عكا الفلسطينية: مخزن ذاكرة العرب الجماعية

وديع عواودة

Nov 01, 2014

الناصرة – «القدس العربي»: عكا.. واحدة من أكثر المدن الفلسطينية حضورا في الذاكرة الجماعية للعرب حتى لو غارت شقيقتها وجارتها حيفا، وهذا بفضل جغرافيتها وتاريخها. هذه المدينة العريقة المعروفة بمدينة «ظاهر العمر» أو مدينة «الجزار» روايتها هي رواية فلسطين. ارتبط اسمها بأسماء كبار الحكام والفاتحين، وتزخر بآثار عمرانية من مختلف العصور، انقطعت بها السبل عام 1948 فباتت محصورة بين أسوارها وبحرها تقف يتيمة في وجه الزمن، تقاوم المخططات الاسرائيلية لطمس معالمها العربية والسطو على تاريخها وتزوير هويتها وإبراز صبغتها الأثرية الرومانية والصليبية فقط. لا يمكن زيارة عكا دون التسكع في أسواقها التراثية المليئة بحوانيت الأسماك التي يأتي بها الصيادون كل صباح ومطاعم الحمص والفول التراثية والمقاهي ومعارض الحلويات التراثية التي تملأ أنوف الزائرين رائحتها الزكية.
على شاطئ البحر شمال فلسطين وعلى بعد خطوة من صور اللبنانية ما زالت عكا تستهوي قلوب مهجريها في الشتات وهي تشكل قصة حب واحدة تجمع بين فلسطينيين وعرب زاروا وشربوا من مائها أمثال نقولا زيادة وسامي الصلح وغسان كنفاني. اذا كانت يافا عروس فلسطين فان عكا لا تزال واحدة من درر شطآنها. المدينة الموشاة بمدافع ابراهيم باشا والجزار والمرصعة بقبابها البازغة ومساجدها الجميلة هي من أهم المواقع العالمية التي خلدها التاريخ وتعتبرها منظمة اليونيسكو أثرا عالميا. ويقر الكثيرون من المؤرخين أن أصل تسميتها يـعـود الى اللفظة الكنعانية «عكو» وتعني «الرمل الحار».
واليوم يكاد الزائر لعكا ان يمسك التاريخ بأنامله فتتزاحم في مخيلته وذكرياته أسماء من مثل معاوية وصلاح الدين وريتشارد قلب الأسد، وقبالة المعالم الأثرية الباقية تتجلى هيئة ظاهر العمر وأحمد باشا والجزار ومحمد وجمجوم وفؤاد حجازي وسواهم.

سور عكا

ويلف عكا سور ضخم مرتفع من البر والبحر كالسوار حول المعصم وهو من أضخم أسوار العالم، كان ولا يزال يحيط المدينة بهالة من الهيبة والعظمة على غرار أسوار مدينة اسطنبول والقدس.
للسور بوابة كبيرة تقع في الجهة الشرقية كانت تقفل مساء وتفتح صباحا. بني السور في العهد اليوناني في الثلث الأخير من القرن الرابع ق.م وتبعهم الرومان ورممه الصليبيون قبل أن يجدده ظاهر العمر الزيداني في القرن الثامن عشر وجرى تحصينه في عهد أحمد باشا الجزار قبل الغزوة الفاشلة لنابليون بونابرت.

على نسق

مساجد اسطنبول

ومن أبرز المعالم الأثرية في عكا إضافة الى السور قلعة المدينة العثمانية ومسجد الجزار القائم منذ سنة 1781 وهو من أروع مظاهر الفن الإسلامي وأكبر مسجد في فلسطين المحتلة عام 48 وقد بني على نسق المسجد الأزرق في اسطنبول. وكنيسة القديس جوار جيوس ويرجع تاريخها الى عهد الأمير فخر الدين المعني الثاني عام 1597 والحمامات التركية وبرج الساعة الذي بني سنة 1900 بمناسبة مرور 25عاما على اعتلاء السلطان عبد الحميد الثاني العرش ناهيك عن الأسواق وقناطر المياه والمقامات والخانات التي تحمل إرثا حضاريا زاخرا.

