المثقف كمخبر سري الكتروني

بات من الشائع، لدى بعض المثقفين العراقيين، في الآونة الأخيرة، اتهام كل من يطرح تساؤلا ، يختلف بعض الشيء، عما يحملونه من رأي، حول الوضع العراقي الحالي، او العربي، بانهم من «البعث الصدامي وجميع التكفيريين العنصريين والإخوان المسلمين وحارث الضاري وقناة الجزيرة القطرية وإسرائيل وتركيا». ويمتد الاتهام، بذات النفس، ليصف الشخص بأنه عضو في «تحالف قائم بين داعش وبعث الدوري وضباط صدام وبعض المنظمات الاسلامية التي تمد يدها اليوم للسعودية وقطر فضلا عن الاتفاق الضمني مع البارزاني». ويتم تداول هذه الاتهامات، كما اخبرني عدد من الكتاب المستهدفين، عبر الايميلات الشخصية وقوائم المراسلات الجماعية . ولأنها وصلت ، في الآونة الاخيرة، مرحلة التهديد، وخروجها عن نطاق الاختلاف بوجهات النظر أو تبادل الايميلات بشكل شخصي، صار ضروريا النظر فيها، وعدم الاستهانة بها ودفعها جانبا ، بل ومحاولة فهم ما تهدف اليه عموما.
الملاحظ في هذه الاتهامات انها أولا: جامعة، شاملة. اذ تعتبر كل الدول والجهات التي ورد ذكرها، باستثناء أيران، متآمرة عميلة. واية اشارة تفسر بانها ايجابية، بأي شكل من الاشكال، تجاه هذه الدول والجهات او الافراد، يعتبرها موجه الاتهامات عمالة لاتغتفر. ثانيا : من يوجهها، يمتلك اليقين الكونكريتي والرؤيا النقية البلورية، في كل القضايا السياسية، حيث لامجال للتساؤل او الشك. ثالثا: انها تجنب من يوجه التهمة ان يبدو مخطئا ، في حال حدوث اي تغير سياسي او توازن محلي او اقليمي، جديد، مما قد يستدعي امتلاك ما هو ابعد من احادية النظر العقائدية. رابعا : انها تقدم نموذجا غريبا في قراءة مجريات الاحداث. اذ تضع تركيا واسرائيل ، في سلة واحدة، على الرغم من موقف تركيا الواضح الاخير من العدوان الاسرائيلي على غزة ومنذ الايام الاولى. وتضع قطر والسعودية في سلة واحدة، على الرغم من ان البلدين في حالة خلاف وصل الى حد القطيعة الدبلوماسية بسبب الموقف من النظام المصري. وتضع السعودية وداعش في سلة واحدة، والسعودية تساند امريكا في قصفها ومحاربتها داعش. وتضع السعودية والحركات الاسلامية في سلة واحدة بينما تدفع السعودية مليارات الدولارات لنظام السيسي ليقضي على الاخوان المسلمين.
ان قائمة التناقضات في الوضع السياسي الشرق اوسطي طويلة وبعضها بحاجة الى توضيح مطول، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الامريكية – العربية ووجود القواعد العسكرية في عدد من الدول العربية من بينها الكويت وقطر والعراق، وعلاقة امريكا بالكيان الصهيوني، غير ان ما يسترعي الانتباه هو انتقائية مطلقي الاتهامات في تفادي النظر الى دور النظام الايراني، ولا اقول الشعب فنحن نعرف جيدا معنى القطيعة بين الشعوب والحكام المستبدين بالمنطقة. وتصوير كل من يبحث في دور النظام او حتى نقل بعض تفاصيل التقارير الحقوقية الدولية عن انتهاكات حقوق الانسان بايران ، ناهيك عن تدخل النظام السافر والموثق بالعراق واستخدامه اياه كحلبة كمال جسماني دموية لابراز العضلات في المفاوضات مع أمريكا، ودعمه لانظمة الاحتلال المتعاقبة، بانه عميل « البعث الصدامي وجميع التكفيريين العنصريين والإخوان المسلمين وحارث الضاري وإسرائيل وتركيا» مرة واحدة وبذات السلة.
