فيلم «ما الذي فعلته لربي» للفرنسي فيليب دوشوفرون: كوميديا الهويات العالقة بين الحلال والحرام!

حميد عقبي

Nov 11, 2014

فيلم «ما الذي فعلته لربي؟» للمخرج الفرنسي فيليب دوشوفرون تجاوز عدد المتفرجين 12مليون متفرح خلال الأشهر الأولى لعرضه. ظل لفترة طويلة بدور السينما الفرنسية، كما وجد اقبالا جماهيريا في بلجيكا وسويسرا والمانيا، الفيلم يعرض حال اسرة برجوازية كاثوليكية محافظة، لها اربع بنات. تتزوج الاولى عربيا والثانية يهوديا والثالثة صينيا يكون امل الاسرة، خصوصا الام ان تتزوج الرابعة مسيحيا متدينا كتعويض للخسارة التي منيت بها الاسرة، تكون الفاجعة ان الرابعة تختار شابا افريقيا اسود من ساحل العاج لا تدري كيف تزف الخبر لاسرتها تحاول ان تخبئ الامر، اخيرا تقوم بتعريف اسرتها برفيقها الافريقي، تكون الصدمة شديدة على الام، يتم الاعداد للاحتفال بالعرس، عائلة العريس تأتي لحضور العرس، الفيلم كوميدي تكثر فيه المشاحنات بين الاصهار، يقدم كوكتيلا من العادات والتقاليد اخيرا يتقارب الجميع بحفل العرس.
ما سبب هذه الشهرة الكبيرة جدا لهذا الفيلم؟ لعل اهمها ان الفيلم يقدم هذا المزيج المتنوع وليس الأضداد والتناقضات، فالفيلم لعب على امور عدة كالجمع بين عربي ويهودي، هذا يأكل حلالا وذاك يأكل كوشير، وهي من القضايا التي تأخذ حيز الاهتمام حتى بالنقاشات والسلوك اليومي، كان السيناريو ذكيا وحاذقا جدا، لجمع الكثير من القضايا والزج بها في فيلم واحد تهم شرائح عديدة من المجتمع الفرنسي خاصة. الى جانب انه استطاع تلبية رغبات الجميع في طبخة واحدة مزينة بالكوميديا، فالجميع يسخر من الجميع، العربي من اليهودي واليهودي من الصيني والصيني من العربي وهكذا نرى الجميع اشرارا ثم بالاخير نرى الجميع نبلاء، فالفيلم اتاح لكل واحد صفع الثاني، ثم تعاد الصفعة للاول وهكذا في هذه الدائرة او الحلبة لا يوجد مهزوم او منتصر فالى جانب هذه الصراعات هناك مساحة تتاح لكل واحد بذل اقصى جهد لتوضيح فكرته للدفاع عن بعض عاداته والتنازل قليلا، ثم محاولة التقرب للآخر بحيث يخلق مساحة لمحاولة فهمه ومحاورته، فكل واحد من الشخصيات يبحث عن مكانه بهذا المجتمع. ليس الصراع والحوار بين الشخصيات الرجالية، بل الشخصيات النسائية ايضا لها ما تريد قوله حول تربية الاولاد او الافكار او عن حياتها تريد التعبير عن نفسها ان تجد مكانها. ايضا يوضح الفيلم استقلالية المرأة وحريتها في اختيار شريك حياتها، من دون تدخل الاسرة ومن دون النظر للاعتبارات الدينية او العرقية، صناع الفيلم يقولون ان فيلمهم يقف ضد العنصرية هنا دعوة لمحاولة فهم الآخر، والانصات له للدخول معه في حوار او صراع ليس حبا في الصراع انما حب بايجاد ارضية مشتركة للتفاهم والتعايش ببلد يتسع للجميع يرفع راية العلمانية، ولا يمنع ابدا من ممارسة الطقوس والمعتقدات، اي الفيلم رسالة حب وتعايش سلمي متحرر من الارث، ارث الصراع الماضي، خصوصا بين الديانات الثلاثة المسيحية واليهودية والاسلام.
المخرج في مناسبة العرض الأول كان سعيدا ان الفيلم استطاع اضحاك الجميع وجعلهم يشعرون بالسعادة، اي انه لا يوجد خاسر او مهزوم، يقول ان الفكرة جاءته من احصاء يفيد بان الفرنسيين ابطال في الزواج المختلط، هذا يحدث أقل لدى بقية الدول الاوروبية المجاورة، اما عن طريق تعامله مع الممثلين اوضح انه بعد نهاية كتابة السيناريو واختيار كادر التمثيل قام بالعمل مع كل ممثل على حدة واحدث بعض التعديلات في الحوار، كما حدثت بعض التعديلات الطفيفة، خلال التصوير ثم تحدث انه احب او يصور صورة فرنسا اليوم التي يمكن ان يعيش فيها الجميع بغض النظر عن اللون او العرق او الدين.