سامي الصلح وغسان كنفاني

ارتبطت عكا بالسير الذاتية للكثيرين من أعلام السياسة والثقافة من الماضي القريب. بعض هؤلاء زاروا المدينة أو أقاموا فيها بضع سنوات فاستهوت قلوبهم، ومنهم من ما زال يعبر عن بالغ حنينه ومحبته لها كما فعل المؤرخ الشهير نقولا زيادة في مؤلفة «أيامي» والدكتور هشام شرابي في كتابة الأخير «صور من الماضي».
وهكذا أيضا رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سامي الصلح الذي ولد في عكا وكان مغرما بها بما لا يقل عن ولع احمد الشقيري وغسان كنفاني.
وحتى النكبة امتازت مدينة عكا بازدهار تجارتها البرية والبحرية بفضل موقعها ومينائها ووفرة أسماكها وبحقيقة كونها نقطة جذب سياحية. ولكن شتان بين البارحة واليوم. المدينة التي كانت مزدهرة بأهلها والواثقة من ذاتها وبأسوارها لم تحسب حسابات لأحد كما عبر مثلها الشعبي الساخر: «يا خوف عكا من هدير البحر» .. وساد ذلك حتى عصف بها زلزال النكبة عام 1948 وهجر سكانها.

هويتها الإسلامية

في هذه المدينة المنكوبة يعيش اليوم نحو 25000 نسمة من مجمل نحو 55 ألف كثيرون منهم وفدوا اليها من قراها المحيطة بعد أن سيطرت سلطات الإحتلال على 85 في المئة من منازلها. ويوضح خالد سالم وهو أبن أسرة ذات جذور ضاربة في المدينة أن السلطات الاسرائيلية لم تتوقف عن تضييق الخناق على عكا العربية واضطرار سكانها الى الرحيل من خلال انذار السكان العرب ومنعهم من ترميم بيوتهم التي باتت معظمها تعاني من التصدعات بل والانهيار. وأفاد أن اسرائيل طالما حلمت بتفريغ المدينة من المواطنين العرب ولما فشلت في ذلك سعت الى تقليل اعدادهم بالوسيلة ذاتها عبر منع بناء البيوت الجديدة أو ترميم القديمة ما أدى الى حالة ازدحام شديدة أرغمت الكثير من الأسر على العيش في ظروف غير إنسانية وخطيرة.

عكا لأهلها

ويؤكد الباحث في التراث نظير شمالي أبن عكا لـ «القدس العربي» أن عكا للعكيين ومن حقهم الاعتناء بمقدساتهم لافتا الى ان الكنس اليهودية في الدول العربية كانت ولا تزال في الحفظ والصون.
وينوه أن اسرائيل تحرم العكيين من مصادر العمل وتفضل اليهود في عملية التوظيف وتستخدم مختلف المخططات لطمس الهوية العربية الإسلامية للمدينة وتهميش أصحاب الدار. ويظهر ذلك حتى في تسميات الشوارع والساحات للعامة، اذ تحول السوق الشعبي الى «سوق ماركو بولو» والميناء الى «رصيف الرمبام» وساحة الصيادين الى «فينيسيا» وساحة الكنيسة الى «جنوا» وحي الفاخورة الى «البيزاني» وساحة الكراكون الى شارع «الهغناة» . وهذه ليست رؤية عالمية بل نموذجا لتزوير التاريخ والثقافة وخلق حالة من الإغتراب بين الإنسان والمكان مثلما حصل لسائر مدن فلسطين، يافا -اللد – الرملة وغيرها.
وتعيش المؤسسات التعليمية في المدينة حالة من الفشل والتخلف ولذلك يضطر البعض لتعليم ابنائهم في حيفا والقرى المحيطة. كما تنعكس ملاحقة الأهالي في محاربة جمهور صيادي الأسماك من خلال إغلاق مناطق واسعة من البحر أمامهم بذرائع مختلفة الى جانب فرض الضرائب والرسوم الباهظة عليهم و «التي تجعل مهنة الصيد ضربا من العبث» كما يقول صيادوها.