يقول نيتشه « غالبا ما تكون العقيدة سجنا» . ومفهوم العقيدة هنا هو ذلك القالب الفكري الكونكريتي الجاهز ، أو السلفية المصبوبة صبا ، حسب المفاهيم الشائعة هذه الايام. وبالامكان استخدامها لوصف الشيوعية وحتى الليبرالية اذا ما كنا من المعتقدين بما مابعد الحداثة. الامر الذي يدفعنا الى النظر في اسباب تحول بعض المثقفين الى سجانين عقائديين على ما يعتبرونه مغايرا ، او في احسن الاحوال الى تنصيب أنفسهم عسسا في خدمة منظور إفتراضي في الا يسمحوا للناس بالسير الا في أزقة ضيقة يتمكنون من السيطرة عليها بحجة توفير الحماية للمارة. ان السجان العقائدي ليس وليد القمع السياسي، بالضرورة، بل قد يكون وليد حزب او تيار أو دين أو مذهب، يزوده بمنظور عقائدي لايحيد عنه، حتى اذا رغب بذلك، لأنه نشأ طفلا وترعرع صبيا في كنفه.
ان توجيه الاتهامات الجاهزة عموما ، فعل قمعي يمس حرية الرأي والفكر. وليس بالمستطاع التهرب من آثار هذا الفعل بحجة السذاجة في حال المثقف الذي يجب ان يكون مسؤولا عن كل كلمة يكتبها. أتذكر هنا ان من اوائل من حوكموا وأدينوا بعد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي كانوا من الكتاب المتعاونين مع نظام فيشي وذلك لتوفر الادلة ضدهم عبر الكتابة. فعل الكتابة، اذن، مهما كانت وسيلة نشره، هو فعل مسؤول ويجب عدم الاستهانة به اطلاقا.
في حالة توجيه الاتهامات ، أرى انه فعل يهدف الى تحقيق ثلاث غايات . الاولى هي احباط الكتاب الباحثين عن الحقيقة عبر البحث والاستقصاء وطرح التساؤلات والتشكيك بما يقدم الينا من معلومات صادرة عن مسؤولين ووكالات انباء، لكي تبلع بسرعة، كوجبة طعام ماكونالد الجاهزة. وحاضر شن الحروب ضد العراق حافل بوجبات ماكدونالد السريعة. لقد ابتلع كثيرون، قبيل غزو وتدمير العراق، أكاذيب اسلحة الدمار الشامل وكون الجيش رابع قوة في العالم.
الغاية الثانية من توزيع الإتهامات هي تحويل الانظار عن الاهتمام بالقضايا الاساسية من خلال اثارة مسائل ثانوية تشغل الكتاب والناشطين. الغاية الثالثة: أقرب لمسألة الهوية المرضية ، أي أن هناك شحنة من العداء للنفس ، والتماهي مع العنصرية الوحيدة المقبولة في الغرب تقريبا ، وهي العداء المبطن والظاهر، احيانا، للعرب وللمسلمين، ولا شك في ان تشفي مواطنين من العالم العربي، على الإنترنت، بضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة، ورمي الفلوجة والرمادي بالبراميل المتفجرة يندرج في هذا الإطار.
الغاية الرابعة هي الاستهداف الشخصي عبر اداء مهمة من أسميه « المخبر السري الالكتروني». اذ يهدف من يوجه الاتهامات الى ايصال المعلومات المشوهة والمضللة الى من يرصد المواقع والمراسلات الجماعية خاصة. هذه الاتهامات التي تجعل الكاتب داعشيا وصداميا واسلاميا متطرفا وعميلا لدول ومنظمات يندرج بعضها في قوائم « الحرب على الارهاب» وفي اجواء قوانين « الارهاب» المحمومة عراقيا وعربيا، ليس اختلافا في وجهات النظر او الرأي. انها تقارير استخبارية يكتبها مثقف صغير أي المخبر السري الالكتروني.

