قبل السّامريّ (الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية).
    ولقد تبين لي من نتائج ما حصل مع انتفاضات أدوات العولمة (التي تسبب بها حذاء منتظر الزيدي وحرق بعريضة الشكوى (التي تم رفض استلامها ضد الشرطية حفاظا لهيبة النظام) محمد البوعزيزي نفسه) أنَّ كفاءة الدولة العميقة في الدول الملكيّة أكثر كفاءة من الدول الجمهوريّة، وأظن ما حصل في البحرين والمغرب والأردن مثال عملي على ذلك مقارنة بتونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق واليمن.
    ما رأيكم دام فضلكم؟

  6. يقول Jamal:

    مقارنة مع بعض دول الجوار التي تفوق عشرات المرات موارد المغرب المادية، فان وضعية البلد ليست بالكارثية على المستوى الاجتماعي ، فالحد الأدنى للآجر هو الثاني افريقيا بعد جنوب افريقيا، و نسبة البطالة هي أدنى مستوى في افريقيا ايضا بحيث تصل الى ١٨ % في جنوب افريقيا، ١٢% في الجزاير و ٩ % في المغرب.
    ان النقد الذاتي الذي جاء في خطاب ملك المغرب هو خطاب اجتماعي اكثر منه سياسي، بحيث يذكر بان الثروة في اي بلد كان هي ملك لجميع المواطنين، و التقدم لا يقاس بمستوى الدخل الفرضي الذي يحسب على أساس نظري بان يقسم دخل الدولة على عدد سكانها من دون ان يصل فعليا مستوى الدخل الفردي المعلن لما هو حقيقي، إنما يقاس التقدم بمستوى استفادة الفرد من درجة التقدم المادي و الفكري و السياسي.
    ان مثل هذا التفكير هو الذي جعل الدول المتقدمة تسير نحو التقدم فعليا و ليس نظريا، اذ كلما اقترب الدخل الفردي النظري من الدخل الفردي الفعلي كان هناك فعلا تقدم و عدالة اجتماعية.
    في المغرب مثلا الذي يصل مستوى الدخل الفردي النظري الى حوالي ١٢٠٠ دولار سنويا ، يتعدى فيه ٨٠ % من المواطنين دخلا فرديا فعليا يتعدى ٢٠٠٠ دولار. اما في الجزاير مثلا فالدخل الفردي النظري يعتدى ٣٠٠٠ دولار ، و لكن ما يزيد عن ٥٠ % من المواطنين لا يتعدى دخلهم السنوي الفعلي ٥٠٠ دولار .

  7. يقول عبد الرحمن حمدي/الجزائر:

    إلى الأخ جمال من أين جئت بهذه الأرقام؟. مستوى معيشة المواطن الجزائري يفوق كثيرا معضم الدول العربية بما فيها الخليجية والمساعدات الإجتماعية سخية جدا والتغطية الصحية تماثل التي في الدول الغربية وهذا بفضل السياسة الرشيدة للحكومة.

  8. يقول نبيل كامل-- القاهره:

    افلح ان صدق

اشترك في قائمتنا البريدية