هل «داعش» مسمار جحا جديد لاستباحة المنطقة؟

كم كان وزير الدفاع الإسرائيلي الشهير موشي ديان على حق عندما قال قولته المشهورة: «العرب أمة لا تقرأ، وإن قرأت لا تفهم، وإن فهمت لا تفعل»! ونحن نقول كم ذاكرتنا العربية والإسلامية قصيرة كذاكرة السمكة، فسرعان ما ننسى لنقع في نفس الأشراك التي لم نكد نخرج منها بعد. لماذا نكرر ببغائياً القول الشريف: «لا يـُلدغ المؤمن من جُحر مرتين»، ثم نسمح لنفس الأفعى أن تلدغنا من نفس الجُحر مرات ومرات؟
لماذا لم يتعلم الإسلاميون من تجربتهم المريرة في أفغانستان؟ ألم تخدعهم أمريكا بالتطوع في معركتها التاريخية للقتال ضد السوفيات ليكونوا وقوداً لها، ثم راحت تجتثهم عن بكرة أبيهم بعدما انتهت مهمتهم وصلاحيتهم، وتلاحقهم في كل ربوع الدنيا، وكأنهم رجس من عمل الشيطان، فاقتلعوه؟ ألم تعدهم أمريكا بالدولة الإسلامية الفاضلة التي ظنوا أنهم يسعون إليها في أفغانستان دون أن يعلموا أنهم كانوا مجرد أدوات لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟
بالأمس القريب صفق الكثيرون لتنظيم القاعدة، واعتبروا قائده محرراً للمسلمين من ربقة الطغيان الداخلي والخارجي. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تبين أن ذلك التنظيم وغيره، بغض النظر عن تطلعاته وأهدافه وطموحاته وشعاراته، تبين أنه كان مجرد حصان طروادة حقق الذين استغلوه الكثير من أهدافهم من خلاله. وما أن انتهى دوره حتى لاحقوه في كل بقاع الدنيا، لا بل وضعوا من ألقوا القبض عليهم من أفراد التنظيم في أبشع معسكر اعتقال في العالم ألا وهو «غوانتانامو». لماذا يكررون نفس الغلطة الآن، علماً أن الكثير من رفاقهم ما زالوا يقبعون في معتقل غوانتانامو، وينعمون بحسن ضيافة الجلادين الأمريكيين؟
ربما يقول البعض إن وضع «داعش» الآن يختلف عن وضع القاعدة أيام زمان. ولا مجال للمقارنة، فداعش سليلة تنظيم الزرقاوي الذي ترعرع في العراق وأذاق الأمريكيين وأعوانهم الكثير من الويلات، مما حدا بالأمريكيين إلى تصنيع ما يسمى بـ»الصحوات» لمواجهة تنظيم الزرقاوي. وهذا صحيح، لكن العبرة دائماً بالنتائج وبالمستفيد. ماذا استفادت المنطقة، وخاصة العراق من ذلك التنظيم. هل تراجع النفوذ الأمريكي والإيراني في العراق مثلاً؟ بالطبع لا. فما زالت إيران التي يدعي التنظيم أنه يعاديها تتحكم بكل مفاصل العراق وتتمدد في سوريا ولبنان واليمن والخليج. ومازالت أمريكا تحكم قبضتها على بلاد الرافدين.
والسؤال الأهم: هل فعلاً دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق من سوريا واحتل محافظة الموصل ومحافظات عراقية أخرى رغماً عن الأمريكيين، أم بتسهيل وغض الطرف منهم؟ ألم تكتشف الأقمار الصناعية الأمريكية بضع عربات روسية دخلت أوكرانيا بسرعة البرق؟ هل يعقل أن تلك الأقمار لم تستطع اكتشاف جحافل السيارات التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية وهي تدخل الموصل وبقية المناطق العراقية؟ هل يعقل أنها لا ترى جماعات الدولة وهي تتنقل داخل سوريا، وتستولي على مدن ومطارات في أرض مكشوفة؟ صحيح أن الطائرات الأمريكية قصفت بعض مناطق داعش في العراق، لكن ليس كل المناطق، بل فقط المناطق التي تجاوزت فيها داعش الخط الأحمر المرسوم لها أمريكياً، وخاصة عندما توغلت باتجاه كردستان العراق حيث المصالح الأمريكية والاسرائيلية.
هل سيسمح العالم، وخاصة الغرب بقيام دولة داعشية بين العراق وسوريا بالطريقة التي تحلم بها داعش؟ ألا يُخشى أن يكون ظهور داعش وتمددها حلقة جديدة في سلسلة المشاريع الجهنمية الغربية المرسومة لمنطقتنا؟ أليس من حق البعض أن يعتبرها مسمار جحا جديداً في المنطقة تستخدمها القوى الدولية كحجة، كما استخدم جحا مسماره الشهير، لإعادة رسم الخرائط وتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ؟
أليس كل الجماعات التي يصفها العالم بـ»الإرهابية» استغلتها القوى الكبرى أفضل استغلال لتنفيذ مشاريعها في أكثر من مكان؟ فعندما أرادت أمريكا تأمين منطقة بحر قزوين الغنية بالنفط، فكان لا بد لها من احتلال أفغانستان. وماذا كانت الحجة؟ ملاحقة تنظيم القاعدة في أفغانستان. ذهبوا الى هناك منذ أكثر من عشر سنوات ومازالوا هناك. ألم تكن القاعدة هي الشماعة لاحتلال أفغانستان؟ حتى في غزو العراق استخدمت امريكا حجة وجود القاعدة هناك بالإضافة الى أسلحة الدمار الشامل. ألم تصبح الجماعات المتطرفة شماعة لكل من يريد أن ينفذ مآربه هنا وهناك؟
ألم يوظفوا تلك الحركات جيداً لتحقيق غاياتهم الاستراتيجية؟ فبحجة الجماعات الإرهابية أصبحت كل منطقتنا مستباحة أمام القاصي والداني كي ينفذ كل ما يريد بحجة مكافحة الإرهاب؟ اليوم بإمكان الأنظمة الدولية القيام بكل الجرائم و الموبقات والخطط في المنطقة بحجة محاربة داعش، وبذلك تلقى دعماً كاملاً من شعوبها خوفاً من داعش، ولن يعارض أحد، لأن كل من يعترض يشتبه بصلته بداعش وبالإرهاب. وحتى لو بقيت الدولة الإسلامية، وتمددت كما يتوعد مؤيدوها، هل سيكون ذلك مجاناً، أم على حساب جغرافية المنطقة وخريطتها؟
ما هي الصفقات الدولية والعربية والإقليمية التي تتم من وراء الستار تحت شعار مكافحة إرهاب داعش؟ ألا يخشى أنه كلما ازداد تضخيم داعش إعلامياً كانت المنطقة على موعد مع خازوق تاريخي من العيار الثقيل؟ ألم يتم من قبل تضخيم خطر القاعدة، ثم انتهى قائدها مرمياً في البحر للأسماك؟ أليس من حق الكثيرين أن يخشوا الآن من تكرار السيناريو المعهود في سوريا ودول أخرى مجاورة تحت حجة مكافحة الإرهاب الداعشي؟ ألم يؤد ظهور داعش وأخواتها في عموم المنطقة إلى وأد الثورات العربية وأحلام الشعوب بالتحرر من الطغاة وكفلائهم في الخارج؟ ألا يؤدي إلى إنهاك المنطقة وشعوبها واستنزافها؟ هل تعلم تلك الجماعات أنها مجرد مسمار؟ هل التاريخ يعيد نفسه بطريقة فاقعة، ونحن نصفق كالبلهاء؟
٭ كاتب واعلامي سوري
[email protected]

د. فيصل القاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عمر إبن الجزائر إبن الشلف إبن أبوالحسن:

    وهل أمريكا والغرب محتاجين لبعبع للسيطرة على بلدان المسلمين فهم أصلا مستعمرين لبلداننا ؟

  2. يقول محمد مكدر من المغرب:

    قد يكون تعليقي سطحي ، لكني كمتابع نهم لقناة الجزيرة مند سنوات طويلة ، يتولد الان لدي الرأي القائل بأن اعدام الرهينتين الامريكيتين كان سببا قويا لخروج أوباما عن سياسة الاعتدال التي انتهجها الى حد الان ،لا في العراق ولا في غيره .فمن غير المسلم به لدى صناع القرار الامريكي أن يدبح أمريكيان علنا أمام الشعب الأمريكي وبتلك الطريقة البالغة الاثارة والقسوة ، وننتظر أن لا يفعل الرئيس شيئا .وقد رأينا كيف هب الايرانيون لعرض مساعدتهم وتبعهم في ذلك وليد المعلم . تم عندما ربما تخوفت اسرائيل من التقارب الامريكي الايراني ضد العدو المشترك الداعشي ، أرسلت طائرة التجسس التي أسقطتها الرادارات الايرانية . وقد لا يكون كل ذلك التكتل الغربي الذي شاهدناه في اليومين أو التلاتة الأخيرة مخططا له مسبقا وسابقا على الأحداث التي توالت . في هذه الحالة اذا أخشى أن ندفع مرة أخرى بمقولة المؤامرة .فاذا كان أوباما قد بنى بعض سياسته على نفض اليد من العراق، ما الذي يدعوه الى العودة من جديد ؟

  3. يقول د.منصور الزعبي:

    إذا كنت تعيش في منطقة صحراوية مليئة بالغبار و التراب فمن الأفضل أن تقصر ثوبك من أجل أن لا توسخ نهايته وأن لا تتشركل به ، و إذا لم يكن عندك جهاز حلاقة كهربائي أو شفرات جيليت تؤمن لك حلاقة سهلة و سلسة فمن المفضل أن تطلق العنان للحيتك و شعر رأسك و ذلك خوفا أن تتسبب بجروح على وجهك و فروة رأسك من موس حلاقة بدائي يلحق الأذى بك . فهل يستطيع المتدينون فهم كلام أنبيائهم و أن لا يفرضوا علينا شيئ يقوم التطور الحضاري بإلغاء إشكاليته .

  4. يقول موريتانيا:

    لقد قلت تعليقي من قبل: لقد اسمعت لو ناديت حيا ..و لكن لا حياة لمن تنادي .الحقيقة انك ماتجاوزت عين الحق في السردوالتحليل من ما ينم عن خبرة عالية في التحليل السياسي ولكن ماالعمل لقد شخصت المرض فاين العلاج يادكتور ؟ محمد.

  5. يقول عربي حر - كندا:

    كل ما في الامر ان اميركا ترى ولكن لا تعرف ما في القلوب. لم تكن داعش تهديدا لاميركا ومصالحها خلال وجودها في سوريه وحتى عندما اتجهت الى العراق كان ذلك في مصلحة اميركا لكي تضغط على الشيعه حتى ترجع اميركا الى العراق بشروطها. المشكله بدأت عندما اقتربت داعش من كردستان والتي تعتبر اسرائيل الشرقيه بالنسبه لاميركا

  6. يقول adnan:

    يقول ميكافلي في كتابه الامير ان على المحتل لدوله من الدول ان يتخذ التدابير اللازمه لارتكاب فظائعه فورا ومرة واحده وان لايعود اليها من يوم لاخر وهكذا يتمكن عن طريق عدم القيام بتبد يلات جديده من خلق الطمئنينه عند شعبه واكتسابه لجانبه بواسطة المشاريع النافعه اما الذي ينهج نهجا مغايرا اما بسبب الجبن او المشوره الفاسده فانه يضطر الى الوقوف دائما وسيفه في يده اذ لايستطيع الاعتماد على رعاياه لانهم بسبب تكرار الاساءات الجديده عاجزون عن الاعتماد عليه ومن الواجب اقتراف الاساءات مره واحده ويصوره جماعيه وهذا يفقدها مزية انتشار التاثيرداعش تطبق ماجاء في كتاب الامير ولكن بصوره عكسيه

  7. يقول غادة الشاويش:

    * اخي عبد الكريم البيضاوي المصلحة تحكم السياسة وليس الاخلاق ولكن من العقل ان تتحالف على الاقل مع من هم اقل اجراما من قال ان الغرب كان اخلاقيا ولم يقتل ويقطع رؤوس الم يمت مليوني طفل عراقي جوعا بسبب الحصار ؟
    الم يقتل عشرات الالف في افغانستان والعراق وهيروشيما والحرب العالمية الثانية ؟
    * الم يحتفظ التاريخ الانساني ولا يزال بغوانتاناموا وابو غريب ؟
    ليس شرطا ان يكون الارهاب متعلقا بدين حتى يكون مرفوضا فاستعمار الشعوب واستباحة دمها من اجل بترولها عمل عدائي لا ايران القاتلة الطائفية الميليشياوية التحرك في العراق وسوريا واليمن ولبنان والطائفية الوجهة وذات الفكرالشعوبي الذي يظهر كلاميا الوحدة مع الاخر لكنه يقتله ويوافق ويبصم على قتله بعشرات الالف مؤهله لهذا الدور هل نحن نعاني من داعش ام من انظمة تمارس ارهاب الدولة نحن نعاني من الاثنين وفي اللحظة التي ستكمل فيها شعوبالمنطقة كتابة التاريخ
    من دم ابنائها وعلى خططهم الاخلاقية والتطويرية ريثما ينقضي مخاض الثورات سيتغير وجه الشرق وسترى بام عينك ارهاب الدولة اثرا بعد عين وبعد ذللك سيلحق به فروعه المصطنعة فمن دعم داعش وادار توحشها ( الايرانيون والنظام السوري وغيرهم ) ليس محلا صحيحا للتحالف معه وخاصة وانه يحمل تحت ابطه مقص لاقتلاع نصيبه من كعكعة التحول القادمة وهذا امر طبيعي فايران ليست عربية وطائفية تقسم وتحارب وتزرع الفتن في محيط اسلامي كان من الممكن ان يكون حليفا الا انها لا تراه كذللك اخي عبد الكريم البيضاوي انت مستغرب وانا مستشرقة مستغربة جدا لمن عرضتهم كحلفاء مكافحة ارهاب لانهم ببساطة رموز عالمية لارهاب الدولة وادارة التوحش والاستعمار البربري والكلام الانشائي لا ينفع ستولد شعوب المنطقة من بين قوسها وسهمها قلمها وثقافتها وابداع ابنائها ولكنك مستعجل ومغرور في نظرتك المبهورة لمن سجلوا اجراما غيرمسبوق في تاريخ الانسانية ( هيروشيما ناكازاكي فيتنام والحرب العالميةالثانية والغرب لم يتغير فمن قتل مليوني طفل عراقي جوعا لا مانع لديه من مزيد اذا اقتضت مصلحته اذن هي حرب المصالح لا الاخلاق وهم الاخطر والاطمع والاكثر اجراما فكيف ترشحهم يا اخ عبد الكريم
    اختك المستشرقة بقدر ما انت مستغرب جريحة فلسطينية منشقة عن الجناح الطائفي الشيعي من داعش ؟ حزب ( الله ) سابقا

  8. يقول خليجي:

    فكرة المقال تستحق أن تكون موضوع الحلقة القادمة من برنامج “الإتجاة المعاكس” على قناة الجزيرة يوم الثلاثاء الساعه 10:05 مساءا بتوقيت مكة المكرمة ويعاد يوم الأرعاء في الساعة 2:05 ظهرا بتوقيت مكة المكرمة

  9. يقول omar ayoub:

    حذار يا أوباما !! فأنت تخاطب بوتين الذي ترعرع في حضن و كنف الكاجيبي،أنت تخاطب زعيم دولة عظمى بتاريخها و اقتصادها و تحالفاتها و ترسانتها النووية و إمتلاكها لحق الفيتو. وليس هم الصومال و العرب والاسلام الذين يتامرن على بعضهم

1 2 3 4

اشترك في قائمتنا البريدية