هيفاء زنكنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول S.S.Abdullah:

    الله ما أروع تلخيصك للموضوع في عنوان يا هيفاء زنكنة لكيف أنَّ مثقفي النخب الحاكمة يجب أن يصبحوا طابور خامس بالسليقة ناهيك عن زاوية الرؤيا في التحليل والتفكيك، وأضيف للتوضيح يجب أن نطرح السؤال التالي ما الفرق ما بين لغة الإسلام وما بين لغة الديمقراطية؟ والهدف لتوضيح اشكالية المثقف والسياسي مع الإسلام والقانون.
    الجميل في لغة الاسلام هو يمكننا في البداية أن نتفق لا أنا ولا أنت ولا إيران ولا السعودية ولا السيستاني أو خامنئي يمثل الاسلام، بل الإسلام يمثله القرآن والسنة النبوية فقط، وفي دولة الإسلام الحلال والحرام شيء فوق القوانين وسنّها بطريقة تعتمد على عدد أصوات الموافقين لإعتمادها في مرحلة معينة أو أصوات الرافضين لإلغائها في مرحلة أخرى كما هو الحال في الدولة الديمقراطية.

  2. يقول S.S.Abdullah:

    تعريف اﻟﻤﺸﻜﻠﺔ ﺑﺸﻜل ﺻﺤﻴﺢ ﻫﻲ ﻧﺼف ﺍﻟﺤل ﻋﻠﻰ الاقل، فما هي الإشكالية في سطر من الكلمات؟
    هي ﺭﻓض الإلتزام ﻓﻲ ﺍﻟﺘﻌﺒﻴر ﺑﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ ﺍﻟوﺍﺭﺩﺓ ﻓﻲ ﻗوﺍﻣﻴس ﻟﻐﺔ محددة
    ﻭﺍﻟﺤﺠﺔ أﻥَّ ﻛل شيء نسبي
    أﻱ ﻳﺘﻌﺎﻣل ﻣﻊ ﻛل الألوان ﻋﻠﻰ ﺍﻋﺘﺒﺎﺭ أنَّها إحدى ﺩﺭﺟﺎﺕ ﺍﻟﻠوﻥ ﺍﻟرﻣﺎﺩﻱ
    فمن ﻳدﺧل ﻣزﺍﺟﻪ ﻓﺄﺳﺎﺱ ﻟوﻧﻪ أبيض
    ﻭﻣن لا ﻳدﺧل ﻣزﺍﺟﻪ ﻓﺎﺳﺎﺱ ﻟوﻧﻪ أسود
    وما هو تعريف معنى المعاني تعريف محكم؟
    هو ﺗﻌرﻳف ﺍﻟﻜﻠﻤﺔ ﺍﻟوﺍﺭﺩ ﻓﻲ ﻗﺎﻣوﺱ أيِّ لُغة
    ﺑﺎﻟﻤﻨﺎﺳﺒﺔ القرآن يُفسّر بالقرآن أولا ﻓﺄﻥ ﻟم ﺗﺠد فبالحديث
    فأساس الإشكالية هو أنَّ اﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻭﺍﻟﻤﺜﻘف ﻓﻲ ﻣﻔﻬوﻡ ﺍﻟﺤدﺍﺛﺔ ﻣﻔﻬوﻣﻪ للإبداع ﻫو ﺗﺠﺎﻭﺯ ﺍﻟﻤﻌﻨﻰ ﺍﻟﻘﺎﻣوﺳﻲ ﻭﺍﻟﻬﻴﻜل ﺍﻟﻠﻐوﻱ ﻭﺗﻔﺎﺻﻳل ﺫﻟك ﺗﺠدﻩ ﻓﻴﻤﺎ ﻳﺤﺘﺞ ﺑﻪ ﻣﺆﻳدﻱ ﺍﻟﻨﺨﺐ ﺍﻟﺤﺎﻛﻤﺔ ﻓﻲ ﺃﻱ بلد

  3. يقول S.S.Abdullah:

    لأنَّ الدولة المدنيّة أو الدولة الديمقراطية واعتبار أنَّ المدرسة هي الوحدة الاساسيّة لها هو ما يروّج له مُثَّقَّف دولة الفَلسَفَة في كل أرجاء المعمورة وبكل اللُّغات.
    ولكن هل يمكن أن تكون المدرسة وحدة بناء علميّة إن لم تكن مناهجها اساسها علمي؟
    وهل يمكن أن تكون أي مناهج علميّة إن كان بنائها تمَّ على اسس ثقافيّة/فلسفيّة تتغير حسب أهواء ورغبات ومزاج النُّخَب الحَاكِمَة؟
    وخصوصا فيما يتعلق باللُّغة بشكل عام وبالخصوص لغة القرآن؟!!!
    لقد لاحظت أنَّ الحريّة في ثقافة الـ نحن حدودها عند حدود الطرف الآخر،
    في حين الحرية في ثقافة الـ أنا ليس لها حدود لعدم اعتراف وجود إلاّ الـ أنا