ترانسفير على الطريقة الإسرائيلية

وإزاء تفاقم الأوضاع المعيشية الخانقة، تشهد عكا في الآونة الأخيرة مبادرات من ابنائها لتمكين السكان العرب من الحفاظ على بقائهم وهويتهم الثقافية الوطنية من خلال جمعيات أهلية منها جمعية «الياطر» للتنمية الثقافية والإجتماعية. ويوضح مديرها العام سامي هواري لـ «القدس العربي» أنه علاوة على تغييب الخدمات البلدية والمدنية من قبل السلطات الاسرائيلية استولت هذه السلطات على معظم البيوت وتحظر على ساكنيها ترميمها، والأهم انها تحول دون حصولهم على القروض لشرائها أما القصور القديمة فيحرم استخدامها كمراكز جماهيرية ثقافية. وعلى خلفية ذلك تعود ملكية هذا البيت فور وفاة ساكنه لشركة حكومية تؤجره الى جهات يهودية فقط بحجة انها ترمي الى تخصيص الأحياء المطلة على البحر للفنانين أو ما الى ذلك. «هذه في الواقع طرق الترانسفير بماركة إسرائيلية « كما يؤكد هواري.
ويضيف «أما السلطات فتغض الطرف عن تجار السموم وجرائمهم في الليل والنهار … وهكذا فإن عكا اليوم بين البحر الأبيض وبين بحر الكراهية الإسرائيلية الأسود، لكن عكا 2014 أكثر قوة وثقة بالنفس وتعمل على مواجهة حصارها بقوة وثبات كثبات أسوارها.
وبفضل تكاتف الأهالي تمت حماية بيت الحاجة أم أحمد مطلع العام من الإخلاء بعدما اعتصم العكّيون في البيت مدة طويلة وحالوا دون الاستيلاء على منزلها.

شعرة الرسول

تحيي عكا سنويا في كل رمضان في ليلة القدرعلى طريقتها التقليدية الخاصة بتبرك المسلمين فيها بشعرة من رأس الرسول المحفوظة في مسجد الجزار التاريخي منذ قرون.
وفي هذه المناسبة يقام احتفال ديني كبير في المسجد بمشاركة حشد كبير من المصلين من المدينة وسائر أراضي 48 تتضمن مواعظ دينية ومدائح نبوية وابتهالات إسلامية، وصلوات التراويح وقيام الليل، يستمرحتى مطلع الفجر.
ومع اقتراب الساعة الثانية عشرة ليلا يبدأ المصلون إستعدادهم بتلهف وشوق لإخراج شعرة الرسول صلى الله عليه وسلم والمحفوظة داخل صندوق محكم في الطابق العلوي للمسجد، حيث يتناولها الشيخ سمير عاصي إمام مسجد الجزار ويعرضها أمام الحشد الذي تفيض مشاعره لحد البكاء أحيانا.
ويظل الإمام يطوف بالشعرة المحفوظة داخل زجاجة في صندوق من الخشب بين جموع المصلين لتقبيلها والتبرك بهذا الأثر النادر. وتعتبر هذه الشعرة أثرا نادرا في البلاد للرسول الكريم منذ العهد العثماني ويتم عرضها على المصلين مرة كل عام في ليلة القدر، وكان السلطان العثماني عبدالحميد الثاني قدمها هدية للشيخ سعد الدين الشقيري المقيم في مدينة عكا والد الرئيس الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، أحمد الشقيري.

عكا تبيع حزنها

على أعتاب اليونيسكو

وعن حالة الاغتراب ومحاولات التمسك بالحلم قالت مديرة مؤسسة «الأسوار» للثقافة والتراث حنان حجازي إن المنزرعين في عكا يحاولون اليوم وبعد نحو سبعة عقود على النكبة والتهجير استنهاض الهمم لترميم زوايا الذاكرة وإزالة غبار الحزن. ويضيف «عكا تعيش الاغتراب والعذاب لكن أسوارها وحماة تاريخها ينبشون الماضي لإضاءة المستقبل وزرع الوعي في الأجيال الصاعدة فقد تنادي المخلصون من أهلها ليقيموا مشاريع ثقافيه ونهضوية منها «ارشيف عكا» الذي يوثق تاريخ المدينة وتراثها». واختتمت بسؤالها الاستنكاري: عكا تبيع حزنها على اعتاب اليونيسكو فمتى تجف دمعتها؟».

وديع عواودة

- -

3 تعليقات

  1. ما هذا الصباح الموشح بحزن البحر وكسرة الحزن في لحن المساجد والاه العالية في اجراس الكنائس كممرةوقعت قدمك على اثر من قدم فارش قديم او صالح وولي ماذا تقول لك حجارة تاريخها الصامتة الصامدة يا وديع وماذا واين هو سجن عكا او اغنية لفلسطين وعاها قلبي وعزفها حزني حتى اني لاتذكرني اجهش في البكاء منذ الصف الرابع على محمد جموم وفؤاد حجازي وعطا الزير زين الشباب
    من سجن عكا وطلعت جنازة محمد جمجوم وفؤاد حجازي
    جازي عليهم يا شعبي جازي مندوب السامي ربعه وعبوده
    محمد جمجوم ومع عطا الزير فؤاد حجازي عز الذخيرة
    وانظر المقدر والتقادير وباحكام الظالم ليعدمونا
    ويقول محمد انا اولكم خوفي يا عطا اشرب حسرتكم
    ويقول حجازي انا اولكم ما نهاب الردى ولا المنونا
    امي الحنونة بالصوت تنادي ضاقت عليها كل البلاد
    نادوا فؤادي ومهجة فؤادي قبل نتفرق تيودعونا
    تنده ععطا من ورا الباب وقفت تستنظر منه الجواب
    عطا يا عطا زين الشباب اهجم على العسكر ولا يهابونا
    خيي يا يوسف وصاتك امي اوعي يا اختي بعدي تنهمي
    لاجل هالوطن ضحيت بدمي كله لعيونك يا فلسطينا
    ثلاثة ماتوا موت الاسود جودي يا اميبالعطا جودي
    عشان هالوطن بالروح نجودي ولاجل حريته بيعلقونا
    نادى المنادي يا ناس اضراب يوم التلاتا شنق الشباب
    اهل الشجاعة عطا وفؤاد ما يهابو الردى ولا المنونا
    اغنية من التراث الفلسطيني تروي قصة الشهداء الثلاثة محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي عكا ذاكرة البطولة والصمود والاحزان لا يهزمها موج البحر بل يتكسر عند صخورها ويسافر اليها فلا يصلها انها اعمق منه في التاريخ وجدان وحزن الوطن

  2. مقال رائع..ليتك يا اخي تتحفنا كل اسبوع او اسبوعين عن مدينة من مدننا المحتلة

  3. شكرا للكاتب وديع عواودة على هذا المقال التاريخي الجامع لايقونة فلسطين عكا الحبيبة والسليبة. يسجل التاريخ لعكا وغزة اسطورة الصمود والمقاومة منذ عهود الاسر الفرعونية مروا بالحثيين والاشوريين والفرس والاغريق والرومان وصولا الى الصليبين والفرنسيين والانجليز والصهاينه.حقا هذه عكا بسورها وقلعتها بمساجدها وكنائسها بابنا ئها في الوطن وفي الشتات ستبقى حاضرة في الذاكرة الجمعية لابناء فلسطين مهما طال الزمن. وتبقى كلمات نابليون وثيقة تاريخية–عكا انستني عظمتي- تعبيرا عن عظمة شعب ظلمه الاقربون قبل ان يفرقه المحتلون.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left