الدوحة ـ»القدس العربي»: منذ عام 1991 قادت زيارة علمية إلى زيمبابوي للبحث في أسباب انخفاض نسبة تسجيل الفتيات في المدارس خطى آن كوتون، نحو تغيير مسار حياتها، لتهب نفسها لأجل القضية وتنجح في منح فرصة دخول المدارس لملايين الفتيات الأفريقيات اللواتي حرمن من الرعاية والاهتمام، وحازت على استحسان دوليّ لنجاحها في تحويل الفرص بالنسبة للملايين من النساء في المجتمعات المهمشة. وخلال أكثر من عقدين من الزمن، بذلت هذه الباحثة القادمة من الشمال، جهودا لتحسين الفرص التعليمية للفتيات والنساء الشابات على هامش النظام التعليمي، ليتأكد لديها أنّ العامل الأساسي في إبقاء الفتيات خارج المدارس هو الفقر لا العوائق الاجتماعية، وأدركت أنه من الممكن تعليم الفتيات إذا ما حظين على دعم مجتمعاتهنّ.
ومن الأدغال الأفريقية وقراها التي توجد بعضها خارج الزمن، تكرم آن كوتون من قبل الشيخة موزا بنت ناصر رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع اليوم في افتتاح مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم «وايز».
واعتمدت كوتون المكرمة في الدوحة نظير جهودها على مقاربة حديثة لتعليم الإناث وهذا بالتعاون مع المجتمعات المحليّة لتناسب احتياجاتها، حيث تتميّز حملة «كامفيد» التي أسستها بنهج شامل وفريد من شأنه أن يكسر الحلقة المفرغة للفقر، وزواج الأطفال، ومعدلات المواليد وفيروس نقص المناعة البشرية / الإيدز المرتفعة من خلال العمل ضمن شراكة وثيقة مع جميع الدوائر التي لديها قدرة تأثير على خيارات التعليم والحياة لدى الفتيات. واستفاد أكثر من ثلاثة ملايين طفل في زيمبابوي، زامبيا، غانا، تانزانيا ومالاوي من البرامج المبتكرة التي يقودها المجتمع المحليّ والتي تمّ تنفيذها في أكثر من 5085 مدرسة شريكة في 115 قطاع ريفي من خلال جهود هذه السيدة.
وانطلقت في الدوحة أعمال مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم تحت شعار «تعلّم – تخيّل – ابتكِر بحضور ألف وستمئة مشارك من مئة وعشرين دولة حول العالم يمثلون قطاعات سياسية ومنظمات غير ربحية.
وأطلقت الشيخة موزا بنت ناصر مبادرتها عام 2009 بعقد مؤتمر سنوي للابتكار في التعليم، وقد شرعت مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع التي تترأسها بتنظيم الحدث منذ ذلك الحين. ويمثل مؤتمر(وايز) مبادرة دولية متعددة القطاعات تتيح التفكير الخلاق والنقاش والعمل الهادف من أجل بناء مستقبل التعليم من خلال الابتكار. ومن خلال قمته السنوية ومجموعة مبادراته المستمرة، يعتبر (وايز) مرجعاً عالمياً لمنهجيات التعليم الحديثة. وأكدت الشيخة موزا في الكلمة التي افتتحت بها المؤتمر «لقد أردنا منذ عام 2011 لجائزة وايز للتعليم أن تكون احتفاء بالإنجازات البارزة لرواد التعليم والمبتكرين في هذا المجال». كما نريد لروح الاحتفاء هذه أن تتناسب مع الرغبة في دعم نزعة الابتكار في التعليم بغية المواكبة الحية للمتغيرات والتحديات في عالم متغير.
وأضافت في هذا السياق «أن هذا الاحتفاء لا يخص الفائز بالجائزة وحده، وإنما هو تكريم مباشر لكل المبدعين في مجال الابتكار في التعليم والمدافعين عن حق الجميع بالتعليم بما يعزز مكانة الابتكار في ابداع حلول استثنائية، وبما يدعم مختلف الجهود العالمية في التصدي لتحديات أولوية التعليم». وكشفت الشيخة موزا أمام الحضور أن الذي يتم تكريمه «هو البحث الجاد المتواصل لخلق رؤية جديدة للتعليم تؤسس لمفهوم جديد يتجاوز التعاطي النمطي مع قضايا التعليم وعلاقته الجدلية بالقضايا الأخرى». وحول دوافع ترشيح آن أعلنت الشيخة موزا «أن لجنة تحكيم جائزة وايز للتعليم قد اختارت شخصا آمنت به يمثل قيم المبادرة وايز خير تمثيل، لتكون جائزة وايز لهذا العام نموذجا للتعبير عن قدرة التعليم على تغيير المجتمعات».
وقالت الشيخة موزا التي ترعى العديد من المبادرات التعليمية أن «امرأة أدركت، كما نؤمن، أن التعليم هو الحل لمختلف القضايا، فعملت على توظيف كلية التأثير في أولوية التعليم لتنمية القطاعات الأخرى من خلال اعتماد التعليم أساسا لخلق دورة ناجحة من الاكتفاء الذاتي في نهج شامل لمكافحة الفقر والحرمان. وأعربت آن كوتون بعد تكريمها في الحفل الذي شهده صناع القرار وأعضاء المؤسسات الفكرية والتربوية عن امتنانها لهذا التكريم. وقالت في تصريح لـ«القدس العربي» أن الجائزة التي حصلت عليها في المؤتمر تعتبرها شرفا عظيما لها ودافعا قويا للحماس، وبذل الجهد في المهمة التي تصدت لها بتعليم الفتيات في المناطق الريفية والمهمشة في افريقيا.
وكشف الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة والفنون والتراث لـ «القدس العربي» على هامش المؤتمر أن الدوحة فخورة باستضافة مثل هذا الحدث العالمي والذي يهدف لجمع العاملين في المجال التربوي لفتح نقاشات تسودها روح الابتكار المستمر في قطاع التعليم توازيا مع القطاعات الأخرى كالتكنولوجيا والرعاية الصحية التي تشهد مزيدا من التطوير. وأكد أن «التعليم يعد ركيزة أساسية لمواجهة الدول للتحديات التي تشهدها ويفتح لسكانها نافذة نحو المستقبل». ويشكل مؤتمر قمة «وايز» استجابةً لضرورة تجديد التعليم وتوفير منصة عالمية لإيجاد أفكار وحلول جديدة. ومن خلال القمة السنوية ومجموعة متزايدة من الأنشطة على مدار السنة، يمكّن المؤتمر المفكرين وواضعي السياسات والممارسين من تبادل أفكار تثمر فوائد حقيقية للمجتمع من خلال التعليم.
ومنذ عام 2009، تطوّر مؤتمر «وايز» إلى هيئة عالمية نابضة بالحياة ومتعددة القطاعات، ما فتئت تولّد الحوار المثمر والشراكات المنتجة. وهذه الهيئة عبارة عن شبكة من الأطراف المعنية بقطاع التعليم، بدءًا بالطلاب وانتهاء بصنّاع القرار من نحو 200 دولة ممن يتبادلون الأفكار ويتعاونون لاقتراح حلول خلاقة لمعالجة التحديات التي تواجه التعليم.
سليمان حاج إبراهيم