  4. يقول S.S.Abdullah:

    بعيدا عن النظرة السلبية والتي بسببها لن تكون منطقي أو موضوعي في نقد أو تحليل لأيِّ اشكاليّة، من وجهة نظري أنّ دولة العسكر (الجيش بأجهزتها الأمنية والقضائية) هي صنيعة الثورة الفرنسية، والتي أحد قادتها الجنرال نابليون بونابرت، هو أعطى صك فلسطين لقومية اليهود، بحجة أنّ له الحق من خلال مفهوم الحداثة أن يستخدم مفهوم القومية بدل الدين على اليهود، لأنّ الثورة الفرنسية كانت ضد كل أنواع الدين، وفي هذا تجاوز أخلاقي شنيع لأبسط مفاهيم قوانين اللغة ومعنى المعاني في قواميسها.
    وعلى ذكر الاسلام أنا كنت اتساءل لماذا الله اختار مناطقنا لتكون مهبط الرسالات والكثير من الأنبياء بداية من آدم إلى نوح وابراهيم وموسى وعيسى وآخرهم محمد صلى الله عليهم أجمعين، ومن وجهة نظري أنَّ العولمة بأدواتها في صراعها مع الديمقراطية ممثلة في دولة العسكر أجابت لي على هذا السؤال.
    فمناطقنا هي أول من تجاوزت ضيق الـ أنا إلى سعة الـ نحن في طريقة استخدامها للعولمة من خلال أدواتها التي بُنيت وفق مفهوم إشباع غرائز الـ أنا.
    انتفاضة الشعب تحت شعار الشعب يُريد اسقاط النظام لم تنجح في تونس بدون الاستعانة بأدوات العولمة، وكذلك الحال الآن في فلسطين ومصر والعراق وسوريا واليمن والبحرين وغيرها

  5. يقول S.S.Abdullah:

    ومن يرغب في التطوير والإصلاح يجب أن يعي أنَّ هناك فرق كبير ما بين النقد وما بين جلد الذات من خلال البكاء على الأطلال، أو من خلال التهكم والاستخفاف بعقولنا تحت عنوان الأدب الساخر، فالنَّقد بواسطة خفّة الدم شيء والمسخرة والتهريج بواسطة الخزعبلات (خلط الحابل بالنابل) شيء آخر
    لأنَّ بدون تشخيص يعتمد على معلومات صحيحة لن يكون هناك امكانية في الوصول إلى مقترحات تُساعد في حل المعضلات، حيث هناك شيء اسمه ثقافة الـ أنا والتي لا تحترم ضرورة الإلتزام بمعنى المعاني في القواميس وهيكل أي لغة وهناك شيء اسمه ثقافة الـ نحن والتي تحرص على أن تلتزم بمعنى المعاني في القواميس وهيكل أي لغة في تعريف الألوان حسب ألوان الطيف الشمسي والتي تمثل حقيقة الواقع بكل ألوانه الطبيعيّة والمنطقيّة وبالتالي العلميّة.

  6. يقول S.S.Abdullah:

    امتازت انتفاضات أدوات العولمة من أنها تجاوزت النخب وتطلعاتها للسلطة، فهي لا يهمها من يحكم طالما التزم بشيء من الأخلاق وكان مفهومه لاستحقاق الهيبة من خلال احترام حقوق وكرامة وحرية أضعف مواطن فيها، وعلى من يتقدم للزعامة الانتباه، فمن دون تقويض أركان الجيش والأجهزة الأمنية والقضائية للدولة سيكون مصيره كمصير محمد مرسي في مصر من قبل عبدالفتاح السيسي الذي فتح معبر رفح المغلق لغزة بعد مكالمة بان كي مون وأغلقه عندما أرسل وزير خارجيته لدعم نوري المالكي في العراق
    فالنخب الحاكمة في نظام الدولة لسايكس وبيكو وفق مفهوم ثقافة الـ أنا لن تستطيع إّلا دعم النخب الحاكمة إن كان لحكومة نتنياهو أو حكومة نوري المالكي

