«سانت بطرسبورغ» للروسية أولغا زيلبيربورغ

ترجمة: صالح الرزوق

Oct 11, 2014

كوليا فاسين رجل من سانت بطرسبورغ، وهو يدعي أنه أهم محب لموسيقا البيتلز (الخنافس) في العالم. ولد فاسين عام 1945، وبلغ الثامنة عشرة حينما وصلت فرقة الخنافس في الغرب للأوج، وتحولت لهوس.
خلف الستار الحديدي، كان الروك أند رول من المخاطر والمفاسد التي تهدم حياة الشبيبة السوفييتية. مع ذلك كان فاسين مولعا بتجميع أشرطة الممنوعات منذ بداياتها. كانت تهرب إلى الاتحاد السوفييتي بشكل غير قانوني، تحت الثياب الداخلية. واليوم يمتلك منها ما ينوف على ألف شريط، ومئات الكتب والأفلام ولوحات للخنافس مرسومة بريشة فناني سانت بطرسبورغ، ناهيك عن البوسترات. 
وتنقلت ممنوعاته في أرجاء المدينة خلال الحقبة السوفييتية، ولدى وصول الخنافس لأول مرة لأسماع الناس في الإذاعة خلال السنوات الأخيرة من عمر الإتحاد، كان فاسين هو المصدر ومن مجموعته استعارت الإذاعة بعض الأشرطة. كانت مدرستي في وسط المدينة بجوار صالة سينما أصلها، للأسف، كنيسة لوثرية كانت للعبادة، وأتذكر كيف أن فاسين عام 1995 نظم في تلك الصالة عرضا شعبيا لفيلم ليالي الأيام القاسية والنجدة(*)!. اجتمعت كل المدرسة هناك لمشاهدة الفيلمين، وبعضنا هرب من بعض الحصص كي لا يفوته العرض. 
يا له من شخصية غريبة، أقصد فاسين، وكم عانى بسبب تعنته وتطرفه. فالاتجار بالممنوعات في السوق السوداء، على سبيل المثال، ضد القانون لأسباب إيديولوجية، ولذلك أصبح تحت خطر ملاحقة الشرطة والميليشيا الوطنية. وفي عام 1971 عمد هو وحلقة من الأصدقاء لتأسيس رابطة موسيقيي الروك وسموها فدرالية البوب وعلى هذه الخلفيات جرى اعتقالهم وتفتيش منازلهم. وعلى امتداد سنوات حوّل فاسين شقته إلى معبد مقدس لتخليد ذكرى جون لينون. وبعد انهيار الستار الحديدي، بدأ التخطيط لبناء معبد كامل مخصص للينون. وابتداء من عام 1989 كسب فاسين فرصة السفر إلى إنكلترا والولايات المتحدة وهناك أقام صداقات مع بعض الأشخاص ممن دعم البيتلز في مسيرة حياتهم المهنية. 
و أصبح فاسين مرجعا مهما فيما يخص الحلقة حتى أنه حينما أقام بول ورينغو حفلة موسيقية في روسيا، كل على حدة، تعرفا على فاسين وتبادلا المصافحة معه. وفي البرنامج الوثائقي (كيف هز البيتلز عرش الكرملين) الصادر عام 2009 ذكر بول مكارتني اسم فاسين كواحد من مصادره حول الطريقة التي تسبب بها الخنافس في انهيار الاتحاد السوفييتي. وقد يبدو هذا مثل نكتة، ولكن في الحقيقة كان الخنافس من المؤثرات العميقة التي حرضت قلوب وعقول أجيال روسية متعددة.
و كان والدي واحدا من الأشخاص الذين تأثروا بهم. في الجامعة اشترك مع فرقة روك وعزف ألحانا للخنافس ولرولنغ ستونز. ومن ذكريات أيام حياتي التي أصبحت لاحقا ما يشبه عالم الأساطير لا زلت أتذكر مجلس التعزية في بيتنا بعد وفاة جون لينون. تلك الذكرى تحولت لخيال، لطيف- لم أكن أصلا أتجاوز عاما واحدا من العمر حينما حصل ذلك، ولكن الصورة لا تزال تعوم وتسبح في رأسي.
زوجي دايف من عشاق الخنافس كذلك، وفي رحلتنا الأخيرة لزيارة والدي في سانت بطرسبورغ زرت برفقته معبد فاسين. فاسين يفتح بيته للزوار يوما في كل أسبوع، وهو يقبل اللقاءات بموعد مسبق. معبده غرفة دافئة ورطبة تشبه المغارات، وفيه أشرطة وغيتارات وكتب وسجلات وأشياء غامضة لا يمكن تصنيفها وكلها مكومة بأكداس من الأرض للسقف. 
كان الستيريو يعزف الموسيقا- طبعا ألحان الخنافس، وبعض الممنوعات والمنتخبات النادرة. وهناك رائحة خاصة بالمكان، رائحة الورق المتعفن والبخور، وربما رائحة الفئران، وكان فاسين نفسه يشبه شيئا غريبا وربما متشردا. 
كانت له لحية غزيرة يغزوها المشيب ويرتدي قبعة بيضاء مغبرة وقميصا بكمين طويلين، عليه صورة بالأبيض والأسود للينون، ومن الواضح أنه طبعها بحنكته وبيديه. وتعود تقريبا لعام 1964. وألقت عليه نظراته الكسولة مظهرا كآبيا. لربما جنى فاسين بعض النقود من بيع لوحاته ومنحوتاته الرخامية، ومن طباعة كتابه (الروك على عظام روسيا، 2007). وهو مزيج من الفلسفة الشخصية وتاريخ الروك أند رول في روسيا، ولكنه من الصعب أن تتصور كيف يمكن لهذه النشاطات أن تكسبه ما يكفي من النقود ليعتاش عليها. أشار فاسين لواحد من مقتنياته والتي يتباهى بها، وهو صورة فوتوغرافية مؤطرة لجون لينون نفسه: في عام 1970 أرسل فاسين برقية للينون في عيد ميلاده، وبمعجزة، رد عليه الموسيقي. ولكن المعجزة الخارقة أن يصل الرد إلى فاسين دون أن تصادره السلطات السوفييتية. 
وخلال معظم فترة زيارتنا، تكلم فاسين عن الفكرة التي لا تفارق خياله منذ بواكير التسعينات، وهي منشأة يسميها معبد جون لينون للمحبة والسلام والموسيقا. وعرض على دايف عدة نماذج للمعبد الافتراضي الذي يفكر به وهو من تصميم عدة فنانين محليين. وعلى الأقل هناك عقبتان تقفان بوجه تنفيذ معبد جون لينون: النقود والموقع. لقد أرسل الاقتراح لعدة رؤساء دول، ومنهم ملكة إنكلترا (لأن بوتين لم يرد). وفي نفس الوقت، وضع فاسين مفكرة للخنافس تضم منعطفات وأحداثا هامة تخص الفرقة. وفي كل يوم من أيام السنة الـ 365، كان يحتفل بمناسبة مختلفة. 
كان مغرما على وجه الخصوص بأعياد الميلاد. كان ميلاد بول في 18 حزيران/ يونيو، ويحتفل فاسين به تقليديا برحلة في الهواء الطلق وحفلة موسيقية على شواطئ خليج فنلندا، ورحلة قصيرة على متن القطار تبدأ من سانت بطرسبورغ. حيث يلتئم شمل باقة من عازفي الروك المشهورين في البلاد محليا ويؤدون معزوفاتهم، مع توزيع الطعام والشراب (ادعى فاسين أنه لم يتعامل مع المخدرات مثل LSD وهو يستمتع بالفودكا). 
تلقينا دعوة- بروشور- للانضمام لرحلة في الطبيعة العذراء، ولكن كان علينا الاعتذار. ففي كل الأحوال، علينا أن نعود بالطائرة إلى سان فرانسيسكو في غضون أيام.
تابع فاسين الترويج لمشروع المعبد. ورتب في التسعينات موضعا بمساعدة إدارة مدينة سانت بطرسبورغ، ولكن النقود لم تتوفر في حينه. وفي المناخ السياسي والاقتصادي الراهن من المستبعد أن يعترف البيروقراطيون بالاتفاقية السابقة (مكان المعبد). 
تبرعت أنا ودايف بالقليل من النقود، وإن لم يتبلور مشروع المعبد فعليا، أتمنى أن يستخدم فاسين هذه النقود في الطعام. 
بسبب كل الأسباب غير الواقعية والرومانسية هناك، يمكن لفاسين أن يحصل على جائزة كبرى. ولكن الاسم وحده- كرره بأعلى صوتك: معبد جون لينون للمحبة والسلام والموسيقا- سوف يجلب لعالمي وحياتي المزيد من المعاني..

*فيلمان بريطانيان بالأسود والأبيض. عن موسيقا الروك. من إخراج ريتشارد ليستير عام 1964و 1965 على التوالي.
أولغا زيلبيربورغ Olga Zilberbourg قاصة روسية تكتب باللغتين الروسية والإنكليزية. والترجمة بإشراف وموافقة الكاتبة

كاتب ومترجم سوري

ترجمة: صالح الرزوق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left