الفيلم يناقش زواج الفرنسية من اجنبي في اطار الدراما العائلية لعل من عوامل جذب كل هذا الجمهور انه يثير الفضول منذ الدعاية عنه، الفضول يدفع للبحث عن لحظة فرح وضحك، خصوصا بوجود قمم الكوميديا الفرنسية شانتال لوبي في دور (الام ماري) وكريستيان كلافييه في دور (كلود) ابو البنات، فهنا كان اللعب على خلق لوحات مختلفة ديناميكية هي ابحار في واقع معاش تعيشه الكثير من العائلات الفرنسية بسبب الزواج من اجنبي، فحياة هذه العائلات تتغير بمجرد ارتباط بنتها بزوج عربي او افريقي او اسيوي مثلا، في مشهد بالمصعد الام ماري تعجز عن نطق اسم حفيدها محمود وتقول محمود كلمة صعبة بالنسبة لي. هذا ابسط الامور التي قد تواجه اي اسرة دخول اسماء جديدة عليها التعامل معها، اضف لتلك العادات والتقاليد في الغذاء والملبس وديكور البيت وتربية الأولاد. لنأخذ مثالا اخر نشاهد عملية ختان طفل اليهودي ثم يتم تسليم الجد كلود الجزء الصغير جدا الذي تم قطعه من ذكر الصبي الرضيع بعد ختانه على الجد دفن هذا الشيء وفق التقاليد اليهودية، كلود يرتبك
ثم بحديقة منزل العائلة يحفر حفره لكن كلبه ياتي ليبتلع هذا الشيء ما عليه سوى التظاهر بانه نفذ توصيات التقاليد.
من وجهة نظر الممثلة القدير الشهيرة شانتال لوبي وضحت ان نجاح الفيلم جاء بفضل السيناريو المحكم الحوار الخفيف، الفكرة الاهم فيه ان كل واحد مستعد لمحاكمة الثاني من دون الانصات له، ومن دون النظر الى اخطائه، ايضا لعل الفيلم يعلمنا كيف يمكن ان نتواصل ونتقارب انسانيا، من دون اعتبارات اخرى.
البعض نظر للفيلم انه يعكس وجهة نظر عنصرية، يكرس بعض الصور السلبية، فالشخصيات ليست كاملة أو نموذجية، هي شخصيات من الوسط العادي لها سلبياتها، تتعارك فيما بينها وتختلف، فالمسلم في مشاكسات مع اليهودي ثم مشاكسات بين الصيني واليهودي والصيني والمسلم، وهكذا كل واحد يرى نفسه الأصوب، تبدو العائلة الفرنسية في البداية ضحية لهذا القدر، خصوصا الأم تكون فرحة قبل ذلك ان خطيب ابنتها الرابعة مسيحي لذلك تعد لحفل العرس، تذهبت تزف البشرى للقس بالكنيسة، تتحدث مع الطبيب النفسي ان كل مشاكلها النفسية ستنتهي بهذا الزواج الذي سيعيد للعائلة سمعتها، تكاد تصاب بالصرع عندما تأتي لها ابنتها الرابعة بصديقها الاسود، لتكتمل الخلطة العجيبة، نرى الزوجات في بعض الاحيان يقفن بالوسط مع كل اجتماع للعائلة كل واحدة تقول للزوجها عليك مسك اعصابك إن نال احد منك فغض الطرف، كثيرا ما يكون اجتماع العائلة كاملة يسودة التوتر، تكون هناك مجاملات لطيفة ثم التراشق بالكلمات والتهكم، لكن المخرج أو الفيلم لم يقف بصف واحد من الاطراف لم يكن منحازا لشخص او دين، ثم انه يجمع عائلة افريقية كاملة بعائلة فرنسية يكون التوتر والصراع، العائلة الافريقية لها ايضا نظرة وتصرفات عنصرية، تطالب اهل العروسة بتحمل التكاليف المادية لحفل العرس، الابنة الافريقية اخت شارل هي من تحاول تلطيف الجو تنتقد امها وابوها لبعض التصرفات، اي ان الجيل الجديد يود ان يعيش بسلام بلا صراعات وتعقيدات الماضي، حقبة الاستعمار الفرنسي أو الحروب الصليبية او الصراعات الحالية بين اليهود والمسلمين، فالفيلم حاول ان يحوي كل شيء بهذا المزيج، صناع الفيلم لا يخفون فرحتهم ان الفيلم اضحك الناس بالمقام الاول ببعض العبارات البسيطة غير الجارحة مثلا عندما يتم الترتيب للاجتماع في بيت العائلة الصيني يسأل هل سيكون القذافي موجودا؟ يأتي العربي ليسأل هل سيكون جاكي شان موجودا هنا؟ نحس كلمة القذافي وجاكي شان ليس قصدها التهكم والتجريح بقدر ما تحمله فقط من رائحة كوميدية حين تحضر في ذهن المتلقي هذه الشخوص اي الكاريكاتير الكوميدي وليس النيل من احد.
يضغط الفيلم على قصة زواج البنت الرابعة من أسود جميع الظروف تجتمع لإبطال هذا الزواج، تصاب البنت باحباط تحاول انقاذ حبها، العريس يستسلم لهذا القدر، المشاحنات والجدل بين العائلتين يقف ضد هذا الحب، في النهاية تتحول لصداقة يتم الركض لعودة العريس والعروسة ليتم الزواج بالكنيسة بحضور عائلي يسوده التفاهم والود، يقرر كلود ان يذهب مع زوجته لزيارة الجزائر وساحل العاج ثم اسرائيل والصين في رحلة شهر عسل والتعرف عن قرب لعادات وتقاليد هذه البلدان.

خاتمة

نود ان نختم حديثنا والقول ان الفيلم امتاز بالطابع الكوميدي الهزلي لكنه لم يسخر من الجوهريات للديانات الثلاثة ولم يكلف نفسه الخوض بقضايا فكرية واختلافات نظرية دينية لذلك لم يعتبره احد مسيئا لاي دين، لم يقاطعة احد او ينتقده نقدا لاذعا كونه ليس فيلما يخوض في الدين والفكر او موضوع حوار وصراع الحضارات، كان عملا فنيا خفيفا اخذ نماذج وسلوكيات عادية تثير الضحك ليس هدفها التجريح الجميع يحس في الاخير بالتصالح والفرح، لعل هناك رسائل يمكن فهمها اهمها ان الافكار السيئة قد تاتي من خارج المجتمع قد تكون مضره فالشاب الافريقي مثلا كلما تحدث مع عائلته تحذره الزواج بفرنسية كونها لا تصلح له هذا التحذير يأتي من الخارج بسبب حكم وقناعة خاطئة عن المجتمع الفرنسي، الفيلم يريد القول لكل واحد منا حماقة او سلبيات كالتعالي والنفاق والغرور ثم التعصب للعرق او الدين هذه السلبيات تُفسد التعايش السلمي من الممكن الاتفاق كما حدث في اخر الفيلم اتفاق لشركة تجارية لتسويق اللحم الحلال والكوشير معا هكذا اتفق عليه الازواج الثلاثة المسلم واليهودي والصيني، اذن الفيلم يجري مصالحات بالنهاية كي تخفف اي نقد على البداية، النجاح التجاري الكبير سيدفع لانتاج افلام عديدة حول هذا الموضوع، لكن نجاح اي عمل مرهون بضرورة عمل سيناريو جيد، فالسيناريو هو روح الفيلم كذلك الاخراج واختيار كادر التمثيل، كما حدث في هذا الفيلم الممثل الفرنسي كريستيان كلافييه مدرسة في فن التمثيل السينمائي وجوده خلق نكهة خاصة عطرة من الصعب وصفها.

٭ سينمائي يمني /فرنسا

حميد عقبي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left