  7. يقول S.S.Abdullah:

    فالفلسفة لا تحترم الأخلاق، والتي هي تمثل خلاصة خبرة أي مجتمع، والتي تمثله معنى المعاني في القواميس والمعاجم لكل لغة على حدة.
    لأنَّ الحداثة تعريفها واضح وهو لا إبداع إلاّ بضرب الإصول اللغوية والقاموسية والمعجمية، فيما يعرف بالفلسفة بثقافة الـ لا، وفي تلك الحالة على أي اساس يمكن أن يكون أي تأويل له أي علاقة بالواقع إن كان الهدف هو التحديث أو التطوير أو بمعنى آخر شيء يخرج من ضيق الـ أنا إلى سعة الـ نحن
    من وجهة نظري يمكنك أن تتخيل وتفضفض وتتفلسف كما تشاء ما دام كان هذا لنفسك ومع الـ أنا فقط
    فهذا شيء لا بأس أن يقوم به أي عاقل بلغ الحلم وصار تحت طائلة القانون الإسلامي حتى لو كان كلّه خزعبلات،
    ولكن أن تبدي رأي لتنشره حتى يكون من ضمن الـ نحن، يجب في تلك الحالة أن يكون له اساس منطقي وموضوعي وبالتالي لن يتعارض مع العلم،
    وهل هذه اللغة يمكن أن تكون لها علاقة بلغة العرب والتي هي ضد حدود سايكس وبيكو أصلا فكيف الحال إذن مع لغة القرآن؟!
    لأنَّ في هذا المجال الله أمر المسلم أن يؤمن بأنّه لا يعلم بالنيّات إلاّ الله
    ولكن في لغة مثقفي الجرائد أنَّ الفرق ما بين كيس فطن وكيس قطن هي نقطة،
    في حين في لغة القرآن الفرق بين كَيِّسٌ فَطِنٌ وكِيسُ قُطْنٍ كبير جدا
    هناك فرق واضح بين من يكتب نصوصه ومداخلاته من أجل الـ أنا
    وبين من يكتب نصوصه ومداخلاته وكأنَّ الـ أنا والـ نحن تجاوزت مفهوم الصراع وحولها إلى التكامل
    ما رأيكم دام فضلكم؟

  8. يقول سامي الرمضاني - لندن:

    عزيزتي هيفاء زنكنة

    بدلاً من صب جام الغضب على من انتقدوا بعض مقالاتك حول احتلال الموصل وتدمير حضارتها وسبي نسائها من قبل وحوش داعش، أليس من الأمانة الفكرية وصدق القلم أن تراجعي مقالك المعنون ” لماذا رحب اهل الموصل بداعش؟”. فبعد مقدمة تصفين فيها فرحة أهل الموصل وتمتعهم بعودة الحياة الآمنة و “رائحة الخبز الطازج تفوح من المخابز. نساء يتسوقن…” ، تقولين ما يلي:
    “تدل شهادات الكثيرين من اهل الموصل ممن نزحوا خلال اليومين الاولين بان صيت داعش الهمجي وهرب الجنود واحتمال القصف دفعهم الى النزوح الا انهم قرروا العودة بعد ان اطمأنوا على هدوء الاوضاع، وان المقاتلين شجعوا الاهالي على العودة الى وظائفهم، وقاموا بما عجز عنه نظام المالكي ومن قبله المحتل بامكانياتهم وميزانيتهم الضخمة، اي اعادة التيار الكهربائي لساعات عدة والتزود بالمياه وتنظيف المدينة. النقطة الاخرى التي يؤكدها اهل المدينة، خلافا لما هو شائع، هي تمتع الموصل بالهدوء ولم يقع اعتداء على احد بسبب انتمائه العرقي والديني.
    ولكن، كيف يمكن لداعش الارهابية، الهمجية، بافرادها مغسولي الادمغة، الذباحين، أكلة الاكباد والقلوب، ان يسلكوا هذا السلوك الحضاري الذي تفتقر اليه الجيوش اثناء الحروب، وفي مراجعة سلوك الجيشين الامريكي والبريطاني، الحافل بالمجازر والاعتقالات والاغتصاب للرجال والنساء، خلال احتلال العراق، مثال واضح؟ كيف يمكن سقوط مدينة خلال ساعات امام بضع مئات من الداعشيين؟ الا يستدعي حدث كهذا التساؤل عن فحوى الحكاية التي يروجها نظام المالكي وحلفاؤه والادارة الامريكية اعلاميا، الذين شمروا فجأة عن سواعدهم للدفاع عن المواطنين ضد الارهاب؟
    ان ما يحاول نظام نوري المالكي تسويقه هو ذات البضاعة المصنعة بواشنطن، باسم «الحرب على الارهاب». باسمها تم غزو افغانستان والعراق. وانضم تحت لوائها حكام البلاد العربية من السعودية الى مصر، حماية لانفسهم وديمومة لفسادهم، مستندين عليها كعصا موسى لترويع شعوبهم. ولم تقصر اجهزة الاعلام والمثقفين، ترويعا وترغيبا، حتى بات المتسائل او الباحث عن الحقيقة ارهابي لن تثبت براءته. فعاش العراقيون هذا الوضع الخانق يوميا. كل من يجرؤ على رفع صوته احتجاجا او متظاهرا هو، حسب تعبير المالكي، أما فقاعة او قاعدة او صدامي أو داعشي. وغالبا ما يجتر المالكي هذه المفردات في خطابه الاسبوعي امعانا في اهانة الناس واستفزازهم. وكأن الاعتقالات والتعذيب والاعدامات والقصف العشوائي ليس كافيا.
    مما يدفع الى التساؤل عما اذا كان اهل العراق بحاجة الى داعش، القادمة عبر الحدود، او المقاتلين الاجانب لينتفضوا للتخلص من نظام طائفي جائر؟

    1. يقول سامي الرمضاني - لندن:

      للأسف لم ينشر تعليقي كاملا ويبدو أن نصفه الثاني سقط سهواً. وكما ذكرت أعلاه كان عليك قبل مهاجمة من انتقد بشدة مقالاتك حول العراق وخاصة مقالك الذي أثار سخط واسعاً والمعنون ” لماذا رحب اهل الموصل بداعش؟”. ولإتمام ما جاء في تعليقي أعلاه انقل أدناه بقية ما جاء في مقالك:
      “وهل هي داعش، حقا، من حررت المدينة ورحب الاهالي بها؟ أم انهم اهل المحافظة انفسهم بعد ان بلغ الظلم مداه ولم يعد هناك متسع، في الصدور، لكظم الغيض، فضلا عن ان النظام ذاته منخور من داخله بالطائفية والفساد؟ ان من انتفض في الموصل هم، حسب التقارير الموثقة، فصائل ومجموعات مختلفة يغلب عليها الطابع الوطني والعشائري مع ضباط الجيش العراقي السابق وأفراد في المقاومة العراقية السابقة، تطلق على نفسها اسم المجلس العسكري العام لثوار العراق. وبينما يحاول إعلام النظام حجب الأخبار والمواقع الإعلامية، التي تنقل الصورة الاخرى، غير الرسمية، عن العمل الميداني، يعتمد المجلس في نقل اخباره وبياناته على موقعه على الانترنت ومن خلال التواصل الاجتماعي.
      أما داعش الموجودة باعداد قليلة، فانها سلاح ذو حدين. يستخدمه النظام للحصول على الدعم الامريكي وغيره ويستخدمه المقاتلون لترويع النظام وجيشه. وهذا ماحدث. اذ ساعد تضخيم اسم داعش المخيف على اثارة رعب القيادة العسكرية للجيش والجنود وتسريع هربهم. وينأى افراد المجلس العسكري بانفسهم، عمليا، عن التنظيم الداعشي خاصة وان اعضاء المجلس انفسهم ممن كانوا قد قاتلوا القاعدة سابقا.”
      أليس مقالك هذا مدعاة للنقد الشديد بعد ما حل بالموصل وأهلها من كارثة تاريخية وذبح وتشريد وسبي لنسائها؟
      سامي الرمضاني
      لندن
      12 أغسطس 2014

اشترك في قائمتنا